الاختبار الصعب الذي يرهق رواد الفضاء

مصدر الصورة Qinetiq

هل تريد أن تتدرب استعدادا للسفر إلى الفضاء، أو للتحليق بطائرة حربية حديثة؟ ربما سيتوجب عليك خوض اختبار يشمل دخول جهاز للطرد المركزي خاص برواد الفضاء عمره 60 عاماً، ولا يزال الطيارون يستخدمونه اليوم لإظهار قوة تحملهم.

في إحدى اللقطات القصيرة التي لا تُنسى من فيلم "آلة الزمن" لعام 2002، والذي لاقى انتقادات شديدة، ينتقل البطل "غاي بيرس" إلى المستقبل، ونرى كيف يتغير العالم من حوله.

فتتحول العربات التي تجرها الخيول إلى سيارات، وتتحول الماكينات إلى أجهزة الكترونية، وتظهر كذلك مدينة حديثة، لكن "بيرس" يظل معزولاً داخل فقاعة آلته الزمنية القديمة.

لقد حدث نفس الشيء لجهاز الطرد المركزي المصمم للبشر الذي يشبه تلك الآلة، والذي يقبع في مدينة فارنبورو جنوبي انجلترا. كان ذلك الجهاز فيما مضى جزءاً من منشأة عسكرية، ثم أصبح معزولا في إحدى المناطق الصناعية. أما اليوم، فيقبع ذلك الجهاز داخل مبنى حديث.

لكن عند مقارنة ذلك المبنى الدائري المؤلف من ثلاثة طوابق مع الصور التي التقتت له عند افتتاحه أول مرة عام 1955، ستجد أنه لا يزال على نفس حالته التي كان عليها بالضبط.

يستمر هذا الشعور الغريب عندما تدخل منطقة الاستقبال بالمبنى ـ وهي غرفة خالية تحوي مكتباً نظيفاً من خمسينيات القرن الماضي ـ أو عندما تصعد السلالم المبنية من الخرسانة لتصل إلى غرفة الاجتماعات. هنا، تجد 50 كرسياً معدنياً وهي تحيط بطاولة خشبية طويلة. حتى الجدران لها لون غريب من الطراز القديم.

مع كل ما ذكر، يبدو جلياً أن الرجل الجالس خلف ذلك المكتب هو رجل من المستقبل. كان الرجل يرتدي بدلة خضراء داكنة من قطعة واحدة، وتصل حتى الرقبة، وتتصل بها أسلاك وأنابيب في أجزاء مختلفة بمنطقة الصدر والساقين.

مصدر الصورة John Watkins

يبدو "إد مارتن" فى تلك البدلة وكأنه من طياري المستقبل. لم يشبه سلوكه أبطال فيلم "الرجال الحقيقيون"، إذ ترى قطرات طويلة من العرق تصببت على وجهه، وتلك هي النتيجة المؤسفة لارتدائه أحدث الأطقم الشتوية الخاصة بطياري القوة الجوية في غرفة مفرطة الحرارة في أواخر الصيف.

"مارتن" هو أحد المتطوعين. لقد ارتدى تلك الملابس ليختبر نموذجاً جديداً للسراويل المضادة للجاذبية. ويلبس قائدو الطائرات هذه الملابس التي تتصل بالكترونيات الطائرة لكي تنتفخ أثناء عمليات التحليق السريعة جداًـ مما يدفع الدم بعيداً عن الساقين باتجاه الدماغ ليحول دون إغماء الطيارين.

وقد استُعملت هذه البدلات الخاصة لعشرات السنين، وهي أمر جوهري عند التحليق في الطائرات المقاتلة العصرية، مثل طائرة "التيفون" البريطانية. من المؤكد أن هذه البدلات ستستعمل في صواريخ وطائرات الفضاء في المستقبل.

يقول ديز كونوللي، الطبيب المشرف على تلك التجارب: "تنتفخ تلك السراويل المضادة للجاذبية لتدفع الدم نحو أعلى الجسم، باتجاه الصدر. لذا، بدل توجه الدم نحو الساقين، تتم المحافظة على ضغط الدم لكي يساعد ذلك في دفع الدم باتجاه الرأس".

وتدير شركة تُدعى "كينيتيك" تلك المنشأة، وهي شركة تكنولوجيا دفاعية وفضائية. ولأسباب تجارية، وأخرى سرية واضحة، لن يُخبرني أي من العاملين في هذه الشركة عما هو مبتكر في هذه البدلة بالضبط.

لقد صُنعت السراويل التي يرتديها "مارتن"، على وجه الخصوص، من مواد جديدة. رغم كل ذلك، سيدعني العاملون هنا أرى ما يجري وهم يجربون تلك البدلة و"مارتن" يرتديها في أحد الاختبارات المروعة.

بينما يقومون بربط مارتن بإحكام في مقعد به خمسة مواقع يقيد منها، يوضح لنا الرجل قائلاً: "سيجعلوني أدور في هذا الجهاز بقوة G 9 ـ وهي قوة جاذبية تعادل تسعة أضعاف جاذبية الأرض ـ مما سيزيد من وزني تسعة أضعاف".

يقع مقعد "مارتن" ـ المماثل لذلك الموجود في طائرات التيفون ـ ضمن عربة جندول بيضوية تظهر عليها آثار أضرار قديمة. تتأرجح العربة من نهاية ذراع معدنية قطرها 60 قدماً.

قال لي "مارتن"، بينما كنت أنظر إليه غير مصدق ما سيجري: "مررت بهذا الاختبار بضعة مرات ـ إنه ممتع جداً".

مصدر الصورة Getty Images

يستقر ذراع جهاز الطرد المركزي على قاعدة في حجرة دائرية عالية. تحت هذه القاعدة محرك كهربائي له القدرة على توليد تسارع يؤدي إلى فقدان وعي أكثر الناس العاديين ـ إذا لم يرتدوا السراويل المضادة للجاذبية.

كمبيوتر من زمن غابر

مع ربط "مارتن" في مقعده وتوصيله بأجهزة مراقبة القلب والتنفس، جرى توصيل بدلته بجهاز تزويد الهواء، وأصبح كل شيء جاهزاً للبدء في الاختبار.

أطفئت جميع الأنوار في الحجرة تاركة الجندول وكأنه معلق في الفضاء. يغلق أحد التقنيين الباب الحديدي الثقيل الموجود في قاعة جهاز الطرد المركزي ويغلقها بإحكام.

تقع غرفة التحكم في الأعلى لتطل على تلك الحجرة. هنا يصدر صوت أزيز الكمبيوتر الذي يشغل الجهاز. في هذا العام، تحتفل أجهزة هذه الغرفة أيضاً بالذكرى الـ 60. ولذلك الكمبيوتر الميكانيكي النادر معدات وأحزمة وقضبان عديدة، وهو يشبه مجمدة رمادية مستعرضة.

وهذا البرنامج يتكون من قرص مسطح على شكل حلزوني، يسمونه ’كام‘. ويبلغ حجم كل ’كام‘ حجم اسطوانة التسجيلات البلاستيكية.

مصدر الصورة John Watkins

يضغط الفني على مفتاح التشغيل ـ وهو عبارة عن زر كبير من النوع القديم. يقع المفتاح على وحدة تحكم من الطراز التقليدي مثل الذي يستعمله البطل "فلاش غوردن". عندها، تبدأ أقراص الجهاز بالوميض ويدور قرص الكمبيوتر، ثم يبدأ جهاز الطرد المركزي في الدوران.

سرعة عالية

صُمم الجهاز ليماثل سُرعات التحليق العالية التي يواجهها الطيارون وحتى رواد الفضاء، في وقت كان يُعتقد فيه (أو ربما كان من المؤمل) أن تقوم بريطانيا بتطوير برنامجها الخاص بها لإطلاق رواد الفضاء.

كانت تصاميم الصواريخ في منتصف خمسينيات القرن الماضي توصي بالحاجة إلى سرعٍات عالية جداً بهدف التحرر من الجاذبية الأرضية والوصول إلى مدار حول الأرض.

ونتيجة لذلك، فإن مقياس ’قوة ـ ج‘ (G) للجاذبية على الجدار تشير إلى 35 درجة، مع أنه سرعان ما تبين عدم استطاعة أي إنسان تحمل هذه القوة المفرطة للجاذبية. في أيامنا هذه، لا تتعدى القوة القصوى أكثر من تسعة أضعاف قوة الجاذبية الأرضية (9 G).

ربما تعود التقنية إلى منتصف القرن العشرين، لكن التجارب لا زالت تُجرى لاختبار أحدث إلكترونيات الطيران وأجهزة الفضاء.

يقول "كونوللي": "بالرغم من حقيقة أنها تقنية تعود إلى 60 سنة مضت، فإنها قد تُستعمل خلال هذا العام أكثر من أي عام مضى".

إضافة إلى اختبار أداء أحدث السراويل المضادة للجاذبية، فإن التجربة الحالية تشمل دراسات حول نظارات الرؤية الليلية، وتأثير تمارين معينة في تفادي حصول إصابات الظهر والعنق عند التعرض لقوى عالية مضادة للجاذبية. إحدى الأمور الأخرى المثيرة للاهتمام هي تأثير التسارع لفترات طويلة على الرئتين.

يقول "كونوللي": "تميل الأجزاء السفلى من الرئتين إلى الإنطواء على بعضها عند المرور بقوة عالية مضادة للجاذبية، عندما تتنفس هواءً ذا تركيز عالٍ من الأوكسجين. ذكر الطيارون أنهم عانوا من سعال وألم خلف عظمة الصدر. لعل ذلك يشير إلى ميلٍ لنقص الأوكسجين أثناء التحليق".

بخلاف أجهزة الطرد المركزي الحديثة، فإن ذلك الجهاز الموجود في "فارنبورو" بانجلترا يعد جهازا متعدد الجوانب أيضاً. رغم أن معظم العمل الحالي يشمل الطائرات الحربية، لكن يمكن إعادة ترتيب الجندول ليماثل تسارع المركبات الفضائية.

مصدر الصورة Qinetiq

وقد جرى تدريب عدد من سياح الفضاء بالفعل على هذا الجهاز. كما تأمل شركة "كينيتيك" في جذب زبائن آخرين، كلما تطور هذا المجال.

بعد القيام ببضعة تجارب، اقتربنا من ذروة الاختبار. إذ يتنامى تسارع جهاز الطرد المركزي حتى يوضع المتطوع في حالة مماثلة لحركات طيران قتالية.

"أكثر السنوات انشغالاً"

سمعنا صوت التنفس الثقيل لـ"مارتن" عبر مذياع خشبي من خمسينيات القرن الماضي. كان جهاز الطرد المركزي يدور، مثل "عجلة كاثرين" في الظلام تحتنا، دافعاً قوة التحمل البشري إلى حدودها القصوى.

"ينتابني شعور جيد"، حسبما يقول "مارتن" عندما انتهت التجربة. ويضيف: "كان الأمر مُسلياً".

نجا "مارتن"، ويبدو أن سراويل التكنولوجيا الجديدة قد أدت عملها بإتقان. علينا أن نعتبر هذه نتيجة ناجحة.

لقد استُعمل هذا الجهاز التكنولوجي القديم على مدار الساعة طيلة 60 عاماً. بدأ ذلك قبل بزوغ فجر عصر الفضاء. ويبدو من الأرجح أنه سيستمر لفترة طويلة أيضا في عصر الحروب الالكترونية والرحلات التجارية لاستكشاف الفضاء.

يقول كونوللي: "إنها أكثر السنين انشغالاً في تاريخ جهاز الطرد المركزي. لذا، لن يصبح خارج الخدمة في المستقبل القريب".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.

المزيد حول هذه القصة