مستعمرات الفضاء: هل يعلن المريخ استقلاله في المستقبل؟

مصدر الصورة Getty Images

إذا أنشأنا مستعمرة على كوكب المريخ، فهل ينبغي أن يكون سكانها هم المتحكمون في أمورها؟ موقع "بي بي سي فيوتشر" يلقي الضوء على إمكانية إعلان الكوكب الأحمر استقلاله مستقبلا.

لقد بدأ السباق لإرسال البشر إلى كوكب المريخ بالفعل، ويقول إيلون ماسك، من شركة "سبيس إكس" لرحلات الفضاء، إن بإمكانه أن يرسل بشرا إلى الكوكب الأحمر بحلول عام 2026. ويقول طاقم سفينة "مارس وان" إنهم سيهبطون فوق المريخ بعد ذلك بعام واحد، أي في 2027.

وتخطط وكالة ناسا الأمريكية لحمل بشر إلى مدار حول المريخ في عام 2033، وإلى سطحه بحلول عام 2039. وكذلك تخطط وكالة الفضاء الأوروبية لمهمة مشابهة بحلول عام 2033، بينما يخطط القائمون على برنامج الفضاء الصيني لإرسال بشر إلى سطح كوكب المريخ بين عامي 2040 و 2060. سيبدو سطح المريخ مزدحماً بالبشر.

فعندما تهبط تلك الطواقم على سطح الكوكب، ستكون ممثلة للشركات والبلدان التي أطلقتها. وبينما يبدأ أفرادها في بناء مستعمرات ومراكز أبحاث ومنشآت للعيش والحياة على سطح المريخ، يتوقع أن يظلوا على اتصال بشركاتهم ودولهم، وإحاطتها علما بكل شيء.

وتنص اتفاقية الفضاء الخارجي التي وقعت عام 1967 على أن "الفضاء الخارجي بما في ذلك القمر والأجرام السماوية الأخرى، ليست موضوعاً للحيازة الوطنية بادعاء السيطرة عن طريق الاستعمال أو الاحتلال أو بأي وسائل أخرى". وهو ما يعني أن الدول لا يمكنها ادعاء السيطرة على المريخ أو وضع أسلحة نووية على سطحه.

بيد أن الاتفاقية غير محددة فيما يتعلق بكيفية التعامل مع شركات مستقلة بذاتها مثل شركة "سبيس إكس". وبينما لا تستطيع دولة ما السيطرة على أرض ما في المريخ، أو إعلان امتلاكها، يظل بإمكانها، نظرياً، استعمال المصادر الطبيعية المختلفة على سطح الكوكب الأحمر.

ولا يمكن للناس الذين يبنون مساكنهم الخاصة على المريخ أن يمتلكوا الأرض التي يبنون عليها هذه المساكن، لكن عليهم أن يكونوا تحت مسؤولية الشركة أو الدولة التي تشرف عليهم.

هذا إذا لم يكن ما توصل إليه جاكوب هاك-ميسرا صحيحاً، وهو باحث في معهد "بلو ماربل لعلوم الفضاء" بالولايات المتحدة، ونشر مؤخراً مقالاً حول فكرة تحرر كوكب المريخ، والذي يطرح فيه أن المريخ ينبغي أن يكون مستقلاً منذ البداية. وقال لي: "يبدو أن هناك إمكانية لبناء حضارة مختلفة على سطح المريخ عن تلك الموجودة لدينا".

مصدر الصورة Getty Images

الفكرة في غاية البساطة؛ فبدلاً من تواصل البشر الذين نرسلهم إلى المريخ مع الشركات والمؤسسات التي ترسلهم من الأرض، ينبغي أن يمنحوا استقلالاً كاملاً. ويحدد هاك-ميسرا خمسة مبادئ لذلك التحرر أو الاستقلال المطروح.

أولاً: أن يتخلى البشر الذين يهبطون على المريخ عن جنسياتهم الأرضية. فهم مريخيون الآن وليسوا أرضيون.

ثانياً: الحكومات والشركات والناس الموجودون على الأرض لا يمكنهم التدخل في العملية السياسة أو الاقتصادية التي تجري على أرض المريخ. وذلك يعني أنه لا توجد تجارة بالإكراه، ولا يوجد تدخل اقتصادي، ولا صفقات سرية للبضائع والخدمات.

ثالثاً: البحث العلمي لاستكشاف كوكب المريخ يمكن أن يستمر طالما لم يتدخل في ما تنتجه الحضارة هناك بشكل مستقل.

رابعاً: استخدام أرض المريخ أمر يبت فيه المريخيون وحدهم.

خامساً: أي شيء تم إحضاره من الأرض إلى المريخ يصبح مريخياً، ولا يحق لسكان الأرض المطالبة باستعادته.

ومن أجل أن يصبح ذلك واقعاً شيئاً ما، دعنا نضرب مثالاً. لنفترض أن شركة "سبيس إكس" ستصل إلى المريخ أولاً بإرسال أول مركبة لاستيطان الكوكب عام 2027، وبطاقم مكون من 15 شخصاً، وبشحنة كاملة لإقامة مستوطنة.

إذا كنا نتحدث عن مريخ محرر، فإن أفراد ذلك الطاقم الذي سترسله شركة "سبيس إكس" سيوافقون على أنهم لن يعودوا مواطنين من الأرض، فهم الآن مواطنون مريخيون، وسيعيشون في المريخ كمجموعة مستقلة ليس لها أي علاقات سياسية أو اقتصادية بالأرض.

وما أحضروه معهم من أجهزة ومعدات فنية زودتهم بها الشركة أصبح ملكا لهم الآن. فإذا وصل طاقم آخر، سواء من وكالة ناسا الأمريكية، أو من وكالة الفضاء الأوروبية، أو وكالة الفضاء الصينية، فيتفاوض معهم وحدهم فقط طاقم شركة "سبيس إكس" حول كيفية تقاسم الموارد وتوزيعها على سطح المريخ.

مصدر الصورة Getty Images

ومع وصول المزيد من الناس إلى الكوكب الأحمر، يتم تطوير منظومة من القوانين والقواعد تناسب المريخيين وتتلاءم مع حياتهم. وفي نهاية الأمر بإمكانهم أن يقيموا تبادلاً تجارياً مع الأرض ولكن وفق شروطهم هم.

مستوطنة محررة

قد يبدو من غير المألوف بالنسبة لشركة أو دولة أن تنفق مليارات الدولارات للوصول إلى المريخ ثم تتخلى عن أي سيطرة لها على ما يحدث فوق ذلك الكوكب. لكن ليس ذلك مستحيلاً، كما يقول هاك-ميسرا، الذي يجادل أيضاً بإمكانية وجود نوع ما من التفكير طويل الأمد الذي يجعل الاستثمار في رحلة إلى المريخ المستقل أمراً مجدياً.

إضافة لذلك، هناك تاريخ طويل للتكنولوجيا المربحة المتمثلة في برامج الفضاء المعروفة باسم ثنائيات الانبعاث الضوئي (LEDs)، وهي عبارة عن أنظمة ضد التجمد للطائرات والمكانس الكهربية اللاسلكية التي تم التوصل إليها في معامل وكالة ناسا، إلا أن أكثر الناس ثراء من أصحاب المليارات الراغبين في الذهاب إلى الفضاء يتساءلون حول ما إذا كان هذا الاستثمار بالذات يستحق كل هذه التكلفة.

لكن هناك أناس تعجبهم هذه الفكرة أيضاً. يقول هاك-ميسرا إنه سمع من عدة أشخاص تقدموا بطلبات ليكونوا أول رواد لذلك الكوكب الأحمر، ويقول: "وجود مستعمرة مستقلة على سطح المريخ فكرة يتقبلها المرشحون ليكونوا رواد فضاء".

وتبدو فكرة أن تكون ليس فقط أول رائد فضاء يصل إلى المريخ ولكن أن تكون أول الناس في مستعمرة جديدة ومستقلة، أنها جذابة لأولئك الذين تقدموا بطلبات للذهاب في هذه الرحلة الطويلة والخطيرة.

ويطلق هاك-ميسرا على هذه الطريقة في استيطان المريخ مصطلح "التحرير"، ويشير إلى أن هذا المصطلح يتناقض مع الطريقة التي يتم بها الاستعمار. ومما كتبه في مقال له: "بتحرير المريخ، طبقاً لهذه الأحكام والقوانين، يصبح الكوكب الأحمر سهل الدخول للبشرية من أجل تطوير حضارة جديدة لا تكون مسيرة أو متحكم بها من أناس يقيمون على الأرض".

لكنه يشير أيضاً إلى وجود كثير من السوابق المتمثلة في ثورات قادتها مستوطنات تبعد عن حكامها بمسافات شاسعة. فالولايات المتحدة ثارت على انجلترا، وكذلك فعلت الهند وكثير من البلدان المستقلة.

مصدر الصورة Getty Images

وتكاد المسافة بين انجلترا والولايات المتحدة لا تذكر مقارنة بالمسافة بين الولايات المتحدة والمريخ. وتتردد فكرة استقلال الكواكب في روايات الخيال العلمي أيضاً. ففي رواية " The Moon is a Harsh Mistress" لعام 1966، يروي الكاتب روبيرت إيه هينلين قصة انتفاضة إحدى المستوطنات القمرية ضد حكم سكان الأرض.

في الحقيقة، كثير مما ورد في تلك الرواية جاء في اقتراح هاك-ميسرا، مثل عدم قدرة الناس في الكواكب المختلفة على التفاهم، والحاجة إلى الحرية، وإلى هيئة تتحكم في حركة الاقتصاد فوق تلك المستوطنة الجديدة.

وفي تلك الرواية، كما يمكن أن يكون الوضع في المريخ، يعد الأمر اللافت للنظر هو أن معظم الذين يعيشون على سطح المريخ قد ولدوا هناك، ويقول هاك-ميسرا: "عندما يكون معظم الناس على المريخ لم يولدوا أصلاً على الأرض، وعندما ينقرض ذلك الجيل، ويصبح الجميع ممن لم يسبق لهم أن عاشوا على الأرض، فستكون تلك نقطة تحول هامة".

مازال أمام البشرية سنوات طوال قبل أن تلامس أقدام الإنسان تراب الكوكب الأحمر. ولا يعتقد هاك-ميسرا أن مقاله الوحيد يحدد كل تفاصيل ومواصفات الحياة المستقبلية على المريخ.

ومما يقوله في هذا الشأن: "فكرة تحرير المريخ قد لا تكون واضحة في الطريقة التي اقترحتها، لكنها مصممة ليدور حولها النقاش والتفكير وصولاً إلى تحديد ما الذي يعنيه أن تكون مواطناً على كوكب المريخ".

إن الذي يرغب فيه هاك-ميسرا هو أن يبدأ الناس في التفكير في الشكل الذي ستكون عليه تلك البعثات الفضائية إلى المريخ. على الأقل للحيلولة دون تمرد سكان المريخ وثورتهم ضد كوكب الأرض في وقت ما.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.

المزيد حول هذه القصة