احترس من "فرس النهر" عندما يضحك أو يتثاءب

مصدر الصورة Nick Garbutt naturepl.com

تُصوِّر الأعمال الخيالية أفراس النهر على أنها حيوانات عملاقة تتسم باللطف. ولكنها قد تنقلب في حقيقة الأمر إلى كائنات عنيفة؛ بوسعها حتى قتل البشر.

تتمثل السمعة السائدة عن أفراس النهر في أنها حيوانات لطيفة ولكنها بطيئة وخاملة، من فئة الكائنات آكلة العشب، تقضي حياتها تتقلب وتستلقي وتتحرك باسترخاء في مياه استوائية موحلة، منعزلة عما سواها من حيوانات.

أما الحقيقة فهي أن تلك الحيوانات تتسم بالرشاقة في الحركة، والعدوانية في السلوك على نحو ملحوظ، بل إنها أحيانا ما تقتل – أو تقتات على ما يمكن أن تجده من بقايا - حيوانات مثل الظبي الأفريقي والبقر الوحشي والجاموس.

وفي بعض الأحيان، تقتل أفراس النهر البشر أنفسهم. وخلال جولات ليلية تقوم بها خارج المياه؛ تقطع تلك الحيوانات أميالا عديدة في رحلات مضنية، كي تحصل على وجبات خفيفة وسريعة من النباتات الشهية، بما في ذلك المحاصيل الزراعية، وهو ما يجعل علاقة الجيرة بينها وبين البشر مزعجة ومضطربة.

فإذا ما صدق المرء منّا ما يراه ويقرأه في الأعمال الخيالية؛ فسيعتبر أن أفراس النهر من بين ألطف المخلوقات العملاقة الموجودة في أفريقيا. فهي تُصوّر في هذه الأعمال وهي ترتدي تنورات منتفشة قصيرة للغاية، أو وهي تبذل جهودا مضنية لتعزيز صداقاتها بما حولها.

وللإنصاف، فإن أفراس النهر تبدو على أرض الواقع ذات مظهر مُضحِك قليلا، بوجوهها التي ترتسم عليها ملامح الحزن والحداد، وبطونها المنتفخة التي تستند إلى أربع أرجل بدينة وقصيرة. رغم ذلك؛ فإن المظهر يمكن أن يكون خادعا.

يقول يوهان إكستيين، وهو باحث بيئي في مجال الحفاظ على الطبيعة من جنوب أفريقيا: "غالبية من هم في الخارج لا يدركون مدى الخطورة التي يمكن أن تتسم بها هذه الحيوانات".

وعلى مدى نحو ثلاثة عقود؛ أجرى إكستيين أبحاثا تتناول مسائل متعلقة بأفراس النهر. وهو يعمل حاليا لحساب وكالة "موبيمولينغا" للمتنزهات والسياحة، وهي هيئة حكومية تُعنى بحماية الحياة الطبيعية والمحميات في جنوب أفريقيا.

ويقول إكستيين إن التثاؤب المتكرر لفرس النهر الذي يراه السائحون ويفترضون أنه مؤشرٌ على أن هذا الحيوان سعيد وراضٍ ليس إلا "علامة خطر".

مصدر الصورة Tony Heald naturepl.com

ويضيف الباحث بالقول إن من بين علامات الخطر الأخرى تلك الأصوات الشبيهة بـ"الضحك" التي تصدرها هذه الحيوانات، حتى وإن كان فرس النهر "الضاحك" يبدو - ربما - هادئا وذا مظهر هزلي.

وسيُحسِنُ السائحون صنعا إذا ما تعرفوا بدقة على طبيعة هذه المؤشرات وتصرفوا حيالها بالشكل المناسب، نظرا لأن فرس النهر "التعيس" أكثر خطورة مما قد يبدو عليه.

وهنا يمكن الاستعانة برأي ليجيا دوروارد، وهو باحث يسعى لنيل درجة الدكتوراه من جامعة أكسفورد، ويدرس العلاقة والصراع ما بين البشر والحيوانات آكلة اللحوم في تنزانيا. وفي هذا السياق، يقول دوروارد: "أعتقد أن المفهوم الخاطئ الأكثر شيوعا فيما يتعلق بأفراس النهر يتمثل في كون البشر يعتبرون أنها لا تتغذى سوى على العشب".

وعلى مدى عدة سنوات، رُصدت 87 من أفراس النهر، وهي تتغذى - في بقاع متنوعة من المنطقة التي تعيش فيها - على حيوانات مثل الجاموس والظبي، والبقر الوحشي. ويقول دوروارد: "هناك أدلة متزايدة على أن (أفراس النهر) لا تتغذى على اللحوم فحسب، بل إنها تفترس الحيوانات الأخرى بنشاط كذلك".

كما أن أفراس النهر لا تتورع - على ما يبدو - عن التهام بعضها البعض بين الحين والآخر. فخلال عمل دوروارد في محمية كروغر الوطنية بجنوب أفريقيا، رأى هذا الباحث فرس نهر يتغذى على بقايا جثة متحللة لقرين له.

وأضاف: " لم نكن على علم – للأسف – بالكيفية التي نفق بها فرس النهر الذي كانت جثته المتحللة تُستخدم كغذاء، إذ أن (علمنا بذلك) كان سيلقي ضوءاً أكبر على السلوك" المتعلق بالتهام أفراس النهر لجثث أقرانها.

وفي بعض الأحيان، تهاجم أفراس النهر البشر أيضا. وهنا يوضح يوهان إكستيين بالقول إن هذه الحيوانات "لا تخرج من مكامنها وتتصيد البشر، ولكن إذا ما صادفتها (أنت) وهي في طريق العودة من مكان الماء (الذي تشرب منه).. سيتعين عليك حينذاك إعداد خطة" للفرار.

وفي عام 2014، لقي 13 شخصا حتفهم في النيجر عندما قلبت حيوانات فرس النهر القارب الذي كانوا يستقلونه. وتتكرر مثل هذه الحوادث بين الحين والآخر في المناطق التي تعيش فيها مثل هذه الحيوانات.

مصدر الصورة Thinkstock

وفي هذا الصدد، يمكن الاستفادة من تجربة جيسيكا كالر، التي درست الصراع ما بين البشر وعناصر الحياة البرية في ناميبيا، وذلك في إطار دراستها لنيل درجة الماجستير. وتركزت الدراسة بشكل خاص على كيفية إدراك البشر للخطر الذي تمثله عليهم حيوانات برية متنوعة.

وفي هذا الإطار، سمعت كالر بعض القصص المروعة التي تتعلق بما فعلته أفراس النهر ببعض البشر، بما في ذلك قصة تتناول مقتل زوجيّن في إحدى الليالي على يد فرس نهر كان يختبئ أمام منزلهما.

بل كان لكالر نفسها مواجهة مرعبة مع أحد أفراس النهر. ففي ليلة ما خلال فترة إعدادها لدراستها، كانت هذه الباحثة تقيم في خيمة صغيرة بجوار النهر، حينما بُوغت قطيعٌ من الماشية كان يرعى على ضفاف النهر نفسه - على ما يبدو - بـ"فرس نهر لم يكن في كامل سعادته". ولذا دفع هذا الحيوان القطيع بالكامل للهرب عبر المعسكر الذي كانت تُخيم فيه كالر.

وهكذا باتت هذه الباحثة ممزقة بين أن تفر لتلوذ بسيارتها حيث الأمان، مُخاطرةً بأن تصادف فرس النهر في الظلام وهي في طريقها للسيارة، أو أن تبقى حيث هي في هذه الخيمة المهلهلة، التي كانت تحاول إحدى الأبقار دخولها.

وقتذاك، فضلت كالر البقاء، واضطرت للكم البقرة غير المُرحب بها في الأنف لإجبارها على الابتعاد. وتستذكر الباحثة أنها وجدت في الصباح "كل آثار الحوافر هذه منتشرة في كل مكان".

رغم ذلك، فإن معدة فرس النهر غير مُعدة لهضم اللحوم – كما تقول دوروارد – وهو ما يعني أن تناولها للحوم يحدث عندما تعاني من نقص في إحدى المواد التي تتغذى عليها.

وهكذا تتغذى أفراس النهر في أغلب الأوقات على النباتات، رغم أنه بوسعنا القول إن تلك الحيوانات الضخمة غير مُهيئة تقريبا لتقتات على نظام غذائي نباتي مثل هذا.

ويقول إكستيين مازحا إن فرس النهر عبارة عن "تصميم مجنون لشيء تعين عليه أن يتغذى على العشب".

فغالبية الحيوانات التي تعتمد في غذائها على الرعي، تمتلك قواطع حادة في فكوكها حتى يتسنى لها أن تقضم بدقة الأطراف العليا للنباتات.

مصدر الصورة Thinkstock

ومع أنه لدى أفراس النهر قواطع طويلة وأنياب، فإن الغرض منها هو القتال وليس سحق العشب. ويشير إكستيين إلى أنه يتعين على هذه الحيوانات الثديية قص العشب بشفاهها لكي تتغذى عليها.

وخلال النهار، تقضي أفراس النهر وقتها وهي تتقلب باسترخاء في المياه لتبريد أجسادها، وهو ما يمكن أن يكون قد أسهم في تكوين سمعة لتلك الحيوانات بأنها بليدة ورخوة نسبيا وتميل للثبات في أماكنها. فمن العسير تخيل أن الأرجل الصغيرة نسبيا لهذا الحيوان ثقيل الوزن قادرة – بشكل خاص - على حمله لمسافات بعيدة.

ولكن بوسع فرس النهر – في الواقع – أن يقطع خلال الليل مسافات طويلة نسبيا، خلال بحثه عن النباتات التي يتغذى عليها.

ففي المنطقة التي أجرى فيها إكستيين دراساته قرب محمية كروغر الوطنية، قطعت بعض هذه الحيوانات مسافة وصلت في المتوسط إلى 0.8 ميلا (1.3 كيلومترا) وذلك للرعي والحصول على الغذاء.

وقبيل انتهاء فصل الشتاء، تقطع أفراس النهر مسافات أطول، عندما ينضب ما هو متوافر بالقرب منها من حشائش قابلة للسحق والمضغ من تلك التي تنبت على ضفاف الأنهار.

وبقدر شراهة أفراس النهر ونهمها للخضراوات اللذيذة، وكذلك بقدر قدرتها على قطع مسافات أكبر، تجتاح تلك الحيوانات المحاصيل النقدية للمزارعين، كلما تسنى لها ذلك.

ورغم أن وضع أسيجة مكهربة حول المزارع حقق قدرا من النجاح في إبعاد أفراس النهر الجائعة عنها، فقد تخلى بعض المزارعين - في بعض الموائل الخاصة بتلك الحيوانات على ضفاف الأنهار بجنوب أفريقيا – عن زراعة الخضراوات، وتحولوا إلى زراعة أشجار الحمضيات.

وتتسم هذه الخطوة بالدهاء والذكاء: فأفراس النهر، التي لا تكترث بالفواكه، تسعد بالرعي بين الأشجار، وهو ما يوفر ما يشبه مفرزة حراسة أمنية خلال الليل لمزارعي الحمضيات، كما يوضح الباحث إكستيين.

ولكن ربما لا تقتصر فوائد أفراس النهر للبشر على ذلك فحسب.

مصدر الصورة Thinkstock

وفي هذا السياق، يقول إكستيين إنه لا يوجد لهذه الحيوانات "غدد عَرَقية وإنما غدد مخاطية". وهكذا ففي غضون دقائق، يتحول السائل اللزج الحامض الذي يفرزه فرس النهر، والذي يكون عديم اللون في البداية، إلى اللون الأحمر ذي الصبغة البرتقالية، قبل أن يصبح بني اللون في نهاية المطاف. ويعمل هذا السائل كمادة تقي فرس النهر من أشعة الشمس.

وقد أَسَرتْ تركيبته الكيمياوية الباحثين في مجال الكيمياء الحيوية، في ضوء دورها المزدوج كـ"حامية" لفرس النهر من الشمس، ومضادة للميكروبات في الوقت نفسه. وهنا يثور السؤال: هل ستتخذ المنتجات التي ستظهر في المستقبل للعناية بالبشرة نفس التركيب الكيمياوي لذاك السائل الذي يفرزه فرس النهر؟ ربما يكون ذلك ممكنا.

كما تضطلع أفراس النهر بدور بيئي مهم، فكما يقول إكستيين يؤدي ما اعتادته هذه الحيوانات - من ضخٍ للروث الخاص بها بقوة في الأنهار، وكذلك تقليب قيعانها - إلى "إثراء وتخصيب تلك الأنهار" وإفادة الأسماك التي تعيش فيها.

وتُعزى عملية تقليب الطين والوحل التي تقوم بها أفراس النهر - والتي تعود بالفائدة على البيئة - إلى عجزها عن السباحة في واقع الأمر. ويشير إكستيين إلى أن تلك الحيوانات "تعدو في الواقع على طول قاع النهر".

وهكذا فبرغم الخطر الذي يمكن أن تشكله أفراس النهر على البشر، فإنها تلعب دورا مهما في الحفاظ على موائلها والعناية بها. لذا من المحزن بالنسبة للمرء أن يعلم أن هذه الحيوانات مُصنفة على أنها كائنات مُعرضة للخطر من قبل الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة ومواردها.

وتفيد المعطيات بأن أفراس النهر مهددة بسبب الصيد الجائر، وكذلك عمليات الصيد غير الخاضعة لإشراف أو مقيدة بقواعد أو قوانين، فضلا عن كونها مهددة بفعل تناقص الموائل التي تعيش فيها.

بجانب ذلك، فإن ثمة احتمالات كبيرة لحدوث توترات بين البشر وأفراس النهر، بالنظر إلى أن الجانبين قد يتنافسان على نحو مباشر على المحاصيل والمياه العذبة. وهنا نتساءل: هل ستنقرض أفراس النهر - كنوع من الحيوانات - أم أنها ستتمكن من البقاء؟ سؤال يتعين علينا الانتظار للتعرف على إجابته.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Earth.

المزيد حول هذه القصة