ما سر بقاء أجهزة الفاكس حتى اليوم؟

مصدر الصورة Getty

يستخدم البشر أجهزة الفاكس (أو الفاكسميلي)، تلك الأجهزة العتيقة كبيرة الحجم، منذ وقت طويل، وربما أطول مما قد يتصور المرء. كما أنها ستبقى لوقت ما قبل أن تختفى من حولنا، بحسب ما يكشف لنا الصحفي كريس بارانيوك.

متى تم اختراع أجهزة الفاكس، حسبما تعتقد؟ ربما يمكن التسامح معك إذا ما اعتقدت أن ذلك جرى منذ عهد قريب؛ أي في الثمانينيات أو التسعينيات من القرن الماضي، باعتبار أن تلك هي الفترة التي شهدت فيها هذه الأجهزة طفرة كبيرة، بوصفها كانت آنذاك جزءا لا غنى عنه من تجهيزات أماكن العمل.

لكن مثل هذه الإجابة تبقى خاطئة. إذ يمكن تتبع إرث أجهزة الفاكس، تلك التي بدأت تعاني من الإهمال في ملايين من المكاتب في مختلف أنحاء العالم، بالعودة إلى أكثر من مئة وخمسين عاما خلت، بالتحديد إلى عام 1842.

حدث ذلك إذن قبل أكثر من 30 عاما من اللحظة التي قال فيها ألكسندر غراهام بيل : "سيد واطسون، هلم إلى هنا، أريدك" عبر أول جهاز هاتف قابل للتشغيل بالفعل.

وبالرغم من تاريخها الطويل، فإن أجهزة الفاكس لم تكن قط تقنية "حققت أهدافها" بحق، على الأقل مقارنة بجهاز الهاتف المتواضع.

ولكنها تبقى في الوقت ذاته تقنية لم تندثر في أي وقت من الأوقات. أما اليوم، فربما تبدو علاقتنا بهذه الأجهزة علاقة عدم اكتراث، لا نرى أنها تستوجب الاعتذار من الأساس، لكن هناك من المزايا الخفية الكامنة في أجهزة الفاكس، أكثر مما يبدو في الظاهر.

على أي حال، فالقصة بدأت مع ألكسندر باين، وهو رجل اسكتلندي، يمكن أن يُرجع له الفضل في اختراع أول جهاز فاكس تجريبي، وتسجيل براءة اختراع لأفكاره في هذا الشأن. وقد بدأت التجارب في هذا المضمار عام 1842، ولكن النجاح لم يحالف – بشكل خاص - أيا من الأجهزة التي ابتكرها باين.

وقد اعتمدت هذه الأجهزة التجريبية على فكرة إجراء مسح ضوئي سطرا بعد آخر لرسالة دُونّت بحبر خاص على سطح معدني. وكان من شأن ذلك التقاط صورة ذات طبيعة كهربائية للأصل، ومن ثم يمكن نقل المعلومات لمسافات بعيدة عبر دائرة تلغرافية. وعلى جانب المتلقي، كانت توضع أوراق حساسة للإشارات الكهربائية لتتلقى السطور واحدا تلو آخر.

فوضى قانونية

ولكن كل مرحلة من مراحل هذه العملية انطوت على تحديات هائلة. فبالإضافة إلى الصعوبة التقنية التي كانت تكمن في هذا الأمر، كان باين يعمل في عصر تسوده أجواء المنافسة الشرسة وتصارع الأشخاص ذوي المهارات المتعلقة بإقامة المشروعات التجارية.

ويمكن في هذا الصدد العودة إلى ما كتبه جوناثان كوبرسميث، وهو مؤلف كتاب جديد يتناول تاريخ استخدام أجهزة الفاكسميلي، ويحمل عنوان "أُرسِل الفاكس: صعود وانحدار جهاز الفاكس". فقد أشار كوبرسميث إلى أن باين انخرط في العديد من المشاحنات القانونية غير المفيدة مع أشخاص مثل فردريك باكويل، الذي اتهمه بسرقة أفكاره.

ويقول كوبرسميث في هذا الشأن: "مثله مثل الكثيرين من المخترعين، كان (باين) فخورا للغاية بما أنجزه، ولذا فقد كان مزاجيا بشدة، ويسارع كثيرا إلى اللجوء إلى رفع دعاوى قضائية".

مصدر الصورة SPL

ورغم أن العقود التالية شهدت المزيد من الأنشطة التجريبية، فقد واجهت عملية إرسال النصوص والصور عبر أجهزة الفاكس الكثير من الصعوبات لكي تبدأ في احتلال مكانتها على الساحة.

غير أن ذلك لم يثن المخترعين عن مواصلة جهودهم، ومن بينهم الإيطالي جيوفاني كاسيلي، الذي أثار في عام 1860 إعجاب الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث عندما استعرض أمامه في باريس إمكانيات هذه التقنية الحديثة وقتذاك.

وكما يقول جوناثان كوبرسميث، فإن الحماس الذي ساد تلك الحقبة حدا بالبشر إلى تصور الإمكانيات المستقبلية التي قد تكمن في التقنية الوليدة، من قبيل إرسال الصور والكلمات عبر مسافات شاسعة في غمضة عين.

ويمضي كوبرسميث قائلا: "لم يساور القلق من تولوا دورا مؤسسا في هذا الشأن من أن ما يقومون به سيكون (في نهاية المطاف) محدود القدرات أو بمثابة فشل. كان ما يدور بخلدهم هو ’سنجعل ذلك يؤتي ثمارا.‘"

ويضيف: "أكثر تجربة حديثة مشابهة بوسعي التفكير فيها هي تلك المتعلقة بطفرة إنشاء المواقع الإليكترونية على شبكة الإنترنت، أو طفرة التطبيقات (التي تُستخدم على الهواتف الذكية)، حيث ولج الناس إلى هذه التقنية الجديدة المثيرة للاهتمام برأس مال محدود للغاية".

اختراق ياباني

في أوائل القرن العشرين، حظيت أجهزة الفاكس بتقدير مؤسسات مثل المؤسسات الصحفية التي استخدمتها لنقل الصور، حتى يتسنى لها نشر الموضوعات في أسرع وقت. كما استفادت الجيوش من الفوائد الكامنة في قدرة البشر على استخدام الفاكس لإرسال الخرائط والرسوم البيانية من وإلى الطائرات بسرعة كبيرة.

لكن حتى في ذلك الوقت، لم يخل الأمر من مشكلات. ففي أغلب الأحيان، وجدت الصحف أنها مضطرة لإعادة إرسال الصور أكثر من مرة للحصول على صور جيدة، وكذلك كانت هناك درجات من التشوش تؤثر على الخطوط الهاتفية الأولى التي اُستخدمت في أجهزة الفاكس.

لم يتغير هذا الوضع سوى في وقت لاحق، بمجرد أن نشرت الشركات اليابانية تلك التقنية على مستوى واسع بحق خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، إذ أصبحت أجهزة الفاكس أداة مكتبية لأولئك الذين ازدهرت أحوالهم في حقبة الثمانينيات."

وبحلول أواخر القرن العشرين، أصبحت أجهزة الفاكس – عمليا - في كل مكان تقريبا. وباتت هذه التقنية مكونا رئيسيا لعصر المعلومات الآخذ في الازدهار، إذ كانت تقنية متألقة وجديرة بالثقة.

مصدر الصورة Getty

لكن استخدام أجهزة الفاكس شكل في الوقت نفسه مبعثا للإزعاج على نحو ما. فنظرا لأن أجهزة الفاكس ترتبط بأرقام هواتف خاصة بها، كان يجري في بعض الأحيان – عن طريق الخطأ - الاتصال بأرقام هواتف بعض الأشخاص من هذه الأجهزة، ليستمع الطرف المتلقي في هذه الحالة إلى نغمة الاتصال التقليدية تتردد بشكل متكرر وعلى نحو لا يمكن فهمه.

وحتى يومنا هذا، لا تزال هناك تقارير تتحدث عن أناس يعانون من اتصالات مزعجة تأتيهم من أجهزة الفاكس. رغم ذلك، فمن المحتمل أن تكون شبكة المعلومات الدولية، هي العامل الأكثر فعالية مقارنة بأي عامل آخر، في ما يتعلق بالتسبب بمتاعب لتقنية إرسال النصوص والصور عبر أجهزة الفاكس، وهو ما حدث حينما بلغت هذه التقنية ذروتها.

فبالنسبة للكثيرين، حلت الشبكة على نحو متسارع محل أجهزة الفاكس، فيما يتعلق بأداء الوظيفة التي تُستخدم هذه الأجهزة لأجلها. غير أن الأمر المدهش تمثل في المدى الزمني الذي ظلت خلاله أجهزة الفاكس متاحة وجاهزة للقيام بمهامها. إلى جانب ذلك، فإن الأسباب الكامنة وراء ذلك معقدة ومتشابكة على نحو مثير للدهشة بدورها.

الرسائل المزعجة

في اليابان على سبيل المثال، حيث بدأ حقا العصر الذهبي لأجهزة الفاكس، تبدو إمكانية إرسال تعليقات وملاحظات مكتوبة بخط اليد وتُستخدم فيها حروف الأبجدية التقليدية، أمرا محببا لبعض الشركات، التي تعول على ضرورة الالتزام بالطابع الرسمي فيما يتعلق بالأعراف المتبعة في مجال الاتصال اللغوي.

وفي بقاع أخرى، لا يزال استخدام أجهزة الفاكس يسمح بإرسال مواد ذات طبيعة خاصة، مثل إرسال وثائق قانونية ممهورة بالتوقيعات الخاصة بها، وذلك عبر بروتوكول أو خدمة الفاكس المشفرة، والتي تضمن وبدرجة عالية من الثقة عدم العبث بالرسائل المنقولة من خلالها.

علاوة على ذلك، فإن إحدى المزايا التي تجعل استخدام الفاكس أفضل من البريد الإليكتروني في ما يتعلق بإرسال النصوص والصور، لا تزال تكمن في حقيقة بسيطة مفادها أن المرسِل في هذه الحالة يتلقى إخطارا بأن الوثيقة التي أرسلها قد سلمت بنجاح. إلى جانب ذلك، فلا توجد في أجهزة الفاكس مجلدات للرسائل المزعجة، كما هو الحال في حسابات البريد الإليكتروني.

ولكن في نهاية المطاف، ما من سبب للاعتقاد بأن حالات مثل هذه كافية لضمان بقاء أجهزة الفاكس على المدى البعيد. فالبدائل التي تعتمد على شبكة الإنترنت صار عددها الآن وفيرا، بالإضافة إلى أن أجهزة الفاكس لم تحظ بالكثير من التطوير منذ وصولها إلى ذروة ازدهارها.

أكثر من ذلك، ثمة شعور ربما يسود بين الشركات المصنعة لأجهزة الفاكس، بأن مواصلتهم إنتاج هذه الأجهزة، يعود ببساطة، ولمدى زمني قصير على الأقل، إلى أنه يتعين عليهم ذلك.

مزيد من التقنية الرقمية

وهكذا فقد خبت، ومنذ أمد طويل، حماسة أناس مثل باين وكاسيلي وغيرهم. ولكن لا يتعين علينا عندما نفكر في تقنية إرسال النصوص والصور بالفاكس؛ أن نتذكرها باعتبارها مجرد تحفة أو طرفة طال بها الأمد، وتفوقت عليها تقنيات منافسة، أو نفكر في أن هذه التقنية لم تكن متألقة وبراقة بالقدر الذي أدعاه مناصروها.

مصدر الصورة Thinkstock

فبالرغم من أن كل ما ذُكر سابقا عن سلبيات تلك التقنية، لا يجافي الحقيقة؛ فإن إرسال النصوص والكلمات عبر تقنية الفاكس أنجز ما يفوق ذلك كله، فقد قدم للعالم مفهوما شديد المعاصرة؛ ألا وهو الاتصال المتطور الذي يجري في التو واللحظة، وهو المفهوم الذي يحدد - بطبيعة الحال - هوية عصرنا الحديث، الذي تهيمن عليه شبكة الإنترنت.

ويقول كوبرسميث: "في حقيقة الأمر، أدى استخدام أجهزة الفاكس إلى تعزيز (ما يُعرف) بـ ’الرقمنة ‘وذلك من خلال دفع الناس لاعتياد فكرة تلقي معلومات وصور من مسافات بعيدة؛ وهي فكرة (إجراء) اتصال لحظي" أو آني. بالإضافة إلى ذلك، فإنه تكمن في طيات تاريخ أجهزة الفاكسميلي، مؤشرات مميزة تنبئ بملامح الشبكة العنكبوتية التي نستخدمها في الوقت الراهن.

وفي هذا السياق، يتذكر كوبرسميث محادثة دارت بينه وبين توني بروغ، وهو مندوب مبيعات، عمل لحساب شركة "كانون" لتصنيع أجهزة الفاكس. ففي ثمانينيات القرن العشرين، كما يقول بروغ، تمكن هذا الرجل من إقناع أصحاب الشركات والمؤسسات الصغيرة بشراء أجهزة الفاكس، بعدما أدرك الموظفون أن بوسعهم استخدامها لتنظيم قوائم المراهنات التي ينخرطون فيها على نتائج مباريات كرة القدم الأمريكية.

ويقول كوبرسميث: " كان ذلك شيئا جعلهم يقولون ’أوه، هذا ما يمكنني القيام به باستخدام (الفاكس) ‘.إنه لأمر بديع."

ولذا ففي المرة المقبلة، التي يلعب أحدنا فيها– خلسة - لعبة "كاندي كراش"، وهو في مكان عمله، أو عندما يطالع الأخبار الواردة على صفحته على موقع فيسبوك، فعليه أن يدرك أنه ينحدر من نسل هؤلاء القوم، الذين نجحوا- وهم في خضم الحياة المكتبية الكئيبة في ثمانينات القرن العشرين- في إحراز انتصارات كبيرة في مراهنات كرة القدم. وكل ذلك بفضل جهاز فاكس يعود عمره إلى أكثر من 150 عاما.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.

المزيد حول هذه القصة