كيف تعد نفسك لمواجهة حياة العزلة في الفضاء في المستقبل؟

مصدر الصورة Tom Welsh

يعكف علماء في القطب الجنوبي على تعلم كيفية تسيير وقيادة سفينة فضاء بهدف دراسة التحديات التي تواجه إرسال رحلة إلى كوكب المريخ، ومحاكاة أجواء العزلة الشديدة التي سيواجهها رواد الفضاء في رحلات طويلة مثل هذه مستقبلا.

لا يوجد الكثير مما يمكن أن ننظر إليه من خلف نافذة "هالي"، وهي محطة أبحاث تابعة لهيئة المسح البريطانية للقارة القطبية الجنوبية، والتي تقع فوق جرف جليدي في هذه المنطقة يحمل اسم "برنت". وتقول الباحثة ناتالي باتين من تلك المحطة: "إنه لأمر رتيب.. بوسعي النظر الآن خارج نافذتي لأرى (مساحات) بيضاء مسطحة لا نهاية لها".

ومع اقتراب فترة منتصف الصيف، ووصول درجة الحرارة إلى ثلاث درجات مئوية تحت الصفر (26 درجة فهرنهايت)، وهو معدل دافئ منعش بمقاييس القطب الجنوبي، يبدو الطقس متماشيا مع طبيعة المشهد الذي يلوح للمرء من نافذة المحطة، سواء أكان ذلك المشهد جيدا أم لا.

وإلى جانب دور باتين في محطة الأبحاث كطبيبة وجرّاحة حاصلة على أعلى المؤهلات في هذا المضمار، فإنها تجري أبحاثا كذلك تُعنى بدراسة ما يصيب المرء من تأثيرات ناجمة عن عيشِهِ منعزلا ضمن مجموعة محدودة العدد من الأشخاص في ظل ظروف بيئية قاسية.

وتجري هذه الدراسة، بدعم من وكالة الفضاء الأوروبية (إي إس آيه)، للتعرف على التحديات التي تواجه البشر إذا ما أقاموا فوق سطح القمر، أو في حالة قيامهم برحلة لكوكب المريخ ذهابا وإيابا، وهي رحلة قد تستغرق سنتين على الأقل.

وتصف باتين مثل هذا الأمر بأنه "حرمان حسي بحق، فليس لديك أي تنويع في المشهد الخارجي، ولا حتى في تفاصيل (محيطك) الاجتماعي، ففي الشتاء لا يوجد سوى 12 شخصا منّا، لا غير".

وخلال المحادثة التي جرت بيننا عبر خط هاتفي واضح الصوت على نحو مفاجئ، بدا بجلاء أن هذه الباحثة أقامت في تلك القاعدة منذ أكثر من عام.

وتقول باتين: "هناك 23 خطوة تفصل تحديدا ما بين غرفة نومي ومكان عملي". وتضيف: "من بين الأمور المفيدة حقا؛ تجاذب أطراف الحديث مع أناسٍ في الوطن، إذ أن ذلك يساعدك على الحفاظ على قدرتك على الحكم على الأشياء. الحياة هنا تشبه تماما أن تحيا وسط مجتمع بائس، كالذي يمكن أن تقرأ عنه في رواية للخيال العلمي".

ومن الواضح أن عبارة مثل هذه لا يحتمل أن تراها في أي ملصق لتوظيف عاملين جدد في هيئة المسح البريطانية للقطب الجنوبي. لكن طبيعة البيئة الموجودة في هذه المنطقة تلائم تماما الأبحاث التي تجريها باتين. وبينما قد لا يوجد هناك دائما الكثير مما يمكن أن ننظر إليه، فإن إحدى الدراسات التي تجريها هذه الباحثة تشمل تسيير سفينة فضاء.

مصدر الصورة Getty Images

ويُستخدم في إطار هذا المشروع نموذج كامل التجهيزات لمحاكاة سفينة الفضاء الروسية "سويوز"، وذلك لبحث كيف يصبح من المرجح أن تتآكل مهارات أي رائد فضاء خلال قيامه برحلات فضائية طويلة الأمد.

وهنا تقول باتين: "يمثل تآكل المهارات مشكلة خطيرة للغاية وحقيقية بالنسبة لـ (أرباب) مهن مثل تلك التي أمارسها".

وتوضح قائلة: "أعمل استشارية في طب الطوارئ، ولكن مضى عليّ أكثر من عام دون أن أعمل في أي مستشفى. هناك كنت أفحص 20 مريضا يوميا، وأؤدي أمورا كثيرة ذات صلة بتخصصي، وما إلى ذلك".

وتستطرد باتين قائلة إنه إذا ما أرسلنا "شخصا خبيرا بمهنته إلى المريخ، فما هو حجم التدريب والخبرة والكفاءة الذي تتوقع أن يبديه هذا الشخص، إذا لم يكن بصدد استخدام هذه المهارات؟".

ويمكن أن تعود فوائد هذا الجانب من جوانب أبحاث باتين، بشكل فوري تقريبا على صناعة الطيران، خاصة إذا تعلق الأمر بطيارين عائدين إلى العمل بعد توقف عنه لبعض الوقت، أو زملاء لهم بصدد قيادة طرز جديدة من الطائرات غير تلك التي كانوا يقودونها من قبل.

ويتألف "نموذج محاكاة سفينة الفضاء" الذي تستخدمه باتين من أجهزة مماثلة تماما لتلك الموجودة في "سويوز"، ويعمل بذات الطريقة التي تعمل بها النماذج المُحاكية لتلك السفينة، والتي يتدرب عليها رواد الفضاء في منطقة تدريب تُعرف باسم "ستار سيتي" في موسكو. بل إنه يتم إخضاع من يتطوعون للمشاركة في هذه التجربة، لنفس أنماط المهام الفضائية التي يجري تنفيذها في نماذج المحاكاة المستخدمة في موسكو لتقييم أدائهم.

وتوضح باتين بالقول: "ندربهم حتى يصلوا إلى مستوى بعينه من الكفاءة.. ثم نقسمّهم إلى مجموعتين، إحداها تتدرب بشكل مستمر والأخرى لا يمضي تدريبها على ذات الوتيرة".

النسيان السريع

وتُجرى التجربة نفسها على يد أطباء يعملون في محطة "كونكورديا" الفرنسية – الإيطالية للأبحاث، الواقعة على ارتفاع عالٍ فوق الهضبة القطبية، وكذلك في مركزٍ للتحكم بجامعة شتوتغارت الألمانية.

مصدر الصورة Getty Images

وليس من المفاجئ أن يكتشف الباحثون خلال فترة الدراسة أن من المرجح أن يفقد من يتدربون لمرات أقل، القدرة على الأداء بكفاءة. غير أن الأمر المهم هنا يكمن في مدى السرعة التي تتلاشى بها المعلومات من ذهن المرء، وحجم هذه المعلومات المتلاشية، فضلا عن مستوى أداء هؤلاء المتدربين مُقارنةً بنظرائهم المتطوعين في نماذج المحاكاة الأخرى.

وبالفعل بلورت باتين بعض الاستخلاصات المبدئية. وتقول في هذا الصدد: "نعلم أن للبشر معدلات تعلم مختلفة، بعضهم يستوعبون الأمور بسرعة بالغة، بينما يحتاج آخرون وقتا أطول.

العجيب هنا أن هذه الأمور لا ترتبط ببعضها البعض بعلاقة طردية، وهو ما يعني أنك قد تكون سريع التعلم، ولكنك أيضا سريع النسيان".

وبالنسبة لقادة الطائرات، ثمة نتائج عملية لاستخلاص مثل هذا. فغالبا ما ينظر معلمو هؤلاء الطيارين إلى قدرتهم على التعلم السريع باعتباره مؤشرا إيجابيا فيما يتعلق بأدائهم فيما بعد. وتشير هذه الدراسة إلى أن ذلك ربما لا يكون صحيحا في واقع الأمر.

وبجانب التجربة الخاصة بنموذج محاكاة سفينة الفضاء، تجري باتين تجارب عديدة أخرى؛ تستفيد فيها من محدودية مساحة محطة الأبحاث "هالي" لإبراز التحديات التي تكتنف قضاء المرء فترات عزلة طويلة الأمد في الفضاء.

وتصر باتين على أن الأمر لا ينطوي على محاكاة على الإطلاق. وتوضح قائلة : "إذا ما كانت لديّ حالة طارئة الآن. ستكون هذه حالة طوارئ حقيقية، وسيكون عليّ وحدي بالفعل التعامل معها، سيكون الوضع أقرب كثيرا إلى واقع ما يجري في رحلة فضاء فعلية، منه إلى تجربة لمحاكاة خبرة العيش في مكان منعزل".

كما يتعين على المقيمين في القطب الجنوبي التكيف مع تحدي قضاء ليلة هادئة ومريحة، وسط سطوع مستمر لضوء النهار خلال الصيف القطبي، وفي ظل ظلام دامس لمدة 24 ساعة في الشتاء.

مصدر الصورة Science Photo Library

ويتوجب على رواد المحطة الفضائية الدولية التكيف بدورهم مع أنماط نوم مشوش ومتقطع، خلال اليوم الواحد على متن السفينة، الذي لا يتجاوز 90 دقيقة، وهي مدة الدورة الواحدة لها حول كوكب الأرض. من جهة أخرى، من المرجح أن تحتاج أي سفينة فضاء متجهة إلى المريخ للبقاء بشكل شبه دائم تحت أشعة الشمس، لتستمد منها الطاقة اللازمة لها، ليصبح أحد جانبي السفينة تحت أشعة نهار دائم، بينما يقبع الجانب الآخر وسط ليل مستمر.

وهنا تقول باتين: "من المدهش أن نرى تأثر البعض بشدة بالافتقار للضوء، ومحدودية هذا التأثير على البعض الآخر. أعاني بحق للبقاء متيقظة في الشتاء، كما أعاني لاستجمع الطاقة اللازمة لي خلال النهار عندما لا أرى ضوءه من خلال نافذتي".

وتبدو قلة الدراسات التي أُجريت حول التشوش الذي يصيب ما يُعرف بـ"الساعة الحيوية" للمرء في مناطق مثل القطب الجنوبي أمر مفاجئا، بالنظر إلى حقيقة وجود محطات أبحاث مأهولة بشكل دائم هناك منذ أكثر من نصف قرن.

ولدراسة التأثيرات الناجمة عن ذلك، توفر باتين للمتطوعين ضوءاً ساطعا للتعويض عن ضوء الشمس الغائب عنهم في الشتاء، كما تمنحهم كميات من مكملات هرمون الميلاتونين المفيدة للعلاج من الأرق، لتمكينهم من مواجهة مشكلة صعوبة النوم خلال الصيف.

وتقول باتين: "هرمون الميلاتونين الموجود في الجسم، هو ما يجعلنا نتكيف مع طبيعة الضوء المتوافر في البيئة المحيطة. إذا لم يكن لديك أي تنوع في الضوء الموجود في البيئة، فسيوّلد ذلك مشكلات تتعلق بإفراز الميلاتونين، وهو ما يعني أنه ستكون لديك متاعب فيما يتعلق بالنوم كذلك".

شجارات وضغائن

لكن التحدي الأكبر المتعلق بالعيش والعمل في بيئة معزولة مع عدد محدود من الأشخاص – سواء كان ذلك بداخل محطة أبحاث في القطب الجنوبي أو على متن سفينة فضاء في طريقها للمريخ - ربما يتمثل في كيفية إدارة هؤلاء الأشخاص للعلاقات فيما بينهم. بعبارة أخرى، كيف يمكنك الحيلولة دون أن تتحول المشادات التافهة إلى ضغائن أو مشاجرات أوسع نطاقا؟

فخلال تسعينيات القرن الماضي، رفع فريق العمل بإحدى القواعد القابعة في القطب الجنوبي لواء العصيان، مُعلناً أنه لن يطيع من الآن فصاعدا أوامر وتعليمات قائد القاعدة. كما تسبب العلاقات الغرامية بين أفراد فرق العمل في مثل هذه القواعد والمحطات مشكلات بدورها.

مصدر الصورة Getty Images

فلتتصور إذا ما كنت تعيش وتعمل على مدار ساعات الليل والنهار مع الشريك السابق لحياتك. أما الأكثر إحراجا في هذا الصدد، أن يكون هذا الحبيب السابق قد بات شريك حياة زميل آخر، يعيش ويعمل معك كذلك في المكان نفسه.

وتقول باتين في هذا الشأن: "يفقد الناس قدرتهم على التمييز بين الأشياء؛ بسهولة كبيرة.. المرء يحتاج للعيش ضمن مجموعة ذات بنية سليمة، لا لجعل حياته اليومية سهلة فقط، ولكن كذلك للتعامل مع المواقف الطارئة إذا ما واجه أحدها، وإلا أدى ذلك إلى تعريض حياة الأشخاص (المحيطين به) للخطر".

وتبدو التحديات التي واجهها من يعيشون على قطعة كبيرة من الجليد الطافي في القطب الجنوبي من الكوكب مشابهة على نحو لافت مع تلك التي سيجابهها من سيخوضون غمار رحلات الفضاء في المستقبل.

وستساعد نتائج الدراسات التي أشرنا إليها كلا الجانبين على ممارسة أنشطتهم الحياتية والعملية، والتكيف مع الحياة في ظل ظروف شديدة الصعوبة.

أما باتين فهي تجيب بالنفي على سؤال طُرح عليها بشأن ما إذا كانت تعتزم الانضمام إلى أي رحلة فضائية مستقبلية قد تقصد كوكب المريخ، وذلك بعد تجربتها في القطب الجنوبي.

وتقول في هذا الصدد: "أحب حياتي على كوكب الأرض أكثر من اللازم".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.

المزيد حول هذه القصة