بقعة تحولت فيها الحياة إلى أحجار تكشف أسرار كوكبنا

مصدر الصورة Karel de Pauw Alamy Stock Photo

تشكل منطقة باتاغونيا موطنا لغابة استثنائية متحجرة وغريبة الطابع، كما أنها غابة مخيفة بعض الشيء وحافلة بالحفريات.

تتناثر في جنبات إقليم تشوبوت، الواقع جنوبي الأرجنتين، نصب صخرية غريبة الشكل تنتمي لحياة غابرة ازدهرت في هذه المنطقة قبل 65 مليون سنة تقريبا، فالإقليم موطن لـ"غابة متحجرة" نادرة، تحولت فيها الحياة الصاخبة إلى أحجار صماء.

ويصف بيتر ويلف، أستاذ علم الحفريات النباتية بجامعة "بِن ستات" في الولايات المتحدة تلك الغابة المتحجرة بالقول: "الكثيرون يرونها غريبة ومخيفة بعض الشيء، وذات تضاريس أشبه بتلك الموجودة على سطح القمر. بالنسبة لي هي بقعة جميلة على نحو مذهل".

ويضيف ويلف: "لا توجد تقريبا نباتات من تلك الموجودة في العصر الحديث، المنطقة جافة للغاية، والرياح عاتية بشدة. أنا رجل قوي البنية، لكنني أحيانا ما أُطرح أرضا،" بفعل هذه الرياح.

وتحدث عملية التحجر عندما تتحول المادة العضوية الموجودة في نبات أو حيوان ما إلى معادن قبل أن "تصبح حجرا" في نهاية المطاف. ومن شأن هذه العملية الحفاظ على الأشكال الطبيعية للنباتات والحيوانات المتحجرة بتفاصيلها التشريحية بدقة وعلى نحو مجسم.

وعلى مدى 16 عاما؛ عكف ويلف ومعه فريق من الولايات المتحدة ومن "متحف إيجيديو فرولجيو للأحافير" (إم أي إف) في الأرجنتين على دراسة الغابات المتحجرة الموجودة في باتاغونيا والأراضي الغنية بالحفريات الموجودة هناك.

ومن بين أكثر المواقع أهمية في هذا الإطار؛ منطقة "أوروماشتيا بارك" في إقليم تشوبوت.

مصدر الصورة Dr. Peter Wilf
Image caption حفرية لجذع شجرة ضخم يعود إلى 65 مليون سنة في "أوروماشتيا بارك"

وتوجد في إقليم تشوبوت أحافير لديناصورات فريدة من نوعها، ولحيوانات ثديية وكذلك لنباتات وأزهار وفواكه. وتمثل هذه الحفريات "كل الحقب الجيولوجية تقريبا" التي مرت على الأرض.

لكن ربما تشكل جذوع الأشجار المتحجرة ضخمة الحجم أكثر المعالم التي تحتوي عليها "أوروماشتيا بارك" غرابة ولفتا للأنظار بشدة.

وتتناثر على صفحة الأرض في هذه المنطقة – كما يقول ويلف - حفريات لجذوع "أشجار طويلة للغاية من الفصيلة الصنوبرية وكذلك من الأشجار المزهرة" التي كانت تنمو على ضفاف الأنهار القريبة من الساحل المطل على المنطقة الجنوبية من المحيط الأطلسي.

كان ذلك قبل نحو 65 مليون سنة "في فترة لم يكن قد مضى فيها وقت طويل على انقراض أخر ديناصور" من على سطح الأرض.

لكن تلك الأشجار لم تكن تنمو في هذه المنطقة، بل وصلت إلى هناك بفعل المياه، عندما تآكلت ضفاف الأنهار التي كانت تنمو عليها بفعل الرياح، لينتهي الحال بها في مصبات أنهار رملية، دُفنت فيها تحت طبقات من الرواسب.

وبمرور الوقت، حلت مادة ثاني أكسيد السيليكون الذائبة (السيليكا) محل المواد العضوية الموجودة في تلك الأشجار. وبفعل مستويات الضغط ودرجات الحرارة الآخذة في الارتفاع، تحولت الأشجار والرمال التي تغمرها إلى أحجار.

مصدر الصورة Krystyna Szulecka Photography Alamy Stock Photo
Image caption تشكل غابة "سيرّو كوادرادو" المتحجرة التي تعود للعصر الجوراسي الأوسط إحدى أروع الغابات المتحجرة من نوعها في العالم

ويوضح ويلف أنه "بعد مرور سنوات طويلة، أدت عمليات الرفع الجيولوجي (التكتوني) إلى إعادة هذه الأشجار المتحجرة من جديد إلى سطح الأرض. وأزالت عمليات التعرية كل الرواسب الموجودة فوقها، لتكشف عن حفريات ضخمة وبديعة".

لذا لا يمكن اعتبار أن منطقة "أوروماشتيا بارك" تشكل "غابة متحجرة" بالمعنى الحرفي للكلمة، لأن أشجارها ليست في المكان الذي كانت تنمو فيه من الأصل.

رغم ذلك فإن هذا الموقع ذا الطابع الاستثنائي هو من بين أهم المواقع بالنسبة لعلم الحفريات النباتية في العالم؛ إذ أنه يمنحنا لمحة نادرة لملامح تلك الحقبة التي تلت مباشرة اختفاء الديناصورات من على ظهر البسيطة في نهاية العصر الطباشيري، وذلك بعدما هيمنت على كوكب الأرض لنحو 165 مليون سنة.

ويمكن القول إن كل غابة متحجرة تروي لنا حكاية مختلفة.

فإلى الجنوب من منطقة "أوروماشتيا بارك"، تقع غابة "سيرّو كوادرادو" المتحجرة، التي تشكل موقعا رائعا للحفريات التي تعود إلى العصر الجوراسي الأوسط، حيث تضم هذه المنطقة أشجارا هائلة الحجم لا تزال قابعة في مواقعها الأصلية.

ومن بين العينات الأحفورية الموجودة في هذه المنطقة، جذوع أشجار ضخمة وكذلك أشجار عتيقة من نوع "أروكاريا أروكانية" الذي ينتمي لفصيلة الصنوبريات.

ويقول ويلف: "على عكس الحال في أوروماشتيا بارك، سقطت أشجار سيرّو كوادرادو بفعل ثورات بركانية وقعت في العصر الجوراسي، وتحولت (هذه الأشجار) إلى حفريات في مناطق قريبة للغاية من تلك التي كانت تنمو فيها، لذا فهذه المنطقة تشكل غابة حقيقية للحفريات".

ورغم أن هذه المنطقة تشكل كنزا دفينا للراغبين في دراسة الحفريات النباتية، فإنها لم تسلم من عمليات النهب التي نفذها مهربو الحفريات.

مصدر الصورة Dr. Peter Wilf
Image caption قطع أشجار ضخمة متحجرة تبرز من تل قابع فوق أرض وعرة تعود للعصر الطباشيري قرب "أوروماشتيا بارك"

وبحسب ما يقول ويلف فقد بيعت في السوق السوداء أعدادٌ كبيرة من مخاريط أشجار الصنوبر، التي كانت تنمو في منطقة سيرّو كوادرادو وتعود لعصور ما قبل التاريخ، وهي المخاريط التي غالبا ما ظلت على حالها وفي شكلها الأصلي، ما جعلها ذات قيمة علمية عظيمة.

ويضيف ويلف أن عمليات البيع غير المشروعة لا تزال مستمرة، رغم الحماية التي باتت تحظى بها هذه الغابة المتحجرة في الوقت الراهن.

ويشكل العثور على خشب متحجر أمرا شائعا إلى حد كبير، ولكن من النادر أن يعثر المرء على غابات متحجرة كاملة.

فبخلاف تلك الموجودة في الأرجنتين، توجد مواقع شهيرة أخرى في العالم تقع فيها غابات متحجرة مثل جزيرة ليسبوس اليونانية. أما في الولايات المتحدة، فتشكل ولايتا أريزونا ووايومنغ موطنا لبعض أفضل نماذج الكائنات والنباتات التي مرت بعملية تحجر.

ولكن طبيعة الأرض المكشوفة الوعرة التي تعصف بها الرياح في منطقة باتاغونيا، أبقت على تعلق ويلف الشديد بها.

ويقول الرجل: "تكشف بقاعٌ مثل هذه، حيث تبدو الصخور العامرة بالحفريات ظاهرة فوق سطح الأرض بحق، قصة الحياة على كوكبنا".

على أي حال، بوسعك التعرف على المزيد بشأن العجائب الموجودة في باتاغونيا من خلال مشاهدة برنامج "باتاغونيا: جنة أسرار كوكب الأرض"، الذي يُذاع حاليا للمشاهدين داخل المملكة المتحدة على شاشة "بي بي سي تو".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Earth.

المزيد حول هذه القصة