لماذا يظهر الأبطال في المواقف الخطيرة في حياتنا؟

مصدر الصورة Getty Images

من الشائع أن نسمع قصصاً عن بطولات خارقة مصاحبة للأحداث الفظيعة المشابهة لهجمات باريس الأخيرة. فما الذي يجعل أناساً يخاطرون بحياتهم لإنقاذ الآخرين؟

كان يفترض أن يستمتع لودوفيكو بومباس بوليمة هادئة في حفل عيد ميلاد صديقه عندما بدأ إطلاق الرصاص في مطعم "بيل ايكيب" في باريس يوم الجمعة، 13 من نوفمبر.

كان بإمكانه أن يختبيء بين الجموع متوارياً في خوف، لكنه عندما رأى مسلحاً يطلق الرصاص على امرأة قريبة منه تغلبت غريزة مختلفة عليه غير تلك المتعلقة بالبحث عن الأمان وإيثار السلامة. قال أصدقاء له إنه تصدى للرصاص بجسده لإنقاذ حياة السيدة، مضحياً بحياته هو.

في اليوم الذي سبق تلك الأحداث، وعلى بعد نحو 2,000 ميل، أظهر الشاب عادل ترمس في بيروت شجاعة ذاتية مشابهة. فلدى رؤيته لرجل يرتدي حزاماً ناسفاً يقترب من الناس المتجمهرين، قام بطرحه على الأرض مما أدى إلى انفجار الحزام الناسف الأمر الذي أدى حتماً إلى إنقاذ حياة الكثيرين.

رجلان من العامة، أظهرا شجاعة خارقة عند وقوع المصائب. وفي الوقت الذي بدأ فيه العالم يتعايش مع الأحداث الأخيرة، فمن المتوقع أن نسمع المزيد من قصص البطولة هذه.

لماذا يظهر بعض الناس تلك البطولة المدهشة؟ بالنسبة لأولئك الذين ضحوا بحياتهم، من الصعب أن نعرف ماذا كان يدور في عقولهم، لكن ديفيد راند من جامعة يال فحص عدة حالات مشابهة ليحاول فهم التفكير الذي يكمن وراء هذا النوع من السلوك، ولعل ما توصل إليه يشكل إضاءة ولو خافتة في هذه الأوقات المظلمة.

الدراسات التي أجراها راند في السابق ركزت على سؤال أكثر عمقاً: هل نحن مجبولون على الأنانية أم على الإيثار؟ إحدى الأفكار كانت تقول إن رد فعلنا التلقائي لأي حدث يقع يهدف إلى الحصول على ما نستطيع لأنفسنا، وأننا نظهر سلوكاً حميداً فقط عندما نتأكد من أن ذلك سيعود علينا بالنفع لاحقاً.

ولكي يكون الإنسان جيداً فهو يحتاج حسب علماء النفس إلى ضمير متيقظ وجهد مقصود للتخلص من نزعاتنا السلبية السيئة.

مصدر الصورة Getty Images

لكن راند توصل في تجاربه المخبرية إلى العكس، فكلما كان الوقت محدوداً أمام الشخص كلما اتسم سلوكه بالإيثار. فقد طلب من المشاركين القيام بألعاب بسيطة مقابل الحصول على المال على سبيل المثال. فوجد أنهم أكثر ميلاً لتقاسم المال مع اللاعبين الآخرين إذا طلب منهم الإسراع، إذ إنهم يتصرفون بطريقة تلقائية غريزية وليس بطريقة تحليلية.

وقد كشف أنه عندما طلب من أشخاص أن يتذكروا رقماً ما أثناء ممارستهم اللعب للضغط على حالتهم الإدراكية، جعلهم ذلك أكثر سخاء. بالطبع كان هناك تفاوت بين الأشخاص لكن بالمعدل العام بدا واضحاً أنهم مفطورون على أن يكونوا طيبين ومتعاونين.

لم يكن أمامهم مجال للتفكير في الأمر، فقد تصرفوا غريزياً بشكل منصف. يقول راند: " نحن مفطورون على أن نكون عوناً للآخرين".

هذا لايعني أن السلوك ليس له فوائد على المدى البعيد، فالناس المتعاونون من المرجح أكثر أن يحصدوا نتائج ما يزرعون من سلوك حسن في المستقبل، لهذا فربما نكون تعلمنا أن من يقدم المعروف لا يجد إلا المعروف.

لكن فكرة أن البشر أسخياء ومعطاؤون بطبيعتهم هي فكرة ما تزال متفائلة نوعاً ما أكثر من فكرة أن رغباتنا الأنانية تتراجع وتزول بحسابات عقلية.

كان راند مهتما بالطبع بما هو أكثر من مجرد تقاسم المال. ويقول: "كان ينتابني فضول لمعرفة ما إذا كان هذا السلوك الذي ينم عن سخاء يمكن أن يستمر ويكون هو النموذج المتبع عندما يكون التحدي أمام الشخص أكثر وأخطر."

لذلك واصل طريقه لدراسة أمثلة وحالات الإيثار الشديد، كالتي رأيناها في باريس وبيروت. وقد بحث عن الفائزين بميدالية كارنغي للبطولة، وهم أناس عاديون خاطروا بحياتهم لإنقاذ الآخرين.

ويشير في هذا السياق إلى كريستسن مارتي على سبيل المثال، والتي سبحت في مياه الفيضان العميقة في بنسلفانيا لإنقاذ حياة أحد المسنين من الغرق داخل سيارته.

مصدر الصورة Getty Images

ويشير كذلك إلى كيرمت كوبيتز الذي رأى أحدهم يطعن شخصاً بالسكين في مخبز قريب، فقال إنه كان أمامه خياران؛ "إما أن أدفعه خارج المخبز وأغلق الباب، أو أن أقول: يا إلهي ربما يطعنني أنا الآخر، لكنني اخترت أن أحاول دفعه خارج الباب، فغرس سكينه بين ضلوعي".

وقد جمع راند إفادات عما قام به حوالي خمسين من الفائزين بالميدالية من أعمال بطولية. وتولى بعد ذلك فريق مستقل ترتيب هذه الإفادات طبقاً لمعايير نفسية للكشف عما إذا كانت هذه التصرفات تعكس إيثاراً أم أن تصرفهم البطولي كان نتيجة تصميم وقرار مسبق أقنعوا أنفسهم بأنه القرار الصحيح.

في المجموع، كانت الغالبية العظمى أو نحو 90 في المئة من الأفعال مبنية على مجرد غريزة طبيعية. المهم هو أنهم اتخذوا هذه القرارات في وقت كان لديهم الزمن الكافي للتردد والحسم وربما لإقناع أنفسهم بألا يهبوا للمساعدة.

لكن في معظم الحالات، لم تدخل هذه الشكوك إلى تفكيرهم: ففي طرفة عين عرفوا أن عليهم أن يساعدوا الآخرين حتى لو كان ثمن ذلك المجازفة بحياتهم الشخصية. يقول راند: "بالنسبة لكافة الحالات، كان ذلك رد فعل تلقائي ينم عن إيثار كبير".

خذ مثلاً داري ستارنز وهو يبلغ من العمر 70 سنة، الذي اقتحم سيارة تشتعل فيها النيران لإنقاذ امرأة بداخلها، إذ قال فيما بعد: "لقد فعلت ما شعرت أن علي القيام به. لا يمكنك التفكير في أن ستحظى بالثناء من الآخرين فيما بعد".

وكان رد فعل مارتي مشابهاً عندما أنقذت المسن الذي كان يغرق، فقد قالت بعدها: "الحمد لله أنني كنت قادرة على التصرف والفعل وليس على التفكير (فقط)".

ويشرح راند الأمر على النحو التالي. للدماغ حالتان هما حالة التفكير البطيء والتفكير السريع. التفكير البطيء، هو تفكير واع ومنطقي ويحلل الأمور، بينما التفكير السريع هو القبطان التلقائي المبني على التعود على شيء ما، ويمكنه التصرف بشكل لحظي وسريع.

مصدر الصورة Getty Images

وعلى الرغم من أن البطولة تبدو وكأنها جاءت بلا مقدمات، فإن راند يعتقد أن الإيثار الشديد كان يغلف نكران هؤلاء الأشخاص لذواتهم على مدار حياتهم اليومية.

لذا، فان مساعدة الآخرين كان جزءاً من ذلك التفكير السريع التلقائي. وربما يتواكب ذلك مع اندفاع عام ودرجة عالية من التعاطف، حيث تدل الشواهد من حالات الإيثار النادر على أن أدمغة أصحابها تتجاوب بقوة مع التعبير العاطفي عن الخوف والضيق الشديد.

"العاطفة هي القوة الدافعة التي تحركك عندما تكون لديك غريزة الإيثار النادر،" كما يقول راند.

النتيجة هي أنه عندما يواجه هؤلاء أزمة ما، فإن هذا التفكير السريع هو الذي يسيطر على عقولهم، ويقودهم إلى التصرف قبل أن يتسلل إليها الشك والتردد.

ومن المهم أن نتعلم من هذه التصرفات الحميدة كما يقول راند، ويضيف: "إذا تعودت نفسك على مساعدة الآخرين، فسوف يصبح ذلك هو الوضع الافتراضي لعقليتك، وسوف يعني أنك ستتصرف بنفس الطريقة في مواقف أخرى. أي أنك تغرس وتزرع عادات الفضيلة لديك."

عندما يواجهنا الإرهاب، فمن الطبيعي أن ننظر إلى الإنسانية بمنظار قاتم، حيث تسيطر الشكوك والخوف على تفكيرنا. لكن قصصاً مثل قصة الفرنسي بومباس، واللبناني ترمس، وأبطال جائزة كارنغي تذكرنا بأن سمات الإيثار الشديد والبطولة يمكن أن تصبح أيضاً طبيعة ثانية فينا نحن البشر، وهي غريزة لا يمكن أن تتلاشى حتى في أحلك الظروف.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.

المزيد حول هذه القصة