طائرات "بي 52" رمز للقوة العسكرية الأمريكية

مصدر الصورة PA
Image caption جُربت الطائرات الأمريكية المقاتلة "بي 52" في قطع مسافات هائلة خلال حربي فيتنام والعراق.

قبل أن ننطلق في رحلتنا الجوية التي تستغرق ثماني ساعات، قدم لنا الكابتن توماس هايد، قائد إحدى الطائرات التي تعرف باسم القاذفة الجوية "بي 52" الأمريكية، وصفًا مختصرًا للمهمة التي نحن بصددها.

وقال هايد إننا سنقوم بعدد من الطلعات التدريبية لإطلاق قاذفات حول "جزيرة" ما. وأوضح أننا في رحلة جوية قصيرة نحلق خلالها أعلى جزيرة صخرية نائية ومعزولة في مكان ما من بحر الشمال، لكن الجزيرة التي أشار إليها هايد لم تكن في الحقيقة سوى بريطانيا.

إنها المرة الأولى التي تعود فيها تلك الطائرات الحربية من طراز "بي 52" إلى "الديار" الأوروبية منذ أكثر من عقد كامل.

وتعتبر قاعدة "آر إيه أف فيرفورد" التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني بمنطقة غلوسترشاير واحدة من قواعد تشغيل وإقلاع مجموعة كبيرة من هذه الطائرات الجوية المقاتلة التي تعمل بجوار جزيرتي غوام ودييغو غارسيا.

استعراض العضلات

كانت المرة الأخيرة التي تواجدت فيها القاذفة الجوية "بي 52" في أوروبا عام 2003 عندما شنت الولايات المتحدة قصفها الجوي على العراق في إطار ما سمته ضربة "الصدمة والرعب".

والآن نراها تعود إلى المنطقة الأوروبية في إطار ما يمكن أن نسميه استعراضًا للعضلات العسكرية الأمريكية.

ومع أنه استعراض للعضلات وإظهار للقوة العسكرية، يبدو ضروريًا اتخاذ مثل هذا الإجراء في الوقت الراهن في ضوء التدخل الروسي في الشأن الأوكراني.

Image caption باستثناء مقصورة القيادة، تبدو مكونات الطائرة من الداخل أشبه بمكونات الغواصة.

يقول العقيد بسلاح الجو الأمريكي، ليلاند بوهانون إن التوقيت "مثير للاهتمام" رغم إصراره على أنه لا "علاقة لذلك الإجراء بالتدخلات الروسية في أوكرانيا".

ومع ذلك، أضاف بوهانون أن الطلعات الجوية بقاذفة مزودة بإمكانية حمل الصواريخ النووية "يحمل رسالة" ما.

وتعتبر القاذفة الجوية "بي 52" من الأسلحة التي تنتمي إلى عصر الحرب الباردة، إذ ترمز إلى القوة الأمريكية في مجال السلاح الجوي.

وكانت الطائرة التي حلقنا بها قد صُنعت عام 1961، ومرت بعمليات تحديث عدة منذ ذلك الحين.

وبينما كانت الطائرات الحربية من طراز "بي 52" قد استخدمت فيما يعرف بـ "القصف البساطي"، يبدو أنها في الوقت الحالي تُزود بالصواريخ والقنابل الموجهة بالليزر.

سلاح هجومي

زودت "بي 52" أيضًا بإمكانية حمل رؤوس نووية. ويمكن في الوقت الحالي تحميل الطائرة برؤوس تثبت بصواريخ موجهة يمكن للطائرة تسديدها إلى الهدف عن بعد.

ومع أنها لم تستخدم لهذا الغرض حتى الآن، يمكننا أن نرى في مقصورة القيادة بعض المصاريع الإضافية التي تُغلق لحماية طاقم الطائرة من لفحات الانفجار النووي.

وتذكرنا الرحلة على متن تلك الطائرة المقاتلة بتاريخها كسلاح هجومي يكون الخيار الأخير الذي يمكن اللجوء إليه بالإضافة، إلى تذكيرنا بظهور الطائرة في فيلم دكتور سترينغلوف.

فقد ذكرنا ملخص تعليمات الأمن والسلامة الذي شاهدناه قبل الإقلاع بخفة الظل الذي تناول بها المخرج الساخر ستانلي كوبريك الطائرة في فيلمه المعروف.

فقد تضمن الملخص صورة ثابتة للطائرة مأخوذة من الفيلم والتي تمت الاستعانة بها لشرح كيفية الخروج من الطائرة في حالات الطواريء.

ولكن لن يكون هناك قنابل حقيقية هذه المرة، فالطلعة تتضمن التحليق فحسب. لذا لن تحمل القاذفات الثلاثة من طراز "بي 52" والمقاتلات الأحدث منها من طراز "بي 2 الشبح" أي ذخيرة حية أثناء وجودها في بريطانيا.

ورغم مظهرها الضخم، لا يجد من على متنها مساحة واسعة بالقدر الكافي للحركة. وباستثناء مقصورة القيادة، نرى أنها من الداخل أشبه بالغواصة أكثر من الطائرة مع تلك اللمبات الحمراء والشاشات التي تعتبر مصدر الإضاءة الوحيد على متنها.

ويجلس الضباط الفنيون المسؤولون عن تشغيل أجهرة الحرب الإليكترونية على مقعدين خلف مقصورة القيادة مباشرةً.

Image caption من المتوقع أن تعود طائرات "بي 52" و"بي 2 الشبح" إلى الولايات المتحدة نهاية الشهر الجاري

وبسبب رحلتنا الجوية على متن تلك الطائرات، غطيت الأجهزة الإلكترونية بالطائرة بأكياس قمامة سوداء حتى لا تصورها الكاميرات التي نستخدمها.

وأسفل السلم الضيق، يجلس ضابط الملاحة والأسلحة محشورًا في مساحة ضيقة لا تتجاوز مساحة خزانة ملابس صغيرة وحوله شاشات ومفاتيح تحكم بما في ذلك تلك المفاتيح التي تستخدم في إطلاق الصواريخ والقذائف.

ويبدو أن الطائرة مصممة لتتناسب مع حمل أسلحة ووقود أكثر من حمل أشخاص.

وأجاب أندرو، الضابط المسؤول عن توجيه القذائف بالطائرة، على مكالمة صوتية وصلته بقوله "مايهام".

ويشير مسؤول حركة سير الطائرات إلى طائرته الحربية عبر جهاز اللاسلكي بعبارة "دوم – وان – وان"، وتبدو القوات المسلحة الأمريكية سعيدة بأنها تستخدم إشارات لاسلكية غير سرية.

ولكن الغموض يكتنف طاقم الطائرة فيما يتعلق بوجهة إطلاق القذائف في إطار الطلعات الجوية التدريبية التي تستهدف "الجزيرة".

ورغم عبور الـ "دوم - وان - وان" للأراضي البريطانية في خطوط سير متقاطعة، ويبدو أننا قضينا وقتًا طويلًا في التحليق أعلى الساحل الشمالي لويلز ومرزيسايد.

ومن المتوقع أن تعود طائرات "بي 52" و"بي 2 الشبح" المتواجدة في قاعدة فيرفورد التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني إلى الولايات المتحدة نهاية الشهر الجاري.

Image caption تعتبر الطائرة "بي 52" مثالًا حيًا على إمكانية الجمع بين التكنولوجيا الحديثة والتقليدية.

ومع أن التدريب الذي تقوم به تلك الطائرات يستهدف ضمان الجاهزية لأي أعمال عسكرية في المستقبل، يذكرنا ذلك المشهد المضطرب في الشرق الأوسط بأن طواقم مثل هذه الطائرات لن تتمكن أبدًا من معرفة وجهتها التالية.

وبفضل القدرات العالية لطائرات "بي 52" التي تتمكن من قطع مسافة 8,000 ميل دون إعادة ملأ خزان الوقود، من الممكن أن تذهب الطائرة إلى أي مكان في العالم.

وقد سبق للطائرة أن جُربت بالفعل في قطع تلك المسافات الهائلة في حرب فيتنام، وحديثا في العمليات العسكرية بأفغانستان وحرب العراق.

ومع عمرها الافتراضي الذي يتوقع أن يبلغ 30 سنة أخرى، يمكن استخدام تلك الطائرات في عمليات هجومية أخرى إذا لزم الأمر.

ويتلهف طاقم الطائرة العملاقة أثناء تلك المهمة التدريبية إلى إظهار أن تسديدهم نحو الأهداف بعيد تمامًا عن العشوائية في زمن ما يُسمى بـ "القنابل الذكية".

تجدر الإشارة إلى أن الطائرة "بي 52" تمثل مزيجًا من التكنولوجيا الحديثة والقديمة، ولكن كما جاء في كلمات هايد، قائد الطائرة، إن المقاتلة الجوية "بي 52" تقدم دليلًا على أنه يمكنك تدريب كلب عجوز على القيام بحيل جديدة.

المزيد حول هذه القصة