داخل غرفة ناسا للتحكم في محطة الفضاء الدولية

مصدر الصورة NASA

يتعامل رواد فضاء على متن "محطة الفضاء الدولية" مع تحديات يومية تواجههم أثناء إجراء تجاربهم العلمية في الفضاء. الصحفي العلمي ريتشارد هولينغهام التقى بأعضاء فريق من وكالة ناسا هدفه المحافظة على سلامة رواد الفضاء ونظام عملهم.

كنت في غرفة مظلمة، في قلب منطقة ذات إجراءات أمنية مشددة تقع ضمن محيط قاعدة "ريدستون آرسنال" العسكرية الأمريكية في "هتنسفيل" بولاية "آلاباما". شاهدت في هذه الغرفة ثمانية رجال ونساء جالسين خلف مكاتب مقعّرة تعلوها شاشات كمبيوتر. الجداول المتواصلة من البيانات كانت تنعكس على وجوههم.

كانت امرأة منهم تتحدث بين الحين والآخر عبر ميكروفون مرتبط بسماعة رأسية. غير أن صوتها كان خافتاً حتى أنك لم تكن تفهم منه إلا بضع كلمات.

على الجدار الواقع أمامهم، تعرض شاشات صوراً لكرتنا الأرضية ورسوماً بيانية وجداول زمنية. وبينما نحن ننظر إليها، رأينا أحد رواد الفضاء وهو يحلّق بشكل حر عبر فتحة ترتفع على مسافة 400 كليومتر فوق سطح الكوكب.

يعمل موظفون في هذا المكتب على مدار الساعة. ذلك هو أحد مراكز العمليات التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، ويطلق عليه اسم "مركز تكامل عمليات الشحن". إنه محور السيطرة على جميع التجارب العلمية التي تُجرى على متن "محطة الفضاء الدولية".

يجري هنا تسجيل كل دقيقة عمل يقوم بها رواد الفضاء بينما تدور محطتهم في مدارها حول الأرض. تتم مراقبة كل دقيقة عمل، وإذا لزم الأمر، فإنهم يعيدون ضبط وتعديل أي إجراء يرغبون فيه. ربما تحصل مدينة "هيوستن" الأمريكية على كل التقدير والتمجيد، لكن غرفة السيطرة هذه، التي يُعرف عنها القليل فقط، هي جزء من "مركز مارشال لرحلات الفضاء". إنها محور علوم المحطة الفضائية.

مصدر الصورة SPL
Image caption رواد فضاء يسبحون في محطة الفضاء الدولية في ظل انعدام الجاذبية

تقول سام شاين، مديرة إتصالات الشحن في ذلك المركز: "نقوم بدور الوسطاء. نقوم بالربط ما بين العلماء على الأرض وطاقم العمل المقيم على متن محطة الفضاء الدولية."

"شائك جداً"

في الحقيقة، ليست "شاين" إلا واحدة من قلائل الناس على كرتنا الأرضية ممن يمكنهم التحدث مباشرة مع طاقم المحطة الفضائيةـ إضافة إلى "موظف التواصل مع تلك الكبسولة الفضائية" في "هيوستن". إنها تهتم بهم وباحتياجاتهم، بينما يقومون بأعمالهم العلمية الروتينية اليومية.

تقول شاين: "إنه أمر شائك جداً. نواجه هنا مصاعب لغوية، كما أن هناك فروقات في الزمن ـ أحياناً، نحاول التعامل مع محقق رئيسي إيطالي لنحصل على معلومات يحتاجونها في أعالي الفضاء، وربما يكون عضو الطاقم هنا ألمانياً. تصبح العملية كلها شائكة نوعاً ما."

تم إكمال المحطة عام 2011 وبلغت تكاليفها 100 مليار دولار أمريكي. منذ ذلك الوقت اختصت المحطة وعملها بالعلم فقط. تكتظ جدرانها وسقفها وأرضيتها بأجهزة مختبرات أمريكية وروسية وأوروبية ويابانية لإجراء التجارب. ويقضي رواد الفضاء أوقاتاً متزايدة في القيام بهذه التجارب كفنيين في مجال الأبحاث العلمية، بينما تدور المحطة في مدارها.

وتضيف شاين: "إذا ذكرت أياً من فروع العلوم، فمن المحتمل أننا نقوم بتجربة تتعلق بذلك الفرع من العلم على متن المحطة." الجاذبية ضعيفة هناك بشكل فريد من نوعه. وتمتد الأبحاث والدراسات في تلك الجاذبية لتشمل أموراً مثل نمو النباتات وفهم خواص المواد السائلة.

إن معظم العلوم التي يتم الإشراف عليها من غرفة السيطرة في مدينة آلاباما تتعلق بدراسة تأثيرات الفضاء على الرواد أنفسهم، مثل إضمحلال الأنسجة (ضمور العضلات وهشاشة العظام) التي يعانون منها. إنه بحث مهم إذا ما أراد البشر أن يتركوا كوكبهم لأية فترة من الزمن.

كما يدرس العلماء التحديات النفسية للعيش بعيداً عن عالمنا الأرضي في كبسولة معدنية معزولة، حيث يتناولون طعاماً خاصاً أعيد إعداده، ويشربون بولاً عولج بطريقة ما ليعاد تناوله، وليس هناك رفقاء إلا زملاء العمل.

مصدر الصورة SPL

إحدى أكثر التجارب إثارة للاهتمام هي تجربة تعرف باسم "أسترو باليت"، وهي من ابتكار علماء الأطعمة والتغذية في جامعة مينيسوتا. وتهدف التجربة، من بين أمور أخرى، لفهم كيفية استعمال الأطعمة للحد من التوتر. بمعنى آخر، هل تفيد الأغذية المهدئة عند العيش لفترات طويلة في الفضاء الخارجي؟

تقول شاين: "قد نجد رواد فضاء يقومون بواجبات لا يستمتعون بها، مثل استعمال مكنسة كهربائية لتنظيف المحطة الفضائية. عندها، سنطلب منهم المشاركة في دراسة استقصائية لنعرف مشاعرهم تجاهها. ثم ندعهم يتناولون شيئاً من الأطعمة المهدئة ـ مثل حلويات الشيكولاتةـ ونطلب منهم ملء إستمارة الاستبيان مرة أخرى."

وتضيف: "بدأنا نفهم طرقاً تجعل طاقم رواد الفضاء يحسون بأنهم في بيوتهم، حيث يقضون فترات زمنية تطول وتطول في الفضاء."

وتشمل دراسة أخرى رواد فضاء يدونون مجريات حياتهم على متن المحطة. إنها محاولة لاستخلاص مشاعرهم الصادقة؛ أوقات توترهم وقلقهم وأوقات حنينهم إلى البيت والوطن. من المرجح أن يكون رواد الفضاء صريحين، لأن الباحث الذي يقوم بجمع نتائج المشروع هو الشخص الوحيد الذي يطلع عليها.

تقول شاين: "أما أحد أكثر النتائج إثارة للاهتمام فهي تتمثل في أن الشهر الرابع لرحلة الفضاء هي أكثر الأوقات التي يرغب فيها أعضاء طواقم الرحلات الفضائية في العودة إلى الأرض. فهم يشعرون بالتعب لمكوثهم على متن المحطة الفضائية ويودون مشاهدة أفراد عائلاتهم".

وبما أن أكثر المهمات الفضائية إلى المحطة الدولية تستغرق في زمننا الحالي ما بين ستة أشهر وسنة، فقد تنظر "ناسا" في مسألة إرسال المزيد من حلويات الشيكولاتة.

أغراض مفقودة

يواجه الرواد إحباطات يومية، نتيجة العيش داخل مختبر مداري صغير مزدحم. ولمساعدتهم في التغلب على مشاعر الإحباط هذه، فإن فريق العمل في آلاباما مسؤول أيضاً عن العثور على حاجيات الرواد المفقودة وممتلكاتهم.

من ضمن مسؤوليات موظف التخزين أن يتتبع مكان وجود كل شيء على متن المحطة الفضائية الدولية. توضح شاين الأمر باعتباره "أحد أصعب المهام ضمن برنامج الفضاء."

مصدر الصورة Getty

تقول شاين: "في بعض الأحيان، لا يعيد رواد الفضاء بعض المواد إلى أماكنها، تماماً كما نقوم بذلك نحن هنا على الأرض. ينادوننا أحياناً بحثاً عن مكان وجود مفك البراغي أو شيء آخر. لا نجده في المكان الذي نتوقع وجوده فيه. لذا فالأمر هو من مهام موظف التخزين؛ عليه أن يراجع تواريخ استعمال ذلك الشيء وآخر مرة استُعمل فيها، وذلك لتحديد موقعه."

إنه أمرٌ يشبه إضاعتك لمفاتيحك في بيتك ومحاولتك أن تتذكر آخر مرة رأيتها. تكمن المشكلة في أنك إذا ما أضعت أشياءً في مركبة فضائية، فإن الاحتمال الأكبر هو أنها سوف تسبح في فضاء المركبة لتجدها في مكان آخر.

تضيف شاين: "نراقب عن كثب ما يقوم به رواد الفضاء. فإذا ما رأينا شيئاً يحوم في جو المركبة، سنبلغ أحد أفراد الطاقم بذلك. في أكثر الأحيان، نجد أشياءً تجمعت في قنوات التهوية."

كانت هذه هي الحال على الدوام؛ وراء كل رائد فضاء الآف ـ إن لم يكن عشرات الآلاف ـ من أعضاء فرق الدعم والمساندة. الاختلاف في يومنا هذا هو أننا على أعتاب الدخول في عصر المهام الفضائية الطويلة. وبالتالي، من المرجح أن نجد من بين هؤلاء خبراء في الأطعمة المهدئة أو تخزين المحطات الفضائية، بالإضافة إلى كونهم علماء في مجال الصواريخ.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.

المزيد حول هذه القصة