لماذا يتحدث البريطانيون كثيراً عن الطقس؟

مصدر الصورة Linda Geddes

تحدث أكثر من 9 من كل 10 بريطانيين عن الطقس خلال الساعات الست الأخيرة، فهل هذا الأمر غير عادي؟ ولو كان كذلك فهل ثقافتهم أو مناخ بلادهم هو ما يجعلهم يتحدثون عن الطقس إلى هذه الدرجة؟

كان ولع البريطانيين بالحديث عن الطقس موضع حيرة بالنسبة لمن هم خارج بريطانيا لسنوات طويلة. وأظهر بحث حديث أن 94 في المئة من البريطانيين تحدثوا عن الطقس خلال الساعات الست الأخيرة، بينما قال 38 في المئة أنهم تحدثوا عن الطقس خلال الساعة الأخيرة.

وتقول عالمة الأنثروبولوجيا كيت فوكس التي أجرت دراسات عام 2010 لتحديث كتابها "القواعد الخفية للسلوك الإنجليزي إن ذلك "يعني هذا أنه في أي لحظة تمر في هذا البلد فإن ثلث السكان على الأقل يتحدثون أو تحدثوا أو على وشك الحديث عن الطقس".

لماذا يفعل البريطانيون ذلك؟ هل هناك شيء خاص يتعلق بالطقس في بريطانيا يجعله مادة للحديث والنقاش أم أن المسألة مجرد عادة ثقافية؟ وهل يشترك آخرون مع البريطانيين في هذه العادة الغريبة؟

أجواء عاصفة

عدة مظاهر تجعل الطقس في بريطانيا معتدل ومتقلب ولا يمكن التنبؤ به، فوجود بريطانيا على طرف المحيط الأطلنطي يجعلها في نهاية مسارات العاصفة، وهي ممرات ضيقة نسبياً فوق المحيطات تسير فيها العواصف وتسببها الرياح العادية.

ويقول دوغلاس باركر، أستاذ المناخ والطقس في جامعة ليدز: "هذه العواصف تزيد نتيجة الفروق في درجات الحرارة بين القطب وخط الاستواء".

فعندما تهب الرياح الدافئة والباردة باتجاه بعضها البعض ولكن على ارتفاعات متفاوتة، يؤدي دوران الأرض إلى تكوين الأعاصير الحلزونية وتكون المملكة المتحدة عرضة لنهايات تلك العواصف.

ثم إن هناك تيار الخليج الذي يجعل مناخ بريطانيا أكثر اعتدالاً مما ينبغي أن يكون عليه نظراً لموقع بريطانيا من خطوط العرض، شمال الكرة الأرضية، ثم حقيقة أن بريطانيا مكونة من جزر وهو الأمر الذي يعني وجود كثير من الرطوبة في الجو. يقول باركر: "وجود الماء في الغلاف الجوي يجعل الطقس متقلباً".

هذا التنوع يعني أن المواطنين لا يعرفون ماذا ينتظرهم، فربما يكون هناك ثلوج في الصيف، وربما نراهم يرتدون قمصانا قصيرة الأكمام في الشتاء. وفي الآونة الأخيرة شهد وسط ويلز أشد أيام شهر نوفمبر / تشرين الثاني دفئا بعد أن وصلت درجات الحرارة إلى 22.4 درجة مئوية.

ويقول تريفر هارلي، رئيس قسم علم النفس المعرفي في جامعة داندي الذي يدير موقعا الكترونياً مخصصاً للطقس البريطاني: ""إنه طقس متقلب أكثر من العديد من بلدان العالم. ودائماً هناك شيء ما يحدث، وإذا لم يحدث الآن فهناك مؤشرات على حدوثه".

هذه الأمور الخارجة عن المعتاد هي التي تولد النقاش على شبكة الانترنت حول الطقس في بريطانيا، فهناك، على سبيل المثال، مجموعة تسمى "مجموعة أخبار الطقس البريطانية" تعمل منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي والتي بدأت كمنبر للمتحمسين لنقاش الجوانب العلمية للطقس في بريطانيا.

واليوم، تخضع جميع مظاهر الطقس للنقاش رغم أن هناك فكرتان رئيسيتان، كما يقول هارلي، إحداهما هي التوقعات والرغبات المتعلقة بالأحوال الجوية القاسية مثل سقوط الثلج في فترة أعياد الميلاد، رغم أن الثلوج لم تسقط على بريطانيا بكثافة في أعياد الميلاد سوى أربع مرات فقط خلال الـ51 عاماً الماضية.

الفكرة الأخرى هي الحنين إلى طقس الماضي، وهو ما يراه هارلي غير منسجم مع الواقع، إذ يقول: "ما أتذكره هو أن كل أيام الصيف في الستينات كانت حارة ومشمسة طوال النهار. في الواقع، يمكن أن يكون ذلك بضعة أيام خلال بضعة أشهر، فصيف الستينات كان بارداً وغير مستقر على غير العادة".

محادثات مشفرة

العديد من الأحاديث التي يبدأها البريطانيون عن الطقس عادية، فتعليقات من قبيل "الطقس بارد، أليس كذلك؟" لا تتطلب رداً كاملاً، فإيماءة بالموافقة تكون كافية.

أنصتت فوكس إلى مئات من هذه المحادثات المتعلقة بالطقس كجزء من البحث الذي قامت به. واستنتجت أن هذه الأحاديث تعتبر بنسبة أقل عن الطقس ولكن بنسبة أكبر تمثل أسلوباً لشد الانتباه وتجاذب أطراف الحديث مع الآخرين.

وتقول فوكس: "الحديث عن الطقس هو نوع من الشيفرة التي طورناها وتعارفنا عليها لمساعدتنا في التغلب على البرود الاجتماعي والحديث إلى الأخرين".

في بعض المناسبات يكون الحديث عن الطقس مجرد كسر للحواجز بين الناس، وفي بعضها الآخر يستخدم لكسر الصمت المحرج، أو لتحويل المحادثة إلى وجهة أخرى بعيداً عن الموضوعات التي قد يكون الحديث فيها محرجاً. وفي الغالب هو مخرج من سياق معين في حديث ما، والذي يعتبر في حد ذاته تجربة محببة، ثم أننا نستخدم الحديث عن الطقس لاختبار أمزجة الآخرين.

تقول فوكس: "بناء على طبيعة ردهم على تحيتك المتعلقة بالطقس، بإمكانك معرفة ما إذا كان الأشخاص الذين تحدثت إليهم لا يرغبون في الحديث أم أن مزاجهم معكر".

لكن هناك قواعد معينة غير مكتوبة يتبعها البريطانيون عندما يجرون تلك المحادثات المتعلقة بالطقس. أولاً: يبدأ طرح الموضوع في العادة على شكل سؤال حتى ولو في نغمة الحديث، على سبيل المثال (إنها تمطر من جديد؟). ثانياً: الشخص الذي يوجه له السؤال عادة ما يوافق. (إذا لم يوافق فهذا انتهاك لقواعد الذوق العام، فعلى الأقل إذا لم توافق فعليك التعبير عن عدم موافقتك بطريقة لطيفة) كما تقول فوكس، التي تضيف: "إذا قال أحدهم: الجو بارد أليس كذلك؟ وكانت إجابتك: في الواقع، لا، فإن الشخص الذي سأل سيشعر بأن ما قلته شيء غير لائق."

سلبي أم ايجابي؟

بالطبع هذه المحادثات ذات الطابع الاجتماعي الخالص تحدث في بلدان أخرى لها ثقافات مختلفة، لكن تتفاوت طبيعة المحادثة ومحتواها من مكان لآخر. ويشرح ديريك باوسفيلد، الخبير في اللغة واستخداماتها في سياقات غير مؤدبة في جامعة مانشستر، أنه في كل ثقافة من الثقافات يقوم الأفراد باتباع توازن دقيق. فمن ناحية، هم يسعون إلى إقامة علاقات وثيقة مع الآخرين، ومن ناحية ثانية هم يرغبون في أن يكونوا مستقلين وأن يدعهم الآخرون وشأنهم.

ويطلق الأكاديميون على هذه الرغبات المتناقضة اسم "الوجه الإيجابي" و"الوجه السلبي" على التوالي، ومعظم المجتمعات تميز أحدهما عن الآخر. ويفضل البريطانيون الوجه السلبي (الرغبة في أن تكون مستقلاً) على الوجه الإيجابي (الرغبة في أن يتقبلك الأخرون)، هذا على الرغم من أننا ما نزال نحتفظ بشيء من الوجه الايجابي، كما يقول باوسفيلد، الذي يضيف.

وفيما يتعلق بالحديث القصير، فالبلدان التي تفضل "الوجه الإيجابي" تختار موضوعات ذات طابع شخصي، مثل عمر الشخص أو وزنه أو كيف يكسب عيشه، كسؤال استهلالي للمحادثة، وهو ما يفسر السبب في أنه في بعض الثقافات، من الشرق الأوسط وحتى الصين وجنوب شرق آسيا وجنوب أمريكا والولايات المتحدة، يطرح الناس أسئلة يعتبرها البريطانيون نوعاً من الوقاحة أو اقتحام للخصوصية، كما يقول باوسفيلد.

من ناحية أخرى، يختار الناس في بلد كبريطانيا موضوعاً آمناً وغير مزعج من ناحية انسانية مثل الطقس.

وتعد اليابان وسويسرا وفنلندا أمثلة أخرى لثقافات "الوجه السلبي". وبالتأكيد في اليابان، التي هي الأخرى عبارة عن جزيرة متقلبة الطقس، يكون الطقس والموسم من بين أكثر الموضوعات التي يتحدث فيها الناس. يقول الراوي الياباني ناتسومي سوسيكي: "في الغابة المطيرة، تعوي الرياح غاضبة دون أن تجد أوراقاً تطيرها".

أما السويسريون والفنلنديون، فهم ليسوا مغرمين بالحديث عن الطقس كاليابانيين، ربما لأنه يوجد أموراً أقل للحديث عنها.

في فنلندا على سبيل المثال، بإمكانك إقامة علاقة مع الناس ببساطة بالجلوس وتناول الشراب معهم، ولن تكون مضطراً حتى للتكلم كثيراً، كما يقول باوسفيلد الذي يمضي قائلاً: "عندما تقوم بذلك في وسط الشتاء، حيث تزخر هلسنكي بالأنفاق التي تبقي فيها المحلات أبوابها مفتوحة رغم الثلوج المتراكمة فوق الأرض، فما هو الطقس الذي يمكن الحديث عنه في وضع كهذا؟. الجميع يعرف أن الثلوج ستبقى متراكمة لأربعة أو خمسة أو ستة أشهر، لذا، فما الجدوى من الحديث عن الطقس؟"

في بريطانيا، يمكننا أن نرتدي ملابس الشتاء الثقيلة يوم السبت، ونخرج في رحلة إلى الخلاء ونحن نرتدي البنطلونات القصيرة والقمصان الخفيفة يوم الأحد، ونعاني من أمطار غزيرة يوم الاثنين. هذا ما هو عليه الحال هنا.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.

المزيد حول هذه القصة