موجات "تسونامي" التي اجتاحت جزيرة بأسرها

مصدر الصورة Thinkstock

أحدث بركان منهار موجة مد عاتية أدت إلى اجتياح جزيرة بأسرها تقع بعيدا عنه بمسافة تزيد على 30 ميلا، وذلك قبل نحو 73 ألف عام.

انهار الجانب الشرقي من بركان "بيكو دو فوغو" وسط المياه. وعندما بلغت صخور الجزء المنهار من هذا البركان الكائن في جزيرة فوغو مياه المحيط بقوة وعنف، نشأت جراء ذلك موجة مد عاتية (تسونامي) بلغ ارتفاعها 240 مترا (800 قدم)، واجتاحت جزيرة سانتياغو الواقعة على بعد 34 ميلا.

وتعد جزيرة فوغو جزء من أرخبيل "كيب فردي" (جزر الرأس الأخضر) الواقع قبالة سواحل شمال غربي أفريقيا.

ولحسن الحظ كانت جزر الرأس الأخضر في ذلك الحين غير مأهولة، إذ لم يبدأ استيطانها سوى في منتصف القرن الخامس عشر، ولولا ذلك لكان تأثير ذاك المد العاتي كارثيا على أي شخص يقطن تلك الجزيرة.

وحتى اليوم، لا يزال بركان "بيكو دو فوغو" نشطا، حيث يثور كل 20 عاما تقريبا.

وبرغم أن انهيارا مثل ذاك الذي حدث منذ 73 ألف عام يشكل حدثا نادرا إلى حد بعيد، فإن بوسع الباحثين دراسة ما جرى في الماضي، لتوقع وتفهم نتائج أي انهيارات بركانية محتملة قد تقع في المستقبل.

مصدر الصورة Ricardo Ramalho
Image caption يثور بركان فوغو كل 20 عاما تقريبا ووقعت أحدث ثوراته أواخر العام الماضي

وفي عام 2005، بدأ الباحث الجيولوجي ريكاردو رامايو من جامعة بريستول البريطانية إجراء دراساته في جزر الرأس الأخضر. وسرعان ما لاحظ الرجل وجود سلسلة من الصخور غربية الطابع على جزيرة سانتياغو.

وكلما مضى رامايو قدما في بحثه، كلما اكتشف المزيد من هذه الصخور، التي بلغ عددها في نهاية المطاف 40؛ وكان وزن بعضها يفوق 700 طن.

الغريب أن هذه الصخور الضخمة كانت مختلفة تماما عن أي رواسب بركانية أخرى موجودة على جزيرة سانتياغو. وقد اكتشف الباحث أن تلك الصخور مكونة من ذات المواد التي تتكون منها الصخور الواقعة على شاطئ الجزيرة، والتي كانت قد وصلت إلى هناك بفعل موجات المد العاتية (تسونامي).

وقد افترض العلماء أن موجات المد تلك كانت محدودة للغاية نظرا لأن الرواسب البركانية التي خلّفتها في شكل صخور ظلت عند مستوى سطح مياه المحيط.

ولكن أحدث دراسة أجراها رامايو في هذا الصدد أشارت إلى أن تلك الموجات كانت ضخمة بحق.

وتقع تلك الصخور، التي عكف رامايو على فحصها وتحليلها، على ارتفاع 220 مترا فوق سطح البحر. ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، سوى أمر واحد؛ ألا وهو أن موجة المد العاتية التي أحدثها الانهيار الجزئي الذي وقع لبركان "بيكو دو فوغو" كانت قوية لدرجة أدت لدفع الصخور الرسوبية كل هذه المسافة إلى داخل الجزيرة.

مصدر الصورة Ricardo Ramalho
Image caption تشكلت صخور مثل هذه بفعل موجات مد "تسونامي" قوية للغاية

ويقول رامايو في هذا الصدد: "موجات تسونامي ليست أمواجا تتناثر مياهها في رفق، بل هي أشبه بفيضانات لمياه بكميات هائلة يمكن أن تبلغ مستويات مرتفعة".

وقد تمكن رامايو وزملاؤه من تحديد الفترة الزمنية التي وقعت فيها موجة (تسونامي) التي ضربت تلك الجزيرة، وذلك من خلال تحديد عمر الصخور غريبة الطابع التي عُثر عليها هناك. ونُشرت المعلومات المتعلقة بهذا الأمر في دورية "ساينس أدفانسس".

كما كان بوسع هذا الفريق من الباحثين تقدير حجم تلك الموجة، من خلال حساب الطاقة الدافعة اللازمة لدفع صخور بذلك الحجم لمسافة تزيد على 600 متر، رغم أن هذا التقدير ليس إلا "أوليّا"، كما يُقر رامايو.

أما إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية أوسع نطاقا، فسنجد أن جهود رامايو وزملائه قدمت دليلا إضافيا على أن الانهيارات البركانية الكبيرة قد تُحدِثُ موجات تسونامي عملاقة.

وقد كان واضحا من قبل بالفعل أن مثل هذه الانهيارات قد تقود لحدوث موجات "تسونامي" محدودة، ولكن لم يكن هناك من قبل من يمكن أن يقول بثقة إن ثمة احتمالا لأن تُحدِثُ موجات أكثر قوة وضخامة انهيارات من ذاك القبيل.

ويقول رامايو : "انهيارات جوانب (البراكين) يمكن أن تحدث بسرعة بالغة للغاية وعلى نحو كارثي، ولذا يمكنها إشعال شرارة موجات تسونامي عملاقة".

مصدر الصورة Kim Martineau Lamont. Doherty Earth Observatory
Image caption يشكل فوغو أحد أكبر براكين العالم الواقعة على جزر حجما وأكثرها نشاطا

ويضيف الباحث بالقول: "هذه الأمور حقيقية، ومن المحتمل أن تحدث مرة أخرى".

ويمضي قائلا: "يتعين علينا أن نتحلى باليقظة نظرا للأثر الهائل الذي ينجم (عن مثل هذه الموجات). نحتاج لأن نشرع في التفكير بشأن ما الذي يتعين علينا عمله لتحسين قدرتنا على التكيف مع حدث مثل هذا"، والتعامل معه.

ومن جهته، يقول بيل ماغواير، الباحث بكلية لندن كوليدج في المملكة المتحدة، والذي لم يشارك في الدراسة التي أجراها ريكاردو رامايو وزملاؤه، إن موجات (تسونامي) عملاقة مثل تلك التي ضربت جزيرة سانتياغو ربما تحدث كل 10 آلاف عام تقريبا.

ويضيف ماغواير بالقول: "حجم أحداث مثل هذه، وتأثيراتها المدمرة المحتملة، تجعل منها خطرا جسيما وواضحا يكمن في أحواض المحيطات التي تقع فيها براكين نشطة".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Earth.

المزيد حول هذه القصة