حوت العنبر يستطيع أن يتذكر أصدقاءه لسنوات عديدة

مصدر الصورة Marina Milligan Dominica. Sperm Whale Project

تشير أطول دراسة عن حوت العنبر إلى أن هذه الحيتان لا تنسى صديقاً أبداً.

الحيتان هي أكبر الحيوانات التي تعيش في المحيط، وتضم أكبر المخلوقات التي لا تزال على قيد الحياة. ويتميز حوت العنبر في مجموعته بأنه أكبر الحيوانات الصيادة ذات الأسنان.

وتعد حيتان العنبر حيوانات مفترسة قوية، إذ تغطس إلى عمق المحيط المتجمد لاصطياد الحبار، بما في ذلك الحبار العملاق.

لكنها، مع ذلك تعيش حياة اجتماعية غنية ومتنوعة، إذ تعيش في مجموعات أسرية، وتساعد بعضها البعض.

ويشير أحدث الأبحاث إلى أن العائلة المتفرعة مهمة بالنسبة لحيتان العنبر مثلما هي عند البشر، فالحياة الاجتماعية للحيتان تشكل عاملا حاسماً لنجاحها.

حيتان العنبر يمكن معرفتها من خلال علامات فريدة على زعانفها الذيلية

يقول الدكتور شين جيرو من جامعة آرهوس في الدنمارك: "تستطيع أنثى حوت العنبر التعرف على الأفراد والأسر، بل وتخزن معرفة اجتماعية، وتستعيد من الذاكرة تاريخ تفاعلها على مدى فترات من الانفصال طويلة للغاية".

ويظهر البحث الذي أجراه جيرو وفريقه، والذي نشر في مجلة "سلوك الحيوان"، أن حيتان العنبر لها أفضليات معينة بالنسبة للآخرين على نفس شاكلة تفضيلنا لابن عم أو ابنة عم، أو عمة، أو خالة، يكون أو تكون أثيرة لدينا دون غيرها.

وهذه الأفضليات تظل دائمة ومستمرة لسنوات، مما يشي بأن الحيتان تتذكر أصدقاءها، وأقاربها الأبعدين رغم قضاء معظم الحياة بعيداً عنهم.

مصدر الصورة Shane Gero Dominica. Sperm Whale Project

وقد تتبع جيرو وفريقه 20 أسرة من الحيتان على مدى عشر سنوات قبالة ساحل جزيرة دومينيكا في البحر الكاريبي، وبلغ إجمالي ساعات المراقبة 3500 ساعة.

حيتان العنبر تعيش في وحدات أسرية مترابطة

وفي كل مرة تغطس الحيتان بحثا عن الطعام يلتقط الباحثون صوراً لها ويدونون في مذكراتهم أي الحيتان قضوا معظم الوقت معا، وكان من السهل التعرف على الحيتان التي تعيش بمفردها من خلال علامات فريدة على زعانفها الذيلية.

وفي الليل، تتبع الفريق تردد أو رجع صدى طقطقاتها. وتتوفر حيتان العنبر على أجهزة صوتية قوية للغاية تستخدمها لمطاردة فرائسها، ويمكن سماعها من على عمق كيلومتر واحد.

لم يقدم أحد من قبل على تتبع عائلات حيتان العنبر لمثل هذه المدة الطويلة، وقد مكن ذلك الفريق من تكوين صورة تفصيلية عن الأفضليات الاجتماعية لديها.

وهنا يقول جيرو: "تخيل لو تتبعناك متابعة لصيقة لأيام، نلتقط لك الصور أنت ومن معك، وما تفعلون كل ساعتين. في نهاية الأسبوع، ستتكون لنا بلا شك فكرة جيدة عن أسرتك، ومع من تعيش، ومن هم أصدقاء العمل، ولماذا تتجنب رئيسك في العمل".

ويقول جيرو: "الحياة الأسرية لحيتان العنبر مشابهة لحياتنا، الأمر الذي يبعث على الاندهاش".

ربما تدين حيتان العنبر في نجاحها لحياتها الاجتماعية

مصدر الصورة SPL

وتتكون أسرة هذا النوع من الحيتان عادة من حوالى سبعة أفراد، ويمكن أن تمتد لثلاثة أجيال من الإناث. أما الذكور فتميل للعيش المنفرد.

ولفترات قصيرة، تندمج مجموعات حيتان العنبر اجتماعياً مع أسر أخرى، وهي عادة ما تقضي أياما قلائل معاً قبل أن تمضي كل عائلة إلى حال سبيلها.

وهذه الأسر حتما تعرفت على بعضها البعض لأكثر من عشر سنوات، خلال مدة هذه الدراسة. فهي تعيش في البحار نفسها، وتنقطع عن تجمعات حيتان العنبر الأخرى.

ويقول جيرو: "نعرف أن هذه الأسر عاشت في البحر الكاريبي لعقود استناداً إلى الصور، بل وربما لقرون، استناداً إلى تاريخ حياتها".

حيتان العنبر من أقدم الحيتان ذوات الأسنان الكبيرة

ويقول جيرو: "الوشائج الاجتماعية مهمة، ويبدو أن حياة حيتان العنبر تتعلق ببناء علاقات اجتماعية قوية مع من حولها".

ويعود هذا إلى أمر واحد، وهو أنها تجد الأمان مع أسرها. فالعيش في جماعة يوفر الحماية من الحيتان الأخرى المفترسة التي تطارد حيتان العنبر الصغيرة.

ويقول جيرو: "في محيط شاسع، وظلمات بعضها فوق بعض، حيث الصيد والفرائس شحيحة، ولا يمكن الركون إليها كما الحال بالنسبة لحيتان العنبر الرحل، يصبح الشيء الأكثر ثباتاً في حياتك هو أسرتك".

مصدر الصورة Marina Milligan Dominica Sperm Whale Project

وتشير النتائج إلى أنه حتى مجرد فقد واحد فقط من الأسرة يمكن أن يكون مدمراً لبقية المجموعة كما يقول جيرو. والحيتان كل على حدة غير قابلة للتبادل أو التعويض، ومن هنا، فإن فقد فرد منها يغير الشبكة الاجتماعية ويؤثر على حياة العديد منها.

كل حوت على حدة له عادات اجتماعية مختلفة

ولم تعد حيتان العنبر هدفاً لصيادي الحيتان، ولكن قبل وقف صيدها، جرى صيد مئات الآلاف منها.

وفي أيامنا هذه، تواجه حيتان العنبر تهديدات أخرى، وخاصة الضوضاء المقلقة الصادرة عن السفن، فضلاً عن خطر وقوعها في شباك الصيد.

ولقد عاشت المجموعة التي تنتمي إليها تلك الحيتان، وهي حيتان العنبر ذوات الأسنان، في المحيط أطول من المدة التي وصل فيها الإنسان إلى صورته الحاليه.

ويقول جورو: "لقد عاشت تلك الحيتان بالتوازي معنا، وكانت معظم الوقت غير ملحوظة تحت السطح ولأجيال عدة. وينبغي لوزن تاريخها المشترك أن يؤثر تأثيراً عظيماً على أهدافنا الموضوعة للحفاظ على بيئة المحيطات".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Earth.

المزيد حول هذه القصة