أزمة إيبولا: تقارير من خط المواجهة في سيراليون

مصدر الصورة Reuters
Image caption ما زال فيروس إيبولا ينتشر بصورة كبيرة في سيراليون

وقف خمسة أو ستة مرضى في مدخل مركز علاج فيروس إيبولا بمدينة كينيما، شرق سيراليون في 23 يونيو/حزيران الماضي.

وكان من بين المرضى طفلان في خيمة مؤقتة بيضاء اللون نصبت على قمة منحدر.

وقف الطفلان لبضع دقائق قبل أن ترشدهما الممرضات اللاتي يرتدين سترات واقية إلى أسرتهم.

وسار الكبار مثل الأطفال الذين يتعلمون خطواتهم الأولى، أما الأطفال فلم يتحركوا إلا وأيديهم بأيدي الممرضات.

وحمل المرضى وكأنهم في طريقهم لحبل المشنقة، وعلمت لاحقا أنهم جميعا ماتوا، ما عدا شخصا واحدا.

ولن يمح مشهد لفتاة بين هؤلاء المرضى، ربما في الخامسة من عمرها، من ذاكرتي إلى الأبد.

وما إن أعانق ابنتي البالغة من العمر عامين صباح كل يوم، أو أطلب منها أن تذهب للنوم ليلا، إلا وأتذكر تلك الفتاة التي كانت تقف وعلامات الضعف والهزال تبدو عليها حتى من مسافة بعيدة.

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption تشخيص فيروس إيبولا يمكن أن يبدو وكأنه حكم بالإعدام لكثير من الناس في سيراليون

محرار اليد

بدأت أعتمد على محرار طبيعي – الجزء الخلفي من يدي – لمعرفة درجة حرارة الأطفال ودرجة حرارتي أنا شخصيا، لأن المحرار التقليدي يشبه الحقنة ويخيف ابنتي.

وعندما تتوقف حركة المرور وأنا أقود سيارتي، أضع الجزء الخلفي من يدي على وجهي وعنقي ومعصمي بصورة تلقائية لمعرفة ما إذا كانت درجة حرارتي مرتفعة أم لا.

وأسحب المرآة الخلفية لأرى ما إذا كانت عيناي حمراوين، وهي إحدى أعراض الإصابة بفيروس إيبولا، وأكرر هذه العملية عدة مرات في المنزل.

وأغسل يدي بمطهر عندما أشك في أنني اتصلت بشخص ربما يكون مصابا بالفيروس.

صحافة المواطن

كصحفي، قمت بتغطية حروب أهلية أصبت خلالها بطلق ناري في ساقي، كما غطيت انتخابات عنيفة كنت خلالها هدفا للهجوم في أي وقت.

ولكن لم يسبق لي أن شعرت بهذا القدر من الخوف وهذا القرب من الموت وأنا أغطي تفشي فيروس إيبولا في سيراليون.

أؤمن بصحافة المواطن، حيثما كان ذلك ممكنا، ولكن طبيعة تغطية انتشار فيروس إيبولا، أجبرتني على ممارسة ضبط النفس.

ينتقل الفيروس عن طريق سوائل جسم الإنسان، ولذا قد يكون الجزء الأمامي للميكروفون الذي أستخدمه في عملي ممرا للعاب شخص مصاب بالفيروس.

هذا بالإضافة إلى حقيقة أنني قد أرتكب خطأ وألمس شخصا مصابا بالفيروس. ونتيجة لذلك، تكون حركتي مقيدة للغاية.

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption تعد الحمى أحد الأعراض الأولى للإصابة بفيروس إيبولا

الذعر الأكبر

سيراليون بلد معرض لتفشي مرض الملاريا، ونتيجة لذلك تعد الحمى شيئا شائعا إلى حد ما.

ويعد مرض الملاريا أكبر قاتل للأطفال في البلاد، وأدى لوفاة الكثير من البالغين أيضا.

ولكن منذ ظهور مرض إيبولا، من المدهش أن تجد الآباء والأمهات الذين تم تشخيص إصابة أطفالهم بالملاريا لا يشعرون بالذعر الكبير كالمعتاد ولكن يشعرون بالراحة شيئا ما لعدم إصابة أطفالهم بالإيبولا.

وفي الوقت الراهن، لا تستقبل المستشفيات هنا – من القطاعين العام والخاص – إلا المرضى المصابين بفيروس إيبولا.

وتكتظ المنازل بامدادات وفيرة من القفازات، لا يفوقها إلا المواد الغذائية، لحالات الطوارئ مثل الحمى.

وكان الذعر الأكبر خلال تلك الأزمة هو عندما شعرت ابنتي، آنا، بأنها ليست على ما يرام ووصلت درجة حرارتها إلى 37 درجة مئوية.

واتصلت بطبيب أطفال عبر الهاتف ونصحنا بإعطائها دواء معين، وأصبحت على ما يرام في اليوم التالي.

وفي أوائل أغسطس/آب الماضي شعرت بارتفاع في درجة حرارتي وبألم شديد في المعدة، ومرت هذه الليلة وكأنها أسبوع كامل.

سجن افتراضي

أرسلت رسالة نصية إلى صديق هندي يعمل طبيبا في مدينة فريتاون نحو الساعة الثالثة صباحا، وطلب مني أن أراه في وقت لاحق من صباح ذلك اليوم.

وعزلت نفسي دون أن يلاحظ أطفالي ذلك، خوفا من نشر الذعر بينهم، وأبلغت هيئة الإذاعة البريطانية بذلك. وتبين أن ألمي كان مصدره قرحة في المعدة.

ويقلق الجميع هذه الأيام من أي شعور بالحمى أو آلام في المعدة.

يعيش أطفالي في سجن افتراضي، حيث أغلقت المدارس في جميع أنحاء البلاد بسبب تفشي الفيروس، ومنعت نجلي البالغ من العمر ثماني سنوات من الذهاب إلى المدرسة الإسلامية للسبب نفسه.

ويقضي أطفالي أياما داخل المجمع السكني بدون أي اتصال مباشر مع العالم الخارجي، وأطلب منهم غسل أيديهم بانتظام.

وبعد خلاف مرير، وافقت أنا وزوجتي على التخلي عن خادمتنا – وإعطائها الأجر – حتى يتحسن الوضع.

ولم يكن الأطفال في مدخل مركز كينيما الطبي لعلاج المصابين بفيروس الإيبولا سوى غيض من فيض.

ومنذ 16 ديسمبر/كانون الأول، فقد 373 طفلا حياتهم بعد إصابتهم بالفيروس في سيراليون، وفقا لبعثة الأمم المتحدة لمكافحة فيروس الإيبولا. وفقد 5135 طفلا أحد الوالدين أو كليهما بسبب الفيروس.

وكلما أفكر في هذه الأرقام الكئيبة، أبذل جهدا إضافيا لكي أكون أبا جيدا من خلال التواجد لفترات كبيرة في المنزل ومنح أبنائي مزيدا من الحب والاهتمام.

سوف نتخلص من الإيبولا يوما ما، لكننا لن ننسى أبدا كيف غير هذا الفيروس نمط حياتي وحياة أطفالي معي إلى الأبد.

المزيد حول هذه القصة