رحلة إلى نيران نيوزيلندا التي لا تخمد أبدا

مصدر الصورة Naomi Arnold

لا يعلم كثير من الزائرين لنيوزيلندا، مثلهم بالتأكيد مثل غالبية سكان هذا البلد، أن قرية مرتشسون الصغيرة الواقعة بجزيرة ساوث آيلاند تشكل موطنا لتجويف أرضي غريب الشكل يحتوي على نيران تستعر بشكل مستمر وسط الأدغال.

وبرغم أن هناك أعدادا وفيرة من أسماك السلمون المرقط تسبح في مياه الأنهار المحيطة بتلك القرية النيوزيلندية المعزولة، فضلا عن قدوم صيادين من مختلف أنحاء العالم لتجربة حظهم في الصيد هناك، فإن هذا النوع من الأسماك لا يقرب قط مياه نهر "بلاك ووتر" أو (النهر الأسود) الموجود في هذه المنطقة.

ويتسم ذلك النهر، الذي يبدو سريع التيار ومياهه صافية كما سواه من أنهار "ساوث آيلاند"، بصفة لا تخطئها العين، ألا وهي وجود قدر ضئيل من الكيروسين يشوب مياهه. ورغم محدودية هذا القدر، فإنه كافٍ لمنح هذا النهر اسمه؛ "النهر الأسود". كما أنه ذو رائحة نفاذة على نحو يكفي لإبعاد أسماك السلمون المرقط عن مياهه.

على أي حال، توجد كميات من النفط تحت التلال الموجودة في هذه المنطقة. ولكن في بقعة تقع في عمق غابات أشجار الزان بوادي نهر "بلاك ووتر"، يُذكي هذا النفط ظاهرة طبيعية لا يعلم بوجودها سوى القليلين، ممن يدركون المكان السليم الذي يوجهون إليه أبصارهم حينما يزورون تلك البقعة.

ويطلق السكان على هذه الظاهرة اسم "نفثات الغاز"، ولكن مِرف وشيرلي بيغِدن؛ وهما زوجان يشكلان فريقاً محدود العدد يتولى تنظيم الرحلات السياحية في تلك المنطقة أطلقا عليها اسم "تجربة ألسنة اللهب الطبيعية".

وهكذا لا يعلم غالبية الزائرين القادمين من الخارج، أو بالأحرى معظم من هم من خارج مرتشسون، أن هذه القرية - التي لا تضم سوى شارعين فحسب وتقع على بعد نحو 125 كيلومترا جنوب غربي مدينة نِلسون- تشكل مرجلا غريبا من نوعه لنيران متوهجة صفراء اللون، لا تنبعث منها أي أدخنة، وتستعر بشكل دائم في الأدغال، وذلك بفعل أبخرة من غاز الميثان الطبيعي تتسرب باستمرار من باطن الأرض.

وتقول الأساطير إن هذا النيران تتقد منذ عشرينيات القرن الماضي، عندما جلس صيادان للتدخين في هذه المنطقة، وألقى أحدهما بعود ثقابه بعيدا، ليفضي ذلك إلى اشتعال الغاز المتسرب إلى جواره مباشرة وبشكل مباغت.

مصدر الصورة Naomi Arnold

لكن الزوجين بيغدِن يقولان إن الصياد كان قد شم في واقع الأمر رائحة الهواء وقرر في لحظة جنون إلقاء عود الثقاب المشتعل من دون اكتراث، للتعرف على ما الذي يمكن أن يحدث.

غير أن رواية أخرى تقول إن الصياديّن شما رائحة الغاز قبل أن يدقا أنبوبة لإدخالها إلى جوف الأرض ثم يشعلان فيها النيران. وبغض النظر عن حقيقة ما حدث، فإن المؤكد أن تلك النيران نادرا ما خمدت منذ ذلك الحين.

ومن هنا، وفي صباح شتوي قريب العهد بوقتنا الحالي، انطلقت وشخصان آخران بصحبة مرشدة لنا من سكان المنطقة تُدعى "شيرلي نيم" في رحلة استغرقت أربع ساعات، لكي أخوض بنفسي "تجربة ألسنة اللهب الطبيعية" تلك.

وفي بداية الرحلة؛ أسلمنا طريق وعر مضينا عليه بالسيارة جنوباً لمسافة 15 كيلومترا، إلى ممشى تتسم ارتفاعاته ومنحدراته بالسلاسة، وتحف به الأشجار وارفة الأوراق، على طول مساره البالغ نحو كيلومتريّن و400 متر.

ونظرا لأن مرشدتنا "نيم" من السكان القدامى لـ"مرتشسون" إذ يمكن تتبع أصول عائلتها إلى تلك الحقبة التي بدأ فيها استيطان القرية مطلع القرن التاسع عشر، فقد كانت على دراية بجانب كبير من تاريخ المنطقة.

ولذا توقفت لتروي قصصا عن المسار الذي نمضي فيه، والبقعة التي نحن بصدد زيارتها، إذ أشارت مثلا إلى حفار عتيق كان قد جرى استخدامه في محاولة للتنقيب عن النفط في سبعينيات القرن الماضي، كما وصفت لنا كيف تطورت النباتات الأصلية الموجودة في المنطقة.

وشرحت لنا هذه السيدة كيف كان طائر "الموا" المنقرض يمضي هنا وهناك ليطأ بقدميه أرض تلك الأدغال بقوة وعنف، وذلك قبل أن ينقرض جراء الإفراط في صيده، بعدما كان يوما ما في ضخامة النعامة.

مصدر الصورة Naomi Arnold

كما أوضحت لنا الطابع الغريب لأشجار "الهورويكا"، التي كانت أوراقها تتحور - في طور فتوتها - لتصبح صلبة ذات ملمس شبيه بملمس الجلود وفي حدة شفرة الحلاقة، وذلك لإبعاد طيور "الموا" عنها.

بعد ذلك، وبمجرد أن يصل طولها إلى مستوى كافٍ لجعلها بمنأى عن المناقير المدببة لهذا الطائر، كانت "الهورويكا" تتحول بشكل مفاجئ إلى أشجار طويلة الجذوع تعلوها جُمةٌ كثيفة من الأوراق الخضراء.

ولا يزال هذا النوع من الأشجار ينمو حتى الآن على هذه الشاكلة، وقد بدت وكأنها تومئ لنا برؤوسها وارفة الخضرة، خلال سيرنا على طول طريقنا في الأدغال.

وبعد مسيرة استمرت نحو الساعة، ظهرت في الأفق بغتة ألسنة نيران متوهجة صفراء اللون، تضطرم في تجويف قليل العمق لا يزيد عرضه على المتريّن. ويحيط بهذا التجويف مساحات من الأشجار والأراضي التي تغطيها السراخس الرطبة خضراء اللون التي تنمو من الأصل في هذه المنطقة.

وفي وسط هذا كله، بدا مشهد تلك الحفرة التي تخرج لهيبا بهدوء أمرا غير متوقع على الإطلاق. في حقيقة الأمر، كان لذاك المشهد طابع مخيف، كما لو أن "أرواح الأدغال" التي يتحدث عنها البعض، قد فرت من حول ذلك التجويف للتو.

ولكن في يوم ضبابي بارد الطقس كهذا الذي كنا فيه، كان مرأى مشهد النيران محببا للنفس. ولذا حدقت في ألسنة اللهب بدهشة، قبل أن أهرع للاقتراب منها حتى تستدفئ يدايّ الباردتان.

وسرعان ما وضعت "نيم" قِدرا صغيرا، من تلك القدور التي تُستخدم في المعسكرات، على النار، لغلي بعض الماء الذي أضافت إليه الشاي، ليظل منقوعا فيه مع الغليان إلى أن أصبح لونه قاتما، وصار ذا مذاقٍ مُشبّعٍ برائحة الدخان.

مصدر الصورة Naomi Arnold

بعد ذلك وضعت مرشدتنا مقلاة على الصخور الساخنة المستقرة في أحضان ألسنة اللهب، وذلك لإعداد بعض الفطائر، التي قدمت لنا معها كميات من العسل لنضيفه إليها. وكان هذا العسل من نوع محلي يحمل اسم "توتاكي"، ويُعرفه البعض باسم "عسل شجر الزان".

أما الفطائر فقد كانت لدنة وهشة وساخنة للغاية. وقد عكفنا على مضغها ونحن نحدق في النار، ونتساءل عن كنه تلك الالتواءات والتشوهات الجيولوجية التي حدثت عميقا في باطن الأرض وسببت تلك الظاهرة الفريدة.

جلسنا على مقاعد خشبية متهالكة على نتوء يُطل على ألسنة اللهب هذه لمدة قاربت على الساعة، ونحن نحملق في تلك النيران المشتعلة وسط أدغال باردة يسودها الضباب ويتخللها الصقيع.

كان من المذهل بالنسبة لنا التفكير في أن هذه النيران تضطرم بشكل مستمر تقريبا منذ نحو مئة عام (رغم أن هطول الأمطار الغزيرة يؤدي في بعض الأحيان إلى أن تكون هناك حاجة لإشعال الغاز من جديد).

على كل الأحوال، يوجد ما لا يقل عن تسع بقاعٍ أخرى في أنحاء مختلفة عن العالم تشهد ظاهرة النيران المستعرة على الدوام هذه، والتي يُذكيها الغاز الطبيعي.

وتشكل البقعتان الأكثر شهرة في هذا الشأن مصدر جذب كبير للسائحين، وتثيران روايات ذات طابع أسطوري تعود إلى عدة قرون، وتؤججان مشاعر الحماسة الدينية والثقافية.

وتحمل المنطقة الأولى اسم "ينارتس" وتقع فوق جبل أوليمبوس في تركيا. وفي هذه المنطقة؛ توجد العشرات من شعلات النيران الصغيرة المتقدة بشكل مستمر بداخل شقوق بين الصخور، وهي متوهجة بشكل كان يكفي يوما ما لإرشاد البحارة خلال الليل الحالك.

مصدر الصورة Naomi Arnold

وتشتعل هذه النيران منذ 2500 عام على الأقل. ويُقال إن هذه المنطقة ربما تكون هي مصدر أسطورة "الكمير"؛ ذاك الكائن الخرافي الذي صوّره الشاعر الإغريقي هوميروس في "الألياذة" على أنه ينفث نارا. وتحت هذه النيران المتقدة؛ تقبع أنقاض معبد هيفستوس؛ إله النار وسبك المعادن وطَرْق الحديد والحدادين لدى الإغريق.

أما المنطقة الثانية التي تشكل موطنا لنيران متقدة على الدوام، فتتمثل في معبد جوالاموخي الواقع في بلدة تحمل الاسم نفسه في ولاية هيمتشال براديش الهندية.

وتحظى هذه النيران بالعبادة ممن يعتبرونها بمثابة إله، وتجتذب آلافا ممن يحجون إلى هذا المعبد في كل عام، حاملين معهم هدايا - أو قرابين - تتمثل في كميات من الحلوى والفواكه واللبن الحليب.

من جهة أخرى، فإن نيوزيلندا، وهي دولة فتية جيولوجيا وثقافيا، ليس لديها ما يضارع تلك الظاهرة المتعلقة بالنيران التي لا تخمد. إذ أن معالمها التي يمكن أن تنافس بها ما تضمه الدول الأخرى من أنقاض أثرية تعود إلى العصور الغابرة، لا تتجاوز أدغالا نمت منذ سنوات بعيدة، وكذلك ما تحتوي عليه ربوع هذا البلد من طيور ومياه ومناظر طبيعية.

لكن ظاهرة النيران المستعرة دائما هذه، تشكل عجيبة طبيعية فريدة من نوعها تماما. فلا يمكن أن تجد في أي بقعة أخرى في العالم نيرانا تشتعل دون أي كابح لها في قلب أدغال كثيفة غير مأهولة.

المفارقة أنه لكي تصطبغ هذه الظاهرة بطابع أكثر خصوصية، فإن ثمة احتمالا لأن تتلاشى قريبا، وذلك في ضوء التحولات الطبيعية المتعلقة بأوضاع النفط والغاز في باطن الأرض في تلك المنطقة النيوزيلندية، وكذلك في ظل الاحتمالات التي تبدو قريبة التحقق لبدء عمليات التنقيب هناك في وقت لاحق من العام الجاري.

لكن في الوقت الحاضر، لا تزال هذه النار المستعرة دائما باقية؛ جنبا إلى جنب مع هذين الزوجين اللذين ينظمان الرحلات السياحية.

وهو ما يعني أنه لا تزال الفرصة قائمة أمامنا لكي نتمشى بين أشجار الزان الوارفة وفوق الطحالب الرخوة إلى أن نُباغت بمرأى تلك النيران أمامنا. وفي النهاية، نترك تلك النيران تضطرم كعادتها، ونحن نتعجب من طاقة هذه القوى الخفية الكامنة في أعماق باطن الأرض.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel.

المزيد حول هذه القصة