تقنية مبتكرة لرواد الفضاء لاستخلاص مياه الشرب من البول

مصدر الصورة Science Photo Library

المرحاض في محطة الفضاء الدولية يوفر مياه الشرب، لكنه لا يعمل كما ينبغي. الصحفي العلمي ريتشارد هولينغهام يسلط الضوء على تقنية تمكن رواد الفضاء من تحقيق أقصى استفادة من البول للحصول على ماء نقي للشرب.

تعد جينيفر بروت صاحبة الوظيفة الأكثر إثارة للاهتمام في وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، إن لم يكن في عالم الفضاء بشكل عام. فهي المهندسة المكلفة بمعالجة البول في محطة الفضاء الدولية.

تقول بروت بزهو "المسمى الوظيفي يعد من بين الأشياء التي أحبها في عملي، فلا يوجد في العالم إلا قلة ممن يعملون في هذه التقنية."

تعمل بروت في مركز مارشال لطيران الفضاء في هانتسفيل بولاية ألاباما في مشروع تكرير مياه محطة الفضاء الدولية. الغاية من عملها هي وضع أكثر الطرق فعالية لاستخلاص ماء الشرب من بول رواد الفضاء.

يتكون البول من 95 في المئة من الماء والباقي يتكون من المواد الكيميائية التي يتخلص منها الجسم، ولذلك كلما أمكن استخلاص الماء من البول، قلت الحاجة إلى نقل الماء من الأرض إلى محطة الفضاء الدولية.

في بهو الاستقبال أمام مختبر بروت، يوجد معرض صغير مخصص لعبوات البول. وهي عبوات زجاجية من البول تصطف على الرف، ولونها يتراوح ما بين الأصفر الفاتح إلى البني، وصولاً إلى لون أسود مقلق.

عملية معقدة

المثير للحيرة أن العبوات الزجاجية التي تحمل ملصقاً مكتوباً عليه "بول أمريكي غير مكرر" كان لون السائل فيها أفتح مما تحويه العبوات المكتوب عليها "بول روسي غير مكرر".

فما الذي يعنيه ذلك بالنسبة للبول الروسي؟

تقول بروت "لا يوجد ما هو غير عادي بالنسبة للروس، فهم يبولون كبقية الناس". واقع الحال أن البول غامق اللون ليس بولاً روسياً ولكنه بول روسي مضاف إليه مكونات معينة كجزء من عملية التكرير.

مصدر الصورة Richard Hollingham
Image caption تسعى جينيفر بروت لمساعدة رواد الفضاء في الحصول على أكبر قدر ممكن من المياه النقية من البول

وتشرح بروت ذلك قائلة "عندما يستعمل رجل الفضاء المرحاض، لا يمكننا السماح للبول بالمرور كما يشاء من خلال نظام التكرير. ولكن علينا أن نضيف إليه بعض الكيماويات لمنع البول من التحلل، وللحيلولة دون نمو البكتيريا."

هذه الخطوة هي بداية عملية معقدة قامت ناسا بتطويرها لتكرير المياه من المراحيض في الفضاء. ويمتزج مع هذا الماء سوائل تستخلص من الهواء، وأخرى من عرق رجال الفضاء، لكي يتم تحويلها إلى ماء صالح للشرب.

وتقدر الوكالة أن رجل الفضاء يستهلك ما معدله 730 لترا من البول والعرق المكرر خلال مهمة تستغرق عاماً كاملاً.

مشكلة ناسا

وبينما يمكن تحويل العرق إلى ماء للشرب، لا يعمل نظام إعادة تدوير البول كما هو مأمول. ففي المختبر على الأرض تبلغ فعالية هذا النظام 85 في المئة، أي بفقد 15 في المئة من الماء فقط. أما في الفضاء، فيمكن فقط استعادة 75 في المئة من الماء.

تقول بروت "في الفضاء يتسرب الكالسيوم من عظام رواد الفضاء، وأحد الأشياء التي لم نفكر بها من قبل هو أين يذهب ذلك الكالسيوم. لقد وجدنا أن كثيراً منه يخرج مع بولهم."

هذا يعني أن لبول رواد الفضاء تركيباً كيميائياً يختلف عن تركيب البول الذي تبرع به موظفو مركز مارشال، وهم المهندسون العاملون على الأرض.

وتشرح بروت ذلك فتقول "وجدنا أنه بسبب زيادة نسبة الكالسيوم في البول، فإن البول في عملية التكرير يتفاعل مع المواد الكيماوية التي تضاف له ليكون كبريتات الكالسيوم. وهي رواسب ملحية كبيرة دخلت في أجهزة التكرير وأوقفتها عن العمل."

يمكنك تخيل الرعب الذي يجتاحك عندما تكون عالقاً في صندوق معدني على بعد 400 كيلومتر فوق سطح الأرض مع خمسة من زملائك، وتعطل المرحاض. وكنتيجة لهذا العطل، كان يتعين على رجال الفضاء في المحطة الدولية قضاء وقت إضافي لصيانة المرحاض، وبالتالي أصبح من الضروري نقل المزيد من الماء من الأرض إليهم.

مصدر الصورة Science Photo Library

لكن فريق بروت جاء بالحل. فبتغيير التركيب الكيماوي للبول قيد المعالجة يأمل هؤلاء الباحثون في أن تصبح عملية تكرير البول في محطة الفضاء الدولية أكثر فعالية.

ولمعرفة مدى فعالية أحدث التركيبات الكيماوية، لدى بروت جهاز مماثل لجهاز تكرير البول، على منضدة في مقر مركز مارشال حيث تقوم ناسا بفحص وتصميم الأجهزة التي تساعد رواد الفضاء في البقاء على قيد الحياة. وتتدلى من سقف المكان لوحة إرشادية للزوار مكتوب عليها "نحافظ على رجال الفضاء أحياء منذ عام 1973".

الضغط والتقطير

ويتكون جهاز تكرير البول، وهو نسخة مماثلة للجهاز الموجود في الفضاء، من مجموعة كبيرة من الأنابيب المتشابكة، والمضخات والأسلاك، وكلها مربوطة في إناء كبير للبول يشبه إحدى عبوات المشروبات الغازية. وعلى وقع صوت عمل الجهاز، شرحت لي بروت كيف يعمل.

تقول بروت "كل شيء هنا في وضع أفقي لتجنب آثار الجاذبية. المضخات هنا تعمل بنفس الطريقة التي يعمل بها البلعوم لديك، وهي حصر السائل ودفعه."

شاهدنا البول يتم حصره في أحد الأنابيب الشفافة باتجاه الاسطوانة الكبرى للجهاز التي تبلغ حجم فرن منزلي.

وبهذه الأسطوانة مضخة تفريغ هوائي تشفط الهواء لخفض الضغط في داخلها. وبخفض الضغط، تنخفض كذلك نقطة غليان السائل. هذا يعني أنه بإمكان الماء أن ينفصل بدون استخدام عملية التسخين.

السائل المتبقي بعد عملية التقطير يعاد إلى الجهاز لاستخلاص أكبر كمية ممكنة منه. والمنتج النهائي لهذه العملية هو كتلة ملحية من النفايات، وماء شرب صاف. في الفضاء تجمع النفايات وتوضع في سفينة تموين منفصلة ثم تحترق في الغلاف الجوي لدى عودتها إلى الأرض. أما الماء فيكون جاهزاً للشرب.

تقول بروت "هذا الماء هو أنقى ماء، وأنقى من أي مشروب تشربه على الأرض."

لكن قبل أن يشرب رجال الفضاء هذا الماء بالغ النقاء، يعالج مرة أخرى لمنع نمو البكتيريا، وذلك بإضافة اليود الذي يعطي الماء في محطة الفضاء الدولية طعماً طبياً خفيفاً. تقول بروت "الطعم ليس سيئاً، عليك فقط أن تعتاد عليه."

وبعد أن تثبت ناسا أن تركيبة التكرير الجديدة لا تسبب انسداداً، سيقوم مهندسوها بتشغيل هذا النظام المحسن خلال الشهور القادمة. والأمل معقود على أن يتمكن نظام التكرير الجديد من إنتاج وتكرير كميات من المياه في الفضاء مماثلة للكميات التي ينتجها على سطح الأرض.

في غضون ذلك تعكف بروت وفريقها على تطوير تقنية تجعل العملية أكثر فعالية مما تم التوصل إليه، وتقول "حتى عندما تعمل في تكرير البول لعدة سنوات، يبقى ذلك مصدراً للمتعة."

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.

المزيد حول هذه القصة