هل ستؤثر تقنية "الواقع المعزز" على عملنا؟

مصدر الصورة Thinkstock

توشك التكنولوجيا أن تغير الطريقة التي نمارس بها أعمالنا، وهي تؤثر بالفعل حالياً على العديد من المهن، بما في ذلك طب الأسنان والطيران.

يدرك سفن هولتورف كغيره من أطباء الأسنان أن مرضاه لا يرغبون بزيارته ويقول: "في كل مرة تذهب فيها إلى طبيب الأسنان لا يكون الأمر مسلياً بل مصدر خوف وألم وقلق".

لكن هولتورف تمكن في الآونة الأخيرة من اختراع شيء يمكنه المساعدة ولو قليلاً في التقليل من حدة هذا التوتر. هذا الشيء هو نظارة...وليس مقدحاً أو مخدراً جديداً.

يطلق على اختراع هولتورف اسم "eyeCAD-connect system"، وهو برمجية كمبيوترية طورتها شركته "أيدينت" يمكنها تشغيل نظارة ذكية صممتها شركة "إبسون" للتكنولوجيا.

وعندما يرتدي هولتورف النظارة أثناء فحص الأسنان، بإمكانه أن يرى فم مريضه، وفي الوقت ذاته تظهر النظارة معلومات فورية تأتي من جهاز المسح الضوئي للأسنان. وبمجرد اكتمال المسح الضوئي، يمكن لهولتورف إرسال المعلومات إلى المختبر حيث يقوم الفنيون بصناعة نموذج حقيقي وتصميم تلبيسة الأسنان التي يحتاجها المريض.

في الماضي عندما كان طبيب الأسنان يصور ضوئياً أسنان المريض، كان يمسك بالكاميرا بإحدى يديه بينما يركز اهتمامه على شاشة قريبة في وضع مشابه لما يحدث أثناء التصوير بالموجات فوق الصوتية.

يقول هولتورف إن هذه النظارات تمكن طبيب الأسنان من التصوير بينما ينظر مباشرة إلى المريض وتظهر صور الأشعة مباشرة على النظارات الذكية.

ويضيف: "بهذا نتجنب النظر إلى شاشة المراقبة بينما نقوم بالتصوير، وهو ما يجعلنا لا نفقد الصلة مع المريض، وهنا بالنسبة لي تكمن الفكرة."

مصدر الصورة Thinkstock

ومن عيادة طبيب الأسنان إلى أنابيب البترول الرملية وبناء الطائرات الحربية، تزحف تقنية "الواقع المعزز" أو (augmented reality) إلى أماكن العمل في جميع أنحاء العالم. ويمكن لهذه التقنية، في حال استخدامها بطريقة جيدة، أن تساعد الموظفين والعاملين على القيام بعملهم بطريقة أكثر أماناً وفعالية. لكن حتى الآن، يواجه المصنعون صعوبة ما في تصميم منتجات يمكن للناس فعلاً استخدامها.

جيب باتستون المدير التنفيذي لشركة "نجرين" التي تصنع برمجيات لأجهزة الواقع المعزز أخبرنا ببعض تجاربه المفضلة خلال رؤيته لمنتجات الشركة وهي قيد الاستخدام. وفي موقع في التربة الزيتية بكندا شرح لنا عملية تركيب في أنبوب بدون أي خبرة سابقة. وتم ذلك ببساطة عبر حمله هاتفه الذكي إلى أعلى امتداد معدني ثم تابع التعليمات التي تظهر على الشاشة.

وعلى شاشة الهاتف، أمكن لباتستون رؤية صورة الأنبوب الذي كان ينظر إليه باستخدام كاميرا الهاتف، وكذلك شرح الخطوات التي تمكن باتباعها من تركيب المشبك.

يقول باتستون: "اتبعت الخطوات كشخص لا يعرف شيئاً عن المشبك. الشخص العادي يمكنه أن يسير حسب الخطوات التي توضحها هذه التكنولوجيا ويشعر أنه يستطيع القيام بالعمل تقريباً."

تعد "لوكهيد مارتن" إحدى الشركات التي تعتمد على منتجات شركة "نجرين"، فالعاملون في فورت وورث بولاية تكساس يتعين عليهم تفقد إحدي طائراتهم بصرياً للتأكد من أن جميع الإمكانيات التقنية المخفية للطائرة (إف 35 وإف 22 على وجه الخصوص) تعمل على خير ما يرام. مرة أخرى يقول باتستون إنه تمكن من النزول الى أرضية المصنع ومتابعة الفحص بدون خبرة سابقة، مضيفا: "نظرت إلى قائمة الفحص اللازمة وقلت: يا للسعادة، هذا أمر غير معقد".

مصدر الصورة Thinkstock

لكن قي الوقت الذي يمكن لهذه الأنظمة أن تسهل الأمور على مهندس طيران مبتديء مثل باتستون للقيام بمهمات معينة، فإن تحديد المعلومات المفيدة التي يحتاجها المهنيون للقيام بهذه المهمات يعتبر أكثر صعوبة. أول شيء يتعين على الشركات معرفته هو ما هي المهمات التي يقوم بها عاملوها بالتحديد ويمكنها الاستفادة من إضافة تكنولوجيا الواقع المعزز.

يقول باتستون: "ليس الأمر نسخ الوضع الحقيقي الموجود على الشاشة كما يعتقد كثيرون، لكنه يكمن في وضع الحقيقة في سياق معين وتقسيمها إلى مراحل". تحديد ومعرفة ما الذي تملكه الشركة من معلومات، وما الذي يمكن عرضه على العاملين لمساعدتهم على القيام بعملهم بشكل أفضل، أمور تحتاج إلى الكثير من الدراسة والتفكير."

ومن ثم يتعين على شركات مثل "نجرين" وآيدينت" أن تحدد بالضبط كيف تأخذ تلك المعلومات وتصنع على أساسها أجهزة الواقع المعزز. ويشمل ذلك في العادة نظام تصميم وتعرف على الصور الذي بواسطته يمكن للنظارات أو أجهزة "التابليت" (الحواسيب اللوحية) التعرف على ما تراه من خلال الكاميرا الخاصة بها.

يقول باتستون إن هذه التقنية تشبه برمجية التعرف على الوجه ولكن للأجهزة، غير أن التعرف على الوجه يمكن أن يكون أسهل من بعض الأجهزة التي تصممها شركته، مضيفا: "الوجوه يمكن تمييزها بسهولة على عكس كتل المعدن الرمادية الكبيرة".

وعندما يتعلق الأمر بهولتورف ونظاراته الخاصة بطب الأسنان، هناك صعوبة إضافية تتمثل في تأخر الوقت. وفي حالة أنابيب النفط وفحوصات الطائرات الخاصة بالتقنيات الخفية، فإن فرق الوقت بمقدار نصف ثانية بين ما تراه الكاميرا وبين ما ينعكس على الشاشة لا يعد مشكلة كبيرة. لكن عندما يفتش هولتورف داخل فم أحد الأشخاص ينبغي أن يكون هناك رابط فوري بين ما يراه في نظاراته وما ينعكس على الشاشة من صور للأسنان.

وتمكن هولتورف وزملاؤه من حل تلك المشكلة بوسيلتين: أولاً استسخدموا شبكة محلية بدلاً من شبكة الانترنت التي ترسل معلومات من خلال سيرفرات بعيدة مما يتسبب في تأخير وصولها. هذه الشبكة المحلية ساعدت كذلك على تجاوز مشكلة أخرى هي الأمن. يقول هولتورف: "بهذه الطريقة تبقى المعلومات الحساسة في الداخل، وبهذا نضمن أنها لا تغادر المكتب أو العيادة".

مصدر الصورة Thinkstock

أما الوسيلة الثانية فهي تخفيض درجة وضوح صور المسح الضوئي. يقول هولتورف: "علينا تخفيض درجة الوضوح قليلاً للتخلص من تأخر الوقت، لكن حالياً لا توجد مشكلة في حالتنا".

ويأمل هولتورف أن تكون درجة وضوح الصور أفضل في الجيل التالي من النظارة.

لكن كل هذه الصعوبات التقنية ربما تكون أسهل في التغلب عليها من الصعوبات البشرية. بغض النظر عن رقي مستوى النظام الذي تتبعه، فإذا لم يستخدمه زبائنك فليس له قيمة.

يقول هولتورف: "من يقوم بهذه الأعمال يقوم بها لفترات طويلة من الزمن ولم يستخدم التكنولوجيا التي تصنعها. من الصعب إقناع الناس باستخدام التابليت أو باستخدام نظارات لمساعدتهم على القيام بعمل ما اعتادوا على القيام به لزمن طويل. بعض المحاولات المبكرة لاستخدام نظارات الواقع المعزز أخفقت ببساطة لأن الأطباء رفضوا ارتداءها."

بالنسبة لهولتورف كان تقبل النظارات هو الجزء الأسهل. وقد قام فريقه في الآونة الخيرة بعرض النظارات في مؤتمر لأطباء الأسنان وحظيت بتأييد كبير. يقول هولتورف: "كل من استعمل جهاز للمسح الضوئي قال إن هذا شيء رائع بالفعل. حتى أصحاب الخبرة الطويلة في المجال."

ويقول هولتورف إن مرضاه أيضاً لاحظوا الفرق، مضيفا: "غالبية المرضى قالوا: كل مرة تستعمل فيها هذا الجهاز أشعر بأن الطبيب هو من يقوم بعلاجي وليس الجهاز".

مصدر الصورة Thinkstock

وعندما سألت هولتورف إذا ما كان يعتقد بأن يكون هناك استخدامات طبية أخرى للنظارات قال ضاحكاً: "بالطبع لدينا أفكار كثيرة". فهو يتخيل أن تكون النظارات مفيدة في عمليات جراحية دقيقة، على سبيل المثال عندما يبحت الجراح عن شيء خفي تحت الجلد. لكن في الوقت الحاضر، يقول هولتورف إنه وزملاؤه يركزون على تحسين أداء النظارات لتكون على أفضل وجه ممكن.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.

المزيد حول هذه القصة