حقائق وأسرار قد لا تعرفها عن غزلان "الرنة"

مصدر الصورة Staffan Widstrand . NPL

تحظى غزلان الرنة بآليات تساعدها على التكيف بشكل فريد للغاية مع الظروف التي تسود فصل الشتاء المظلم قارس البرودة في القطب الشمالي، بقدر يجعل من المرجح أن ترتفع درجة حرارة أجسادها كثيرا فلا تتجمد.

تتمثل السمعة السائدة عن غزلان الرنة في أن لها أنوفاً متوهجة حمراء اللون، وأنها تعيش في بيئة قاسية لا ترحم، حيث يصعب العثور على غذاء، ويمثل الحفاظ على الجسم دافئا فيها تحديا كبيرا.

أما الحقيقة فهي أنه ليس لتلك الغزلان أنوف حمراء، باستثناء مثال وحيد بارز سنتحدث عنه فيما بعد. لكن لدى الرنة آلية متطورة ومعقدة للغاية بداخل أنوفها لتغيير درجة حرارة هواء الزفير. كما أن لديها طعاما وفيرا لتتغذى عليه طيلة الشتاء القطبي.

فضلا عن ذلك، فإن فراء غزلان الرنة سميك للغاية ويبعث على الدفء الشديد إلى حد يجعلها عرضة لأن تشعر بشدة الحرارة لا التجمد.

في مثل هذا الوقت من كل عام؛ تحظى غزلان الرنة بالكثير من الاهتمام الإعلامي. لكن بخلاف الدور الخيالي لهذه الحيوانات، الذي يصورها وهي تجر زلاجة بابا نويل خلال رحلاتها المفترضة في أعياد الميلاد مُحملةً بالبطاقات والهدايا، ومحفوفة بالتراتيل والأناشيد، ترمز حيوانات الرنة للشطر الشمالي من العالم، في ظل قدرتها على التكيف الكامل مع حياة ذات ظروف شديدة القسوة والتطرف.

ويقول نيكولاس تَيلر، الباحث بمركز دراسات "اللغة السامية"، المنتشرة في منطقة اسكندنافيا، بجامعة ترومسو النرويجية إنه غالبا ما يُقال إن هذه الغزلان تعيش حياة محفوفة بالكثير من المخاطر في "الشمال المظلم قارس البرودة".

وعندما بدأ تَيلر أبحاثه بشأن الرنة في سبعينيات القرن العشرين، كان الاعتقاد السائد مفاده بأن "القطب الشمالي هو بقعة رهيبة، وأن النباتات والحيوانات التي تعيش هناك تواجه ظروفا مروعة".

ولكن مفهوما آخر تبلور عبر أبحاث جرت على مدار السنوات الـ 35 الماضية، مؤداه – بحسب تَيلر – أن "الغالبية الساحقة من جميع الكائنات المنتمية للأنواع الحية الموجودة في القطب الشمالي تقضي الشتاء، وهي تنعم بالدفء والتغذية الجيدة".

مصدر الصورة Asgeir Hegistad. NPL

ويشكل غزال الرنة (واسمه العلمي رانغفير تيراندْس) مثالا دقيقا في هذا الصدد، إذ يقول تَيلر إن هذه الحيوانات "تتكيف على نحو بديع" للعيش في ظروف القطب الشمالي.

ويشير الباحث، الذي عكف على دراسة تلك الحيوانات على مدى عقود في أرخبيل "سفالبار" المنعزل الواقع بين البر النرويجي ومنطقة القطب الشمالي، إلى أن فراء الرنة عازل للحرارة على نحو لا يصدق.

المفارقة أن غزلان الرنة قد تشعر أحيانا بالبرودة في فصل الصيف وليس الشتاء، كما يقول نيكولاس تَيلر. ففي هذا الفصل القصير، الذي قد تصل فيه درجة الحرارة في سفالبار إلى درجة واحدة مئوية فحسب، تنفض تلك الحيوانات عن نفسها فراءها الشتوي السميك حتى تتدثر بفراء أخر صيفي أقل سمكا.

ولكن شعور غزلان الرنة بالبرد خلال الصيف أمرٌ غير محتمل في الكثير من البقاع التي تعيش فيها. ففي المناطق الشمالية من كندا، التي يُعرف فيها حيوان الرنة باسم "الوعل"، نادرا ما يكون لدى هذا الكائن وقتٌ لكي يشعر فيه بالبرد. فهناك، تتحرك قطعانه بشكل دائب وشبه مستمر في محاولة عقيمة - على الأغلب - لمراوغة حشرات البعوض التي تلاحقها.

وفي واقع الأمر، غالبا ما يتمثل التحدي - الذي يواجه الرنة فيما يتعلق ببرودة الجو – في الاحتمال المناقض تماما لما يمكن أن يحسب المرء. فنحن كبشر، نشأنا وتطورت أجسادنا في أجواء استوائية، ولذا فعندما نتجرد من ملابسنا، يتعين علينا تكثيف عملية التمثيل الغذائي لدينا، للإبقاء على الجسم دافئا إذا ما تدنت درجة الحرارة إلى ما هو أقل من 25 درجة مئوية.

لكن الأمر يختلف بالنسبة لحيوانات الرنة، التي يتدنى مستوى البرودة المضر بالنسبة لها، كما يوضح تَيلر، إلى ما دون 40 درجة مئوية تحت الصفر، وهي درجة تقشعر لها الأبدان.

فالعزل الحراري الذي تتمتع به حيوانات الرنة الذي يحول دون وصول البرودة القارسة إلى أجسادها، يجعلها تحظى بدفء مماثل لذاك الذي يغمر شخصا ما يهرول هاربا من ذئبٍ في أعقابه. وكما يقول تَيلر، الأمر هنا أشبه بشعورنا حينما "نركض ونحن نرتدي سترة من تلك السترات المحشوة بريش بط أو أوز".

مصدر الصورة Getty

وهنا تصبح المشكلة التي تواجه الرنة متمثلة في كيفية تخلصها من هذا الإحساس بالحرارة الشديدة. ونتيجة لذلك، لدى تلك الحيوانات بعض آليات التكيف البارعة، التي تُمكِنُها من فقدان الحرارة، أو الاحتفاظ بها، بحسب الحاجة.

ولتجنب ارتفاع درجة حرارة أجسادها إلى حد مبالغ فيه؛ بوسع حيوانات الرنة ضخ الدماء إلى سيقانها. بجانب ذلك، فعبر تدريب تلك الحيوانات على العدو فوق جهاز المشي، اكتشف آرنولدوس بليكس الباحث بجامعة تورمسو وزملاؤه أن بمقدور حيوان الرنة تبريد نفسه من خلال اللهاث مثل الكلاب، وهو ما يؤدي لتبخر المياه من على لسانه الضخم.

أما أنوف غزلان الرنة البرية، فهي ليست حمراء اللون، على عكس "رودولف"، حيوان الرنة الخيالي الذي تُصوّره القصص بأنف أحمر متوهج وهو يقود زلاجة بابا نويل في عيد الميلاد. ولكن أنوف تلك الحيوانات تتسم في الوقت نفسه بأنها "معقدة للغاية"، حسبما يقول الباحث تَيلر.

فإذا ما كانت درجة الحرارة في الشتاء 30 درجة تحت الصفر، على سبيل المثال، سيخرج زفير البشر من أنوفهم كما لو كان بخارا، وهو ما لا يحدث بالنسبة لحيوانات الرنة إذا ما كانت موجودة في ذات الطقس البارد للغاية، كما يقول تَيلر.

فحسبما يوضح هذا الباحث، تصل درجة حرارة هواء زفير الإنسان إلى نحو 32 درجة مئوية، وهو ما يجعل الماء الذي يحتوي عليه الزفير يتكاثف في صورة قطرات ظاهرة للعيان عندما يلتقي الهواء الدافئ بنظيره البارد.

أما الرنة، فلديها بداخل أنوفها ألية مذهلة لتعديل درجة حرارة الزفير، يتم عبرها تبريد هواء الزفير البارد بنحو 21 درجة مئوية، قبل أن ينفثها الحيوان إلى الخارج، وهو ما يُبقي له القدر الأكبر من الحرارة، لتساعده على تدفئة جسده.

المدهش أن هذه الأنوف متعددة الاستخدامات أيضا. فبوسع حيوان الرنة تعديل نظام تغيير الحرارة الموجود فيها، ليعمل في الاتجاه المعاكس، بهدف التخلص من الحرارة الزائدة، من قبيل ما يحدث خلال "فراره من أحد الذئاب"، على حد قول تَيلر.

مصدر الصورة Getty

ولذا، فقد أتاحت آليات التطور للرنة بعض الحلول المدهشة لمشكلة البرد. لكن كيف يتسنى لتلك الحيوانات التكيف مع الظلام الذي يسود القطب الشمالي طوال الوقت تقريبا خلال الشتاء؟

في هذا الصدد، تكشفت مؤخرا بعض الحقائق المفاجئة. فعينا حيوان الرنة تحتاج إلى أن تتكيف مع غياب ضوء الشمس بشكل كلي تقريبا خلال الشتاء، وكذلك مع حضور هذا الضوء على نحو شبه مستمر خلال الصيف؛ على مدى فترة تتراوح ما بين شهرين إلى ثلاثة أشهر. ويعني هذا أن فراء ذلك الحيوان ليس وحده الذي يتبدل بين الفصول، وإنما يلحق التبدل بعينيه كذلك.

ويمكن في هذا الشأن الاستعانة برأي غلِن جيفري الباحث بمعهد طب العيون في جامعة لندن بالمملكة المتحدة، والذي لم يكن يُكِنُ أي اهتمام خاص بحيوانات الرنة، إلى أن أرسل له علماء نرويجيون في علم الأحياء بعض الأعين التي تم استئصالها من حيوانات رنة قُتلت في فترتي الانقلاب الشمسي؛ في فصلي الصيف والشتاء.

وعندما فتح جيفري هذه العيون لإلقاء نظرة عليها، اكتشف وجود اختلاف جذري بين طبيعة عيون الحيوانات التي قُتلت في الصيف وتلك التي قُتلت في الشتاء. فقد أظهر فحص عيون حيوانات الرنة، التي قُتلت خلال الصيف، أن السطح العاكس الموجود خلف شبكيتها ذهبي اللون، إذ يشبه ما يُعرف بوميض "عين القطة" الأصفر، وهو مسمى يُطلق على الضوء الذي ينعكس من أعين العديد من الحيوانات الثديية، التي تنشط خلال الليل.

واندهش جيفري أيضا عندما اتضح له أن لون نفس الجزء من عين غزال الرنة يتحول في فصل الشتاء إلى الأزرق الداكن، وهو ما حدا به للقول: "لم يسمع أحدٌ قط بحيوان يغير الانعكاس المنبعث من الجزء الخلفي من عينيه بين الفصول".

ويضيف الباحث بالقول إنه تبين أن "تغيير (لون) خلفية الجزء الخلفي من العين إلى الأزرق، يُمكِنْ الحيوان من تقليص كمية الضوء الصادرة من العين، وهو ما يزيد من حساسيته البصرية".

ونظرا لأن تكوين عين غزال الرنة خلال الشتاء يُمكِنُهُ من رؤية طيف الضوء غير المرئي - من قبل عيون البشر - والموجود في نطاق الأشعة فوق البنفسجية، فمن المرجح أن يقود ذلك التكوين لتعزيز التباين بين الألوان، التي يراها هذا الحيوان.

مصدر الصورة Getty

ففي فصل الشتاء، تكتسي الأرض الثلوج، ويكون غزال الرنة بحاجة للبحث على مساحات واسعة للعثور على طعام. في هذه الحالة يبدو له طعامه المفضل بوضوح من خلال الجليد.

فهذا الطعام، الذي يتمثل في ما يُعرف بـ"الأشنات" – وهي كائنات حية تتألف من طحالب وفطر تتعايش على نحو تكافلي – يمتص الأشعة فوق البنفسجية، بينما تعكسها الثلوج.

ويوضح الباحث جيفري هنا بالقول: "لذا فعوضا أن تظهر (الأشنات) بلون أخضر (وهو لونها الأصلي) على خلفية بيضاء، فإنه من المرجح أن تبدو لحيوان (الرنة) سوداء اللون، أو ذات لون رمادي داكن للغاية على خلفية بيضاء".

وبحسب جيفري؛ تبدو ميزة عين الرنة - التي تتكيف بشكل مذهل مع الظروف السائدة في فصل الشتاء - أنها تُزيد التباين "في بيئة يقل فيها هذا التباين كثيرا للغاية".

وبينما تعود هذه العيون، المتكيفة مع ظروف الشتاء، بالنفع على حيوانات الرنة وهي في بيئتها الطبيعية، يكشف جيفري وزملاؤه أن البيئات الاصطناعية - التي تُوضع فيها تلك الحيوانات - ربما تخلق لها تحديات جديدة.

وفي هذا الصدد، يقول جيفري إن خطوط الكهرباء – على سبيل المثال – تشتت "ومضات الأشعة فوق البنفسجية"، وهو ما يمنع حيوانات الرنة من استخدام موائلها على طول ما يُعرف بـ"ممرات الطاقة"، وهي المناطق المخصصة للإنشاءات والأنشطة اللازمة لمد خطوط الجهد العالي الكهربائية.

كما قد تؤدي الأضواء الاصطناعية الموجودة قرب المباني السكنية إلى عرقلة إتمام عملية التكيف السنوية لعين الرنة كي تلائم فصل الشتاء، لتصبح قدراتها في هذا الشأن لا تزيد عن 50 في المئة من قدراتها في الأحوال العادية، حسبما يوضح جيفري.

فضلا عن ذلك تبدو ملامح المستقبل غير واضحة بالنسبة لقطعان غزلان الرنة؛ سواء البرية أو المنحدرة من سلالات أصيلة. وهنا يقول تَيلر إن مقومات البنية التحتية، مثل الطرق والسدود وخطوط الكهرباء، التهمت مساحات واسعة من مراعي حيوانات الرنة، ما قد يجعل من تكيفها مع ظروف مناخية أكثر دفئا وحرارة؛ تحديا "هو الأقل شأنا على قائمة مخاوفها".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Earth.

المزيد حول هذه القصة