مخترعون شبان يبتكرون حلولا تكنولوجية لمشكلات مستعصية في مصر

مصدر الصورة ITI PHOTOS
Image caption الفريق الفائز في مسابقة ميكروسوفت العالمية يأمل في دعم أكبر لصناعة ألعاب الفيديو في مصر.

عندما تدخل معهد تكنولوجيا المعلومات، على بعد حوالي ساعة بالسيارة من وسط القاهرة، تشعر فورا بأنك خرجت من مصر.

فبعيدا عن الصراع السياسي، الذي تفوح منه أحيانا رائحة دم قتلى التفجيرات ويشغل الكثيرين خارج مصر وداخلها، يبحث شباب مصريون ، في هذا المعهد الواقع على طريق مصر الاسكندرية الصحراوي، عن حلول مبتكرة لمشكلات بلادهم، ويرسمون بها، كما يقولون، وجها آخر لها.

جرو في الفقاعة

تعدت سمعة المطورين والمخترعين الشبان في المعهد حدود مصر إلى العالمية.

في شهر يوليو/تموز الماضي فاز فريق منهم بجائزة دولية في مسابقة كأس مايكروسوفت للتخيلMicrosoft Imagine Cup .

وكان الفريق قد اختير من بين 170 فريقا من 76 دولة للتأهل إلى التصفيات النهائية التي شارك فيها 34 فريقا.

وفي فئة ألعاب الفيديو، فاز الفريق الذي أطلق على نفسه اسم Illogic، بالمرتبة الثالثة لاختراعه3 لعبة فيديو جديدة باسم Puppy in the Bubble "جرو في الفقاعة".

كان هدف وليد خيري، أحد أعضاء الفريق ، أبعد من مجرد الحصول على مكانة عالمية، وهو الإسهام في حل مشكلات مصر الصعبة.

"الانشغال بالعمل هو الحل دائماً للمساهمة في حل مشكلة البلد، كثير من الوقت نستهلكه في جدال بشأن أفكار مختلفة. كل ما نملكه هو الكلام والاعتراض. ومن الأفضل استغلال هذا الوقت للعمل على تحقيق هدف من أهدافك"، يقول خيري البالغ من العمر 24 عاما.

ويضيف "على كل فرد أن يهتم بإصلاح نفسه أولاً، ثم إتقان عمله ثانياً، فهذه بداية حل مشاكلات بلدنا... نجاح كل فرد في مجاله هو البداية الصحيحة".

العداد الذكي

كغيرهم من ملايين المصريين المهمومين بأزمة الكهرباء التي أصبحت مشكلة وطنية منغصة للحياة، انشغل شباب المخترعين بالبحث عن حل. وبعد شهور من البحث، ابتكروا جهازا اسموه Smart Meter أي العداد الذكي.

ويساعد هذا الجهاز ، الذي لاتتعدى تكلفته 200 جنيها استرلينيا ( أٌقل من 70 دولارا أمريكيا) المستهلك على متابعة معدل استهلاكه اليومي أو الأسبوعي أو الشهري من الكهرباء وكذلك التكلفة، بما يمكنه من التحكم في استهلاكه.

وعندما يتجاوز استهلاك المنزل حدود القدرة المالية لصاحبه، يعطي الجهاز جرس إنذار.

مصدر الصورة ITI PHOTOS
Image caption يعتقد الشبان المبتكرون أن هذه الطائرة الصغيرة يمكن ان تسهم في مواجهة أحد أسباب أزمة الكهرباء المستعصية في مصر.

ويتم تركيب الجهاز على عداد الكهرباء . ويقيس استهلاك الكهرباء بشكل دوري ويرسل بيانات الاستهلاك، التي يسجلها، على هاتف المستخدم من خلال رسالة نصية او تطبيق على الهاتف يعمل بخاصية البلوتوث.

فنيا، يتكون الجهاز من حساس sensor يعمل بالآشعة تحت الحمراء Infra-red وظيفته قراءة حجم الاستهلاك، ويرسل الحساس القراءة للمتحكم (Microcontroller) الذى يجري بعض العمليات الحسابية بعد التعرف على حجم الاستهلاك بالأرقام ، ثم يرسلها للمستخدم على الهاتف من خلال (GSM Module) بواسطة رسالة قصيرة SMS أو من خلال (Bluetooth module) عبر تطبيق يعمل على هاتف المستخدم.

وذهب المخترعون لأبعد من ذلك. وابتكروا مركبة طائرة بدون طيار لرصد المشكلات الفنية التي تقلل كفاءة أبراج نقل الكهرباء. وجرى استعراض هذه الطائرة خلال زيارة قام بها رئيس الوزراء إبراهيم محلب للمعهد.

اقتراب من الفقراء

في شهر يونيو/حزيران الماضي، احتفل المعهد بتخريج 714 طالبا وطالبا من مختلف محافظات مصر هم الدفعة 34 من برنامج التدريب الاحترافي.

وحسب سجلات المعهد، تجاوزت نسبة دخول في سوق العمل 70% من بين خريجي هذه الدفعة، وهم من محافظات مصر المختلفة.

ينشغل المعهد بقضية التنمية في مصر.

"أحد أهدافنا الرئيسية هي تدعيم البعد التنموي للطلاب وتحفيزهم على توظيف مهارتهم التقنية لإيجاد طرق لحل مشاكل مجتمعية باستخدام تقنيات تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات"، قالت المهندسة هبة صالح القائمة بأعمال رئيس المعهد لبي بي سي.

اقترب المخترعون أكثر من فئات فقيرة طالما عانت ولاتزال في مصر ، ومنها الصيادون.

فقد ابتكر طلبة المعهد تطبيقا أطلقوا عليه اسم "صياد تك" لمساعدة الصيادين على تحديد الأماكن التى تتكاثر بها الاسماك وذلك بالتعاون مع هيئة الاستشعار عن بعد وهيئة الثورة السمكية.

وحسب الإحصاءات شبه الرسمية، تبلغ مساحة المصايد البحرية والنهرية في مصر 13 مليون كيلومتر. ورغم ذلك، لا يتعدى نصيب الفرد السنوي 13 كيلو من السمك في السنة.

وكلفت إدارة تنمية المجتمع في المعهد فريقا من 5 طلاب شبان بالتفكير في وسيلة للمساعدة.

وبعد بضعة أسابيع من البحث والاتصالات مع هيئة تنمية الثروة السمكية وهيئة الاستشعار عن بُعد وعلوم الفضاء، ابتكر الفريق تطبيق "صياد تك" الذى يمكن الصياد من معرفة الأماكن الأقرب التي تتكاثر بها الاسماك .

مصدر الصورة ITI PHOTOS
Image caption يقول المختروعون الشبان إن وزارة التخطيط اتصلت بهم بعد تجربة تطبيق "صياد تك" سعيا للاستفادة منه.

ويعتمد التطبيق على معلومات توفرها هيئة الاستشعار، عن طريق الأقمار الاصطناعية، عن الأماكن التي تكثر فيه الأعشاب الخضراء الغنية بمادة االكلوروفيل (Chlorophyll) التي يتغذى عليها السمك، ودرجة حرارة المياه (Sea surface temperature ).

ويجري تحليل هذه المعلومات، آليا وفوريا، عن طريق برنامج بالكمبيوتر وتحديد أفضل أماكن للصيد، ثم ترسل المعلومات، التي ترشد إلى أفضل أماكن الصيد، للصيادين بإحدى الطرق التالية : موقع على الإنترنت باشتراك مجاني، رسائل نصية قصيرة "إس إم إس" أو تطبيق على الهاتف المحمول الشخصي.

" اختبرنا هذا النظام مع الصيادين في منطقة السويس ( شمال غرب مصر) بنجاح وتحمس له الصيادون"، يقول بيشوي ماجد ، أحد أعضاء فريق البحث.

ونظرا لأن المعهد يملك حقوق الملكية والاختراع ، فإنه الجهة الوحيدة المسؤولة عن تقديمه للسلطات وتطبيقه.

"اتصل بنا مسؤول من وزارة التخطيط لطلب تطبيق الفكرة، وأحلناه إلى إدارة المعهد"، يضيف ماجد، 24، المتخرج من كلية علوم الحاسب الآلي في جامعة حلوان.

ويتطلع فريق البحث ، الذي يضم 3 فتيات، إلى أن يرى الابتكار مطبقا في أقرب وقت "حتى يمكن أن ننفع بلدنا في هذه المرحلة التي تحتاج فيها إلى جهود الجميع ، خاصة الشباب، لمواجهة مشكلاتها لا سيما في مجال التنمية وتوفير فرص عمل"، يقول ماجد.

"نحن واثقون من أن هذا العمل سوف يحدث فرقا ينفع ملايين الصيادين، ونريد تطبيقه حتى يمكننا معرفة مشكلاته وتطويره".

لم ينس المعهد الفلاحين، الذين هم على رأس الفئات الأكثر معاناة في مصر خاصة بعد ثورة 25 يناير.

وقدم طلبة الدفعة نفسها تطبيقا أطلقوا عليه "ماشية تك" لتمكين مربي الماشية من الحفاظ على ماشيتهم وتربيتها بطرق أكثر كفاءة باستخدام وسائل بالتعاون مع هيئة الارشاد البيطري وطب الحيوان.

وهذه الخدمة متكاملة تجمع معلومات عن مربي الماشية وأفضل السبل لمساعدتهم عن طريق ايجاد أقرب طبيب بيطري ومركز تلقيح صناعي مما يساعد على مكافحة الأمراض بسرعة.

كما يذكِّر التطبيق المربين بمواعيد التطعيم وأهم المعلومات الصحية دوريا عن طريق إرسال رسائل نصية وصوتية على الهواتف المحمولة التقليدية.

ويساعد التطبيق نفسه المسؤولين على التعرف على خريطة توزيع الماشية في مصر، كما يقول المبتكرون.

حرائق وانهيارات

مصدر الصورة ITI PHOTOS
Image caption هذه السيارة الصغيرة " المستكشف" قادرة ، كما يقول مبتكروها، على إرسال صور فورية من تحت أنقاض المباني المنهارة أو من موقع الحرائق.

تعاني مصر من ظاهرتي انهيار المباني والحرائق، اللتين يروح ضحيتهما كثيرون خاصة في مناطق سكنية تتسم بالعشوائية في البناء ما يصعب الوصول إلى الضحايا تحت الأنقاض.

وصمم شباب المعهد آلة أطلقوا عليها Smart Explorer "المستكشف الذكي"، هو عبارة عن سيارة صغيرة مزودة بالكاميرات للدخول في المناطق التي يصعب أو يحظر على الإنسان دخولها في مواقع الحرائق أو انهيار المنازل.

وتساعد الآلة على استكشاف تلك المناطق وإرسال صور فورية عما يدور في هذه المواقع.

انشأ مجلس الوزراء المصري المعهد في عام 1993، وفي عام 2005 انتقلت تبعية المعهد إلى وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

وطوال هذه السنوات، زادت أنشطة المعهد، وأنشأ أربعة فروع أخرى في مختلف أنحاء البلاد. ونظم برامج تدريب في مجال تكنولوجيا المعلومات وبرامج الكمبيوتر لخريجي الجامعات، تشارك فيها 45 كلية من 13 جامعة.

كما أُنشئ 61 مركز تدريب في 22 محافظة من سيناء والاسكندرية في الشمال وحتى أسوان في الجنوب، تلقى فيها مليون و200 ألف شاب تدريبا على مختلف قطاعات تكنولوجيا المعلومات وتطبيقاتها لتأهيلهم للعمل في مرافق الخدمات العامة وشركات القطاع العام والخاص.

ويرتبط المعهد بشراكات مع مؤسسات علمية عالمية مرموقة مثل جامعات نونتغهام البريطانية واوريغون للصحة والعلوم الأمريكية ولايبزيغ وبدربون في ألمانيا ومعهد دبلن للتكنولوجيا الإيرلندي والجامعة المصرية اليابانية.

تعتمد استراتيجية المعهد، كما تقول صالح، على محورين هما "التوسع الرأسي حيث يعمل المعهد على تقديم باقة متميزة ومتنوعة من البرامج الفنية المتخصصة، والتوسع الأفقي لنشر ثقافة تكنولوجيا المعلومات في أنحاء مصر وضواحيها النائية والفقيرة من خلال البرامج المختلفة المستهدفة لمستويات وفئات مختلفة من المتدربين.

مصدر الصورة ITI
Image caption تطبيق "صياد تك" يحدد للصيادين أفضل أماكن الصيد، ويرسل لهم إحداثيات المكان على الهواتف المحمولة.

تضيف صالح أن من أولويات المعهد تدريب الكوادر البشرية لتلبية احتياجات سوق العمل فى كافة تخصصات مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتى تتطلب مهارات فنية عالية.

وحسب تقارير المعهد، فإنه تم حتى الآن تأهيل 3314 شخصا ليكونوا مدربين، وهؤلاء دربوا مليون و250 ألف شخص في أرجاء مصر.

" قلما تجد شركة كبرى، محلية أو عالمية عاملة في مصر ليس بها عاملون من خريجي المعهد. ومن هذه الشركات إي إن سي ، آي بي إم ، فاليو، وفودافون"، تقول صالح.

ويضرب المهندس عاطف حلمي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصري ، مثالا بشركة EMC العالمية المتخصصة في خدمات تكنولوجيا المعلومات، وخاصة في مجال الحوسبة السحابية Cloud Computing والبنية التحتية التي يعمل بها 750 متخصص من الشباب المصري، كثيرون منهم من خريجي المعهد.

"تعول وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات كثيرا على المعهد وطلبته وخريجيه في الترويج ليس فقط لدور تكنولوجيا المعلومات في التنمية، ولكن في البحث عن حلول لمشكلات مصر"، حسبما قال حلمي لبي بي سي.

غير أن المبدعين الشبان المتحمسين يشكون من عدم الاستفادة من ابتكاراتهم.

"أخشى من أن يبقى ابتكار صياد تك في الأدراج مثله مثل الكثير من المشروعات الجيدة المفيدة للبلد بسبب البيروقراطية وقلة الاهتمام"، يقول ماجد.

هذا لن يحدث، يقول الوزير، الذي يؤكد أن يتابع بشكل مستمر إبداعات طلبة وخريجي المعهد.

مصدر الصورة ITI PHOTOS
Image caption أحمد عساف في أثناء حفل تخرجه من المعهد، وهو يحمل العداد الذكي الذي يمكن من السيطرة على الاستهلاك في ظل أزمة الكهرباء المستعصية في مصر.

"ندرس بجدية الآن إنشاء كيان عملاق يستوعب الأفكار المبتكرة، ودراسة سبل تطبيقها، لأن هذا هو التطور الطبيعي لو أردنا تطبيق خطتنا لجعل تكنولوجيا المعلومات هي الحل لمشكلات التنمية"، يضيف الوزير.

وحسب الوزير، فإن هذا الكيان سيكون "أول مجمع للابتكارات بالتعاون مع وزارة البحث العلمي وسيكون مقره القرية التكنولوجية في منطقة المعادي (جنوب القاهرة)".

وكشف عن اتصالات تجريها وزارته من مختلف قطاعات الدولة مثل الكهرباء والتعليم والطاقة للاتفاق على آلية للاستفادة من مبتكرات المبدعين الشبان.

ولم يحدد الوزير توقيتا لتفعيل هذه الآلية.

ونصح بتشجيع الشركات والمشروعات الصغيرة والمتوسطة كإحدى وسائل مساعدة المبدعين الشبان على تسويق مبتكراتهم.

تقول صالح إن المعهد "جهة ابداع وابتكار حلول لمشكلات البلاد وليس مكان تصنيع ، فضلا عن التدريب".

ووعدت صالح بالاستجابة فورا لأي استعداد من جانب أي وزارة أو جهة في مصر ترغب في تطبيق ابتكارات المبدعين الشبان.

ومن ناحيتها، عبرت صالح عن اعتقادها بأن الشباب "اعتاد أن يفضل السعي لوظيفة بدخل ثابت مجز "، وحثتهم على "تغيير أكبر في نمط التفكير، لو أرادوا ترجمة حماسهم إلى عمل فعلي يروج لإبداعاتهم".

"المشكلة الرئيسية هي أننا في مصر لا نزال نفتقد الرؤية الشاملة لأهمية التكنولوجيا البالغة، ولم تترسخ القناعة بعد بأنها عصب الحياة في كافة القطاعات" تقول صالح. غير أنها تعتقد بأن "هذه الرؤية تتشكل الآن ونتوقع أن نرى قريبا مظلة لاستيعاب إبداعات المعهد".

المزيد حول هذه القصة