كيف تتحكم تقنيات "التصحيح الذاتي" في تصرفاتنا؟

مصدر الصورة Thinkstock

في الوقت الحاضر، بات بوسع أجهزة الكمبيوتر التعرف على طبيعة ما سيتفوه به المرء حتى قبل أن يعرف هو نفسه ما الذي سيقوله. في هذا السياق، يقول الكاتب إيفان سلنغير إن من شأن ذلك أن يُشَكِل محاوراتنا مع الآخرين ببراعة، دون أن ندرك نحن ذلك.

هل يدري كل منّا ما الذي يريده حقاً؟ في الوقت الحالي، تحاول أجهزة كمبيوتر، موزعة في مختلف أنحاء العالم، التعرف على إجابة عن هذا السؤال؛ وفي الغالب قبل أن تعلم أنت نفسك هذه الإجابة.

فإذا ابتعت أنت كتبا أو مقطوعات موسيقية من على موقع أمازون، أو شاهدت فيلما على موقع نت فليكس، وهو موقع إليكتروني لتقديم خدمة مشاهدة الأفلام حسب الطلب، أو كتبت حتى رسالة نصية؛ ربما تكون تلك الأجهزة القارئة للأفكار قد اضطلعت بدور في توجيهك إلى مثل هذه الاختيارات، وذلك عبر التوصيات التي تقدمها لك.

وتتمثل طريقة عمل هذه المنظومات من الخوارزميات الرياضية القادرة على التنبؤ بتصرفاتنا المستقبلية في تحديد الأنماط التي ينتظم على أساسها سلوكنا، عبر استقراء تصرفاتنا السابقة، ومن ثم السعي إلى بلورة استنتاجات بشأن رغباتنا في المستقبل.

في الوقت الحالي، انتقلت تلك المنظومات إلى القيام بمهمة جديدة: ألا وهي توقع ما الذي يعتزم المرء كتابته. وتنفذ هذه المنظومة عمليات التصحيح التلقائي على نحو فعال للغاية، وتحمل في طياتها وعودا بإعادة تشكيل سلوكياتنا بطرق غير متوقعة.

وهنا يأتي السؤال؛ ما الذي يمكن أن يحدث على صعيد الاتصالات بيننا وبين بعضنا البعض، إذا ما عرضت مثل هذه الخوارزميات الرياضية أن تصبح بمثابة المتحدث بلساننا؟

على أي حال، يمكن القول إننا أصبحنا نعتمد بشكل متزايد على التقنيات الخاصة بالتصحيح التلقائي فيما يتعلق بكتابة النصوص، وذلك لكي يتسنى لنا التعرف على أمور يتعين تصحيحها، مثل الكلمات التي أخطأنا في كتابتها على نحو عرضي، أو تلك التي لم نكتبها على نحو صحيح نظرا لجهلنا بالهجاء السليم لها.

وتعمل هذه التقنيات على توقع أي من المفردات البديلة ستكون أفضل بالنسبة لنا، لكي تحل محل تلك التي تحتوي على أخطاء.

مصدر الصورة Thinkstock

للمفارقة، فإنه عندما تؤدي تلك التقنيات عملها على نحو جيد، لا نوليها نحن اهتماما يذكر، إذ أنها تتقهقر إلى خلفية المشهد، لتصبح أشبه بمصحح لغوي غير مرئي قادم من عالم الجنيات والأشباح "دائما ما يقرأ النصوص من فوق أكتافنا".

في العام الماضي، قدمت شركة آبل ما وصفته بالجيل الجديد من التقنيات المستخدمة في هذا المضمار، وهي خاصية تحمل اسم (كويك تايب)، المتضمنة في نظام تشغيل iOS 8.

ويفترض أن تتوقع هذه الخاصية الجديدة "المفردات التي يرجح أن يكون المرء بصدد قولها، بغض النظر عن هوية من سيقولها له".

وتشعر الشركة بالرضا البالغ حيال تلك الخاصية التي تقول إنها توفر "اقتراحات دقيقة".

ففي الحالات البسيطة، يوفر (كويك تايب) بدائل واحتمالات بديهية وتتسم بالعمومية.

فإذا ما كان شخص ما يرسل لآخر رسالة يسأله فيها عما إذا كان يريد التوجه لتناول العشاء في الساعة الخامسة أو السادسة، من الممكن أن توفر خاصية (كويك تايب) في الخانات الثلاثة المخصصة للاحتمالات والبدائل الممكنة للإجابات؛ كلا من الخيارات التالية: "الخامسة" أو "السادسة" أو "لست متأكدا بعد".

مع ذلك، وعلى المستوى النظري، بوسع هذه التقنية الجديدة القيام بما هو أكثر من ذلك بكثير.

وتقول آبل إن الحساسية البالغة التي تتسم بها تلك الخاصية فيما يتعلق بمراعاة السياق الذي تدور في إطاره المحادثات، تمكنها من جعل توصياتها ملائمة للسياقات المختلفة، التي نستخدمها عندما نكون بصدد الحديث مع أشخاص مختلفين.

فمن الناحية الظاهرية، بوسع (كويك تايب) أن تحدد أن "اختيارك للكلمات يميل لأن يكون أكثر بعدا عن الطابع الرسمي مع قرينتك مقارنة برئيسك في العمل،" ومن ثم التصرف تبعا لمثل هذه المعلومة.

متوقع النصوص

أما إذا تطرقنا إلى مدى دقة عمل "كويك تايب"، سنجد أن المتشككين في جدوى تلك الخاصية يقولون إن ثمة مبالغات تدور في هذا الشأن.

وما إن يخفق نظام التصحيح التلقائي في التنبؤ بدقة بما يرغب المرء في كتابته حتى يصبح مثارا لنكات تتداول على نطاق واسع، وتعلو الصيحات بشأن الخصوصية.

مصدر الصورة Thinkstock

بل إننا نشهد بالفعل تشبيهات ذات طابع هزلي تتناول أوجه القصور في "كويك تايب"، وكذلك تأليف ما سُمي "أغنيات سخيفة من وضع كويك تايب"، من قبيل السخرية أيضا من هذه التقنية.

ولكن حتى إذا ما كانت النسخة الحالية من "كويك تايب" معيبة، فإن التقنيات الأخرى المماثلة لتلك الخاصية ستتحسن بمرور الوقت.

وبحلول ذلك الوقت، سنكون قد أصبحنا أكثر اعتيادا ربما على استخدام مثل هذه التقنيات التي تتنبأ بما نريد كتابته، وذلك لمواكبة متطلباتنا سواء على الصعيد الشخصي أو المهني.

ولهذا السبب، يتعين علينا التفكير ملياً بشأن ما إذا كان ينبغي علينا السعي لتطوير نسخة أكثر تطورا من تلك التقنيات أم لا.

فمن بين الآثار المترتبة على وجود مثل هذه التقنيات في المستقبل، أنها قد تحولنا إلى ما يمكن أن أسميه مجموعة من التعبيرات الشخصية المبتذلة والمكررة.

ما الذي يعنيه ذلك؟ دعونا نبدأ بالحديث عن تعريف "التعبير المكرر المبتذل" أو ما يُطلق عليه البعض اسم "كليشيه".

على سبيل المثال، يرى قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية أن الـ"الكليشيه" ليس فقط مجرد "عبارات شائعة" أو "رموز نمطية"، ولكنه كذلك "مفردات وتعبيرات" يمكن وصفها بأنها قد "ابتُذِلت".

وفي ضوء افتقار مثل هذه التعبيرات المبتذلة للعمق والمغزى، فإنها تبدو سمجة ومسطحة، كما أنها تبدو مثيرة للضجر إلى حد يجعلها شديدة الإملال.

بوسعي القول هنا إن مثل هذه التعبيرات "لا تساوي شروى نقير"، كما يقولون، ولكن بطبيعة الحال فإن استخدامي لهذا الوصف هو في حد ذاته .."كليشيه" أو "تعبير مبتذل" بدوره.

لذا، دعني أذكرك بدلا من ذلك بملحوظة أكثر حداثة أدلى بها الكاتب والشاعر البريطاني-الاسترالي كليف جيمس، قال فيها إن "جوهر أي تعبير مبتذل لا يكمن في إساءة استخدام مفرداته، وإنما في كونها فاقدة للحياة".

مصدر الصورة Thinkstock

ولكن في أغلب الأحوال، وحتى دون أن ندرك ذلك، فإننا نصبح عرضة للإنزلاق باتجاه استخدام تلك "الكليشيهات"، عندما نفكر أو نتحدث على نحو متعجل.

وهكذا فعندما لا يستدعي الأمر اللجوء إلى "حرية استخدام المخيلة الشعرية" أو "الابتكار" في صياغة المفردات، يصبح كافيا، إن لم يكن باعثا على الاطمئنان، أن نلجأ إلى التراكيب التقليدية والتعبيرات الشائعة المتشابهة اللتي تفتقر للأصالة.

من جهة أخرى، فقد تكون مثل هذه التعبيرات المبتذلة، عبارة عن تراكيب لغوية مختصرة تسمح للمرء بالتواصل مع الآخرين، بدون الحاجة إلى التفكير على نحو شديد العمق، بشأن الكلمات التي يقوم باستخدامها.

التفكير الضحل

يعيدنا ذلك إلى الحديث عن مستقبل التقنيات الخاصة بالتصحيح التلقائي؛ فمن خلال تشجيعنا على عدم التفكير عميقا في مفرداتنا، يمكن أن تغير هذه التقنيات ببراعة من الكيفية التي يتفاعل بها كل منّا مع الآخرين.

ففي الوقت الذي يصبح فيه الاتصال بيننا وبين من حولنا لا يتم بشكل واعٍ من جانبنا على نحو كامل، فإنه سيتألف في هذه الحالة من قدر أكبر من الكلمات والتعبيرات النمطية مقابل عدد أقل من المفردات التي نعبر من خلالها عن أنفسنا.

ولذا، فقد قلت العام الماضي في مجلة "ويِرد" إن ما يُعرف بـ"التحول إلى الآلية يمكن أن يصبح مضرا بنا؛ إذ أنه قد يجعلنا نتوقف عن التفكير".

وعندما تدرك مثل هذه "التقنيات القادرة على التوقع" الكيفية التي نتواصل بها مع بعضنا البعض، وتتعرف على الأنماط التي تحدد ما نميل إلى قوله في مختلف المواقف، بل وتتمكن من النفاذ والإطلاع بعمق على جوهر خصوصياتنا؛ فستكون النتيجة هي ظهور تعبيرات وأشكال نمطية بلا انقطاع.

مصدر الصورة Thinkstock

وبحسب العبارة الساخرة الشهيرة التي قالها الرسام سلفادور دالي فإن "أول من شبّه خديّ امرأة شابة بوردة يانعة كان شاعرا على نحو واضح، أما أول من كرر هذا التشبيه فقد كان أحمق ربما".

كما أن تكرار استخدام كلمات بعينها يبدو أنه يُعطى ثقلا إيجابيا، عندما تقوم اللوغاريتمات الرياضية بتقدير العلاقة بين المفردات التي نستخدمها.

وبطبيعة الحال، فقد مررنا بالفعل من قبل بمثل هذا "الذعر التقني" المتعلق بكتابة الرسائل عبر وسائط إليكترونية.

في بادئ الأمر، تركزت مخاوفنا في هذا الشأن، على ما إذا كانت الكتابة بطريقة الاختزال ستؤدي إلى إضعاف قدراتنا اللغوية، وهي المخاوف التي تبين أنها بلا أساس.

لكن بوسعي القول إن المرحلة التالية لذلك، وهي تلك المتعلقة بوجود آليات للتصحيح التلقائي، هي مرحلة ذات طابع مختلف.

فعلى الرغم من أن هذه الآليات لن تؤدي إلى ضمور قدراتنا، فإن الإفراط في استخدام نسخة أكثر فعالية وكفاءة منها، قد يؤدي إلى إخضاعنا إلى ما هو مهين لكرامتنا كبشر.

فعندما نتواصل بيننا وبين بعضنا البعض، علينا أن نتذكر أنه بالرغم من وجود تشابهات فيما بيننا في أوجه شتى، فإننا لسنا في نهاية المطاف سلعا موحدة الشكل ومُصنعّة للاستهلاك الجماهيري، حُكِمَ عليها بالانخراط في محادثات مبتذلة وتافهة ومختزلة وتفتقر إلى القدرة على بعث الإلهام.

هنا يمكن القول إن بوسعنا التفوه بأمور عفوية لم يسبق لنا قط توقعها، من قبيل تصريحات ومسائل تستدعي بلورة تعبيرات جديدة في صياغتها، وتتسم بالدقة والتأني.

ومع ذلك، فبينما تتكشف ملامح المستقبل بالنسبة لنا فيما يتعلق بآليات التصحيح التلقائي، فإنه سيكون من الأيسر علينا مقاومة إغواء الفوائد التي تعود علينا من استخدام مثل هذه الآليات، إذا ما استطعنا ربما تحديد ما لها من تأثير قد يؤدي لتآكل قدراتنا.

وربما يكون الكاتب جورج أورويل قد حذر في مقال نشر عام 1946 من خطورة تبني أسلوب في الكتابة خالٍ من الابتكار وخاوٍ من الحياة، لكن بمقدورنا جميعا اللجوء إلى وسيلة لإنعاش قدراتنا أو تحفيزها في هذا المضمار.

وما لم نقم بذلك، فإن من الممكن أن نُجازف بأن نصبح مادة للخيالات الجامحة لباحث في مجال التحليل الإحصائي، أي أن يصير كل منّا - بعبارة أخرى - محاكاة ذاتية ساخرة لشخص ميت.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.

المزيد حول هذه القصة