الرجل الذي يسبح مع أسماك القرش

مصدر الصورة John Bantin

إذا ما ذهبت للغطس وحاولت إحدى أسماك القرش الإمساك بك، فقد يصيبك الرعب منها إن لم تكن تشعر به بالفعل. أما مصور أسماك القرش الشهير، جون بانتين، فهو أكثر تفاؤلاً من ذلك بكثير.

غالباً ما تحتل حوادث هجوم أسماك القرش على البشر عناوين الأخبار حول العالم. وتدور الحكاية دوماً حول سبّاح أو راكب أمواج مسكين يواجه وحشاً مفترساً ينوي ابتلاعه، رغم أنه لم يفعل ما يستفز ذلك الحيوان للهجوم عليه.

إذا كان السباح محظوظاً، فإنه سيفقد ذراعه أو ساقه فقط. أما الضحايا الأقل حظاً فسوف يفقدون حياتهم كلها. يعني هذا الاحتمال، بالنسبة لمعظمنا، أن وجودك في مياه تملؤها أسماك القرش ليس أمراً مستحبّاً.

ولكن لالتقاط صور عن قرب لأسماك القرش، بكل تفاصيلها المذهلة، يتوجب عليك السباحة معها. فكل صورة تشاهدها مع هذا المقال قد التُقطت عن قرب، ولا يزال جميع الغطاسين سالمين.

وقد يبدو للقاريء أن الغطس مع أسماك القرش أمر مرعب. ما عليكم إلا التفكر ملياً في الإحصائيات المتوفرة عن حوادث هجوم أسماك القرش، فقد يجعلكم ذلك تغيرون آراءكم.

في عام 2014، ومن بين 72 حادث هجوم غير مستفز لأسماك القرش، كانت هناك ثلاث حالات وفاة فقط. ومع ذلك، كلما يقترب شخص من سمكة قرش، يُشاع على نطاق واسع أنه "نجا بأعجوبة".

مصدر الصورة John Bantin

غالباً ما ترد تقارير في المملكة المتحدة عن وجود "أسماك قرش مخيفة" بالقرب من الشواطيء. في مايو/أيار عام 2015، تمكن أحد الصيادين من صيد سمكة قرش من نوع "البُربِيجَل"، والتقط صورة له.

سرعان ما ظهرت عناوين أخبار مثل: "في اللحظة التي ظننت فيها أن المياه آمنة"، رغم أنه تبين من الخبر أن نوع البُربِيجَل غير مؤذٍ.

تتمتع أسماك القرش المتشمِّس بحجم هائل، ويمكنها أيضاً أن تنسلّ إلى الشواطيء البريطانية. ولهذا النوع من أسماك القرش "فكّان ضخمان بما يكفي لأن تبتلعك بالكامل"، كما ورد في تقرير يدعوك إلى تصديقه. لكن في الحقيقة، هذه المخلوقات غير مؤذية وتتغذى على العوالق.

ليست هناك أسماك قرش تفترس البشر على وجه التحديد. وإذا ما حصل وأن عضّت أحداً، فلأنها في العادة تكون قد أخطأت لاعتقادها بأنه غذاء لها.

ولإزالة مفاهيم خاطئة مثل هذه، قام الغطاس ومصور أسماك القرش "جون بانتين" بتوثيق سيرته المهنية في كتابه المعنون "عضات أسماك القرش: حكايا من الغطس مع مخلوقات غريبة وجميلة".

يأمل "بانتين" أن يغير الناس من سلوكياتهم تجاه أسماك القرش، مثلما عمل هو طيلة السنوات العشر الأولى من عمره المهني. "عبر السنين، وبينما كانت معرفتي عنها تزداد، أدركت أن أسماك القرش ليست حيوانات مفترسة بدون بصيرة. تلك صورة تحاول وسائل الإعلام أن نكوّنها عنها."

الفكرة الأولى التي كوّنها عن تلك الأسماك عندما بدأ عمله، هي "إذا نزلت إلى البحر ورأيت سمكة قرش، يجب عليك أن تخرج من الماء على الفور."

هناك حقيقة معروفة وهي وجود أكثر من 500 نوع من تلك الأسماك، وكل نوع له عاداته المميزة في التغذية. رغم ذلك، وحسب "بانتين"، السلوك المتعارف عليه هو أن "أسماك القرش تظل أسماك قرش مهما حصل".

مصدر الصورة John Bantin

إن سمكة القرش في ذهن معظم الناس هي عادة 'القرش الأبيض الكبير'، وهو النوع الذي سجل أكثر حالات الهجوم على البشر.

وقد تبيّن لـ"بانتين" وغيره، رويداً رويداً، أن هناك اختلافات عميقة بين أنواع أسماك القرش. يختلط الأمر على أنواعٍ محددة منها فقط، فتعتبر البشر طريدة لها وتحاول افتراسهم.

رغم أخذ هذا بعين الاعتبار، فإن أسماك القرش تشكل خطراً حقيقياً. يقول "بانتين": "إنها ليست جِراءً لطيفة. يجب عليك أن تراعيها وتقدرها."

عندما تكون تحت سطح الماء وأحسستَ بضربة، ستأمل أنك لن تنزف دماً كثيراً. فإذا ما رأوك أو اشتموا رائحة أي شيء يتحرك، فربما سيحاولون التحقق من الأمر أكثر. إنهم يقومون بذلك عن طريق عض ذلك الشيء. إذا عضتك سمكة قرش من ساقك أو جرحتْ أحد شرايينك، فقد تنزف حتى الموت.

تعرّض "بانتين" مرتين إلى هجوم من أسماك القرش البَبرِي. "لحسن الحظ، وفي الحالتين، عضت (الأسماك) خزان أوكسجين الغطس وليس بدني. عندما تكون تحت سطح الماء وتحس بضربة، ستأمل أنك لن تنزف دماً كثيراً."

في أكثر الحالات، يدرك سمك القرش أنه لم يصطد فريسة وسيتركها. يقول "بانتين": "في تسعينيات القرن الماضي، اعتقدتُ أنني نجوت من هجوم لسمكة قرش. تخلصت فقط من رؤيته لي. لاحقاً، وددت التلذذ بتلك الفرص المتاحة لكي ألتقط صوراً."

مصدر الصورة John Bantin

استناداً إلى بيانات حوادث هجوم أسماك القرش المتوفرة لدى منظمة "متابعة أسماك القرش"، شهدت فلوريدا أكثر حالات العضّ التي تعرض لها البشر خلال الأشهر التي مرت من عام 2015. لكن من المؤكد أن أسماك القرش لا تسبح هناك بحثاً عن بشر لتأكلهم.

السبب الأرجح هو أن الأمواج الهائجة، التي تمثل ظروفاً مواتية لرياضة ركوب الموج، تجعل من الصعب على أسماك القرش أن ترى بوضوح. يسهل هذا مع اختلاط الأمر لدى أسماك القرش فتعتبر راكبي الموج فرائس لها.

أضف إلى ذلك أن هجوم أسماك القرش قد يثيره الصيادون بجرهم لأسماك ميتة أو جريحة في مياه البحر. يؤدي جرّ هذه الأسماك إلى حصول إهتزازات في الماء، فتنتبه أسماك القرش لوجود "وجبة طعام" مناسبة لها، حسب قول "بانتين".

إذا كان هناك شخص ما بالقرب مما يثير اهتمام سمكة قرش، فقد يتعرض للعض من قبيل الصدفة فقط. يقول "بانتين": "عندما تعض، فإنها تغلق أعينها لتحافظ عليها. لذا، فهي في اللحظات الأخيرة لن تتقن ما تقوم به."

إن كل هذا الإعلام السلبي عن أسماك القرش لم ينفعها. تتعرض هذه الأسماك لمخاطر منا نحن أكثر من تعرضنا نحن لمخاطر منها. يُقتل منها في كل سنة ما يقرب من 100 مليون سمكة.

يأمل "بانتين" أن تساهم ذكرياته هذه في تبديد بعض الخرافات التي تدور حول أسماك القرش، التي تساعد في المحافظة على بيئة صحية للمحيطات. يقول: "إنها بمثابة "كناسي‘ المحيطات"، حيث تنظف كل ما يتبقى من الأسماك المجروحة والعليلة.

لحسن الحظ، ليست جميع الأخبار سلبية. إن الاهتمام العالمي بأسماك القرش يعني وجود مصادر عديدة ذات معلومات دقيقة حولها.

على سبيل المثال، قامت سلسلة برامج "أسماك القرش" لشبكة "بي بي سي" في عام 2015 بتصحيح العديد من المغالطات الشائعة حول تلك الأسماك.

مصدر الصورة John Bantin

كما تقوم المنظمات الخيرية للمحافظة على البيئة بدورها أيضاً. تعمل "سونيا فوردهام" مع منظمة "المدافعين الدوليين عن أسماك القرش" غير الربحية.

وحسب قول "فوردهام"، شهدت السنوات العشرين الأخيرة تزايداً مطرداً في إدراك الناس وتثمينهم للدور الذي تلعبه أسماك القرش في المحيطات.

تضيف "فوردهام": "على سبيل المثال، تعالت صيحات الاحتجاج ضد العمليات المقترحة لقتل أسماك القرش، وأصبحت على أشدها. من المهم أن ندرك هنا أن أنواعها الأكبر، مثل القرش الأبيض الكبير، هي من بين أكثر أسماك القرش المحمية، فهي معرضة للخطر."

إن أنواعها الأصغر والأقل سحراً هي في الغالب غير خاضعة لأية رقابة أو حماية. لذا، فإنها أكثر عرضة للخطر.

تقول: "تبعاً لذلك، لا يكمن التحدي فقط في الاستمرار في التقدم في فهمنا وتثميننا وحمايتنا لأسماك القرش الكبيرة، بل وأيضاً بتوسيع اهتمام عامة الناس والضمانات لتشمل تلك المعرضة للخطر من الأنواع الأصغر وتلك التي تنال اهتماماً أقل."

العامل المهم الآخر هو أن الوصول إلى الشواطيء، عبر بلدان العالم، أصبح أكثر سهولة من أي وقت مضى. في الوقت الذي لسنا فيه فرائس محتملة لأسماك القرش، إلا أن الحوادث يمكن أن تحصل ولا يمكن تفاديها.

لعل من المناسب أن تتذكر، في المرة القادمة التي تسبح فيها بمياه مليئة بأسماك القرش، أنك أنت الذي تتجاوز على بيئتها الطبيعية، وليس العكس. لقد عاشت في البحار والمحيطات لملايين السنين، قبل أن نظهر نحن في ذلك الوجود.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Earth.

المزيد حول هذه القصة