حاسوب بقيمة 15 مليون دولار يظهر آثار الفيزياء الكمية

مصدر الصورة SPL
Image caption تستند الحوسبة الكمية إلى القواعد الغريبة لفيزياء الميكنة الكمية، التي تعتمد على مقاييس دقيقة، ذرية أو شبه ذرية.

قال علماء إنهم حصلوا على الدليل الأفضل بشأن إحدى أهم ظواهر الفيزياء الكمية داخل حاسوب صممته شركة كندية بقيمة 15 مليون دولار.

وأعلنت شركة "دي-ويف" عن أنها صممت أول حاسوب عملي بشأن نظرية الفيزياء الكمية، يمكنه حل المشكلات المعقدة أسرع من المتاح حاليا.

ويقول العلماء إنهم أظهروا وجود تأثير يسمى "التشابك" في ثمان وحدات من المعلومات الكمية، وهي خطوة هامة نحو بناء منصة عملية.

ونُشرت النتائج في دورية علمية باسم "فيزيكال ريفيو إكس"، تخضع فيها البحوث إلى المراجعة المتبادلة.

وأثارت شركة "دي-ويف"، ومقرها برنابي قريبا من مدينة فانكوفر غربي كندا، جدلا بإعلانها تصميم حاسوب كمي عملي. وهي خطوة كان يُعتقد أنها لن تنفذ سوى بعد عقود من الآن.

حالة تشابك

وتستغل الحوسبة الكمية القواعد الغريبة لفيزياء الميكنة الكمية، التي تعتمد على معايير دقيقة ذرية أو شبه ذرية.

والوحدات الأساسية للمعلومات في الحواسيب التقليدية هي الـ"بيت"، ويجري تخزينها على شكل سلاسل من الرقمين واحد وصفر.

أما في الحواسيب الكمية، فتُخزن المعلومات على شكل "كيوبيت"، وهي وحدات يمكن تخزينها على شكل آحاد وأصفار في الوقت نفسه.

إلا أن وحدات الـ "كيوبيت" تعتمد في تزامنها على تأثير كمي يُدعي "التشابك"، وهو ما وصفه عالم الفيزياء الشهير ألبرت أينشتين بأنه "حدث غريب عن بُعد".

وقال كولين ويليامز، رئيس تطوير الأعمال بشركة "دي-ويف"، لـ بي بي سي: "هذه أول ورقة بحثية يراجعها باحثون آخرون، وتثبت التشابك في معالِجات دي-ويف".

وأضاف قائلا: "والأهم من ذلك هو أن هذا يعد أكبر توضيح للتشابك في أي نظام حوسبي كمي شديد الكفاءة. إنه إنجاز كبير للمجال."

كما أظهروا أن التشابك كان ثابتا، ليستكمل من خلال عملية معقدة للمعالج.

ويدور معظم البحث الأكاديمي في هذا المجال حول نموذج "البوابات الكمية"، وهي توازي "البوابات المنطقية" التي تكون وحدات بناء الدوائر في الحوسبة التقليدية.

العمل الجماعي

استخدم معدو الدراسة الأحدث على الإطلاق في الحاسوب الكمي وحدة الكيوبت كوسيلة استكشافية لتوفير معلومات عن الكيوبت الخاصة بمعالج البيانات الخاص بجهاز الحاسوب الكمي دي ويف.

وتمكن الباحثون من خلال استخدام المعلومات التي حصلوا عليها من إثبات القدر الكبير من التشابك الذي ينطوي عليه النظام.

ويقول أحد المشاركين في إعداد تلك الدراسة وأستاذ التكنولوجيا بمعهد فيتيربي لتكنولوجيا المعلومات بجنوب كاليفورنيا، فيدريكو سبيداليري، إنه "لا يمكن تفادي ذلك بأي طريقة، فوحدها النظم الكمية هي التي تستطيع الوصول إلى تلك الدرجة من التشابك. وقد أظهر هذا الاختبار دليلًا تجريبيًا على ما كنا نبحث عنه."

أما آلان وود، أستاذ التكنولوجيا بجامعة سوراي، فقال لبي بي سي إن "هناك عاملا واحدا فقط من العوامل الثلاثة التي تقوم عليها فكرة عمل الحاسب الكمي إذا ما وُجد، يمكن أن نطلق على الجهاز أنه حاسوب كمي حقيقي، إنه عامل التشابك."

ووصف وود النتيجة التي توصلت إليها الدراسة بأنها "هامة"، مضيفا أن "النتائج تبدو حاسمة، لأنها تضمنت عددا كبيرا من الكيوبت التي تتشابك وتعمل بشكل جماعي."

يُذكر أن معالج البيانات للحاسب الكمي دي ويف يستخدم 512 كيوبت، ولكن الأسلوب الذي تناولته الدراسة الأحدث في هذا المجال يتضمن القدرة على التعرف على ثمانية كيوبت فقط.

وفي المقابل، يرى المشككون في كفاءة الحاسوب الكمي أمثال سكوت أندرسون، أستاذ التكنولوجيا بمعهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا في مدينة بوسطن الأمريكية، أن تلك الأجهزة تظهر أدلة "جيدة للغاية" في قدرتها على التشابك على المستوى المحلي، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تتمتع بتلك القدرة على نطاق واسع.

وعلق وود على ذلك بأن لديه أسبابا تجعله يصدق أن تشابك البيانات واسع الانتشار عبر معالج البيانات في الحواسيب الكمية.

وأضاف قائلا: "كان بإمكاننا اختيار أي جزء من أجزاء المعالج للقيام بتلك التجربة. ولا يوجد سبب وجيه للاعتقاد بأن التشابك مقصور على ثمان كيوبت فقط."

وتابع قائلا: "قمنا بتجربة أخرى لتحديد مدى التشابك في وحدات خلوية مختلفة وحصلنا على نتائج متطابقة."

وعلق ودوورد على ذلك قائًلا إنه "من الصعب للغاية، وفقا لمبادئ الفيزياء الكمية، مشاهدة شيء ما، لأنك بمجرد مشاهدته تتدخل في كيفية عمله."

وأضاف أنه "أثناء مشاهدة شيء ما يحدث، لابد أن تكون حريصا على ألا تكون جزءا من العملية التي تحدث أمامك. ولكن الأساليب التي استخدمتها تلك الدراسة مقبولة بصفة عامة، إذ تظهر ما تمكنت من إظهاره: التشابك بين عدد كبير جدا من وحدات الكيوبت المستقرة."

ورغم ذلك، يشكك البعض في قدرة تلك النوعية من الأجهزة على تعظيم الاستفادة من مبادئ الفيزياء الكمية من أجل تعزيز الأداء مقارنة بأجهزة الكمبيوتر التقليدية.

"مثير للشفقة"

وبينما يحتاج التشابك بين البيانات إلى سرعة أعلى يتمتع بها الحاسب الكمي، يرى البعض أن هناك إمكانية كبيرة لإحداث التشابك دون زيادة سرعة الحواسيب الكمية.

ففي دراسة نُشرت عام 2013، كشفت الباحثة بمعهد أميرست بولاية ماساتشوستس والمستشارة في تكنولوجيا الحاسوب الكمي دي ويف، كاثرين ماكجيوتش، عن أن الجهاز يقوم ببعض العمليات بسرعة تقدر بـ 3600 ضعف سرعة الحاسوب التقليدي.

ولكن دراسة نُشرت في وقتٍ سابقٍ من عام 2013 أعدها الباحث ماتثياس تروير، من معهد إي تي إتش زيوريخ بسويسرا، رأت أن جهاز دي ويف مثير للشفقة مقارنة بجهاز حاسوب تقليدي مرتفع الإمكانات فيما يتعلق بالسرعة.

وخلص فريق البحث في تلك الدراسة إلى أن الحاسب الكمي لا يوفر ارتفاعا في مستوى الأداء مقارنة بالحاسوب التقليدي.

مع ذلك، يتحفظ البعض على الاختبارات التي أجراها الفريق البحثي بقيادة تروير، إذ يرون أن تلك النتائج لم تتضمن اختبارات يقدم فيها حاسوب الشركات أي ميزة إضافية.

ويقول ويليامز إن استقرار تشابك البيانات الذي اكتشفته الدراسة الحديثة سلط المزيد من الضوء على أن النظم الكمية الجديدة تتسم بقدر أكبر من المرونة مقارنة بنموذج البوابة التقليدي لإجراء المعالجات الحاسوبية الكمية.

وتعاني الأجهزة الكمية المعملية المصممة للعمل بنظام البوابة من إمكانية تسرب البيانات عندما يزول الغموض عن وحدات الكيوبت وتتحول إلى أرقام واحد و أصفار مباشرة. ويؤكد ذلك على أن استخدام الحواسيب الكمية يظل استخدامها مقصورا على المعامل.

المزيد حول هذه القصة