كيف يمكنك العثور على الذهب في السفن الغارقة؟

مصدر الصورة Thinkstock

في غمرة التهافت على الذهب في القرن الحادي والعشرين، يحتاج كل من يبحث عن الكنوز المفقودة تحت الماء إلى معدات عالية التقنية، بدءًا من الأقمار الصناعية التي ترصد المحيطات من الفضاء، إلى الغواصات الذكية غير المأهولة التي تعمل تحت الماء.

ويقول ويل أوهالوران، مدير العمليات البحرية في شركة بلوفين روبوتكس: "في بعض الأحيان، حين تكون على سطح البحر لا تتصور أن أسفل منك سطح يشبه سطح الأرض، بما فيه من سلاسل جبال، وصحارى، وأخاديد وهضاب، وجروف شديدة الانحدار. ونحن 'نطير' فوقها بسرعة فائقة وكأننا نستقل طائرة."

تُصنِّع شركة بلوفين مركبات ذاتية الحركة تحت الماء، أو بالأحرى غواصات "تطير" عبر البحار بلا قائد، لتمشيط قاع البحر. وعلى عكس الأجهزة "التي تدار عن بعد"، فهذه الغواصات غير مربوطة بمركب، ولا يتحكم فيها إنسان، ولذا فعليها أن تُبحر بذكاء بنفسها ثم تعود سالمة إلى السفينة.

ولطالما استعان الجيش بهذا النوع من التكنولوجيا في مجالات عديدة، منها الكشف عن الألغام المزروعة تحت الماء، على سبيل المثال. ولكن اليوم، ثمة تهافتٌ على ما تحويه السفن الغارقة من كنوز.

وتلعب التكنولوجيا دور البطولة في عملية البحث عن هذه الكنوز الغارقة. ولكن ما هي الإمكانيات الخاصة تحديدًا التي يمكن أن تقدمها الوسائل التكنولوجية للباحث عن الكنوز في القرن الحادي والعشرين؟

في ورشة بلوفين روبوتكس، جنوبي بوسطن، يرفرف علم أمريكي فوق صفوف من المناضد، حيث يجري بناء وصيانة مركبات ذاتية التشغيل تحت الماء. ويبحث مهندسون وكهربائيون بصورة دورية في أكوام من قطع الغيار والمكونات.

وتشتمل المركبات التي تعمل ذاتيًا تحت الماء إطارات تثبيت مانعة لمرور الماء وحساسة للضغط لحماية الأجزاء الإلكترونية بداخلها. كما تشتمل على سدادات صلبة تنكمش تحت الضغط لتسمح بنفاذ الماء إلى حجرات خاصة، مما يساعد في التحكم في حركتها في العمق. فهذه المركبات حقًا كالغواصات الصغيرة التي لها عقولها الخاصة بها.

قد يزيد طول هذه المركبات عن متر، فإحدى هذه المركبات عبارة عن منصة مربعة الشكل هائلة الحجم، يصل طولها إلى أربعة أمتار على الأقل، إذا ما قيست من أطول جوانبها، أما سائر المركبات فهي صغيرة الحجم نسبيًا، يقل طولها عن متر.

مصدر الصورة Bluefin Robotics

وقد استخدمت المركبات ذاتية الحركة تحت الماء التي تصنعها بلوفين في عمليات البحث عن طائرة الخطوط الجوية الماليزية "إم اتش 370"، التي اختفت في 8 مارس/ أذار 2014 وعلى متنها 239 راكبًا.

كما ساعدت هذه المركبات بول ألين، المدير التنفيذي لمايكروسوفت، في العثور على سفينة حربية مفقودة تعود إلى الحرب العالمية الثانية. ويقول أوهالوران إن هذا النوع من الدعاية يغذي الوعي المتزايد بالتكنولوجيا المتطورة للبحث والإنقاذ.

ويضيف: "يدرك الناس الأن أكثر من ذي قبل أن وجود وسائل تكنولوجية ستمكنهم من استعادة الأشياء التي ظنوا يومًا ما أنها فُقدت بلا رجعة".

تصوير بالقمر الصناعي

سيزداد إعجابك بالمركبات ذاتية الحركة تحت الماء عندما تدرك أنها يجب أن تعمل بدرجة مذهلة من الاستقلالية والثقة. ولكن هذه المركبات لا يربطها رابطٌ مادي بالمركب الذي أطلقها، كما أنها عندما "تطير" في المياة العميقة، ربما تفقد إشارة نظام التموضع العالمي (جي بي إس)، ومن ثم، تعاني من فرط بطء سرعة الاتصال بالمشغلين.

أي أن المركبات ذاتية التشغيل تحت الماء ما إن تُطلق، فأنت تريد أن تتأكد من أنها تعرف ما تفعله. وإحدى الاستراتيجيات التي يمكنك بها التغلب على هذه المشكلات هي أن تُقدّر اتجاهات تيارات المياه، وما يطرأ على الطفو من تغيرات لتستدل على خروجها عن المسار حتى تتأكد من أنها لن تذهب بعيدًا عن المنطقة التي يفترض بها أن تسبر أغوارها.

ويبين أوهالوران أنه بالإضافة إلى السونار يمكن للغواصات غير المأهولة أيضًا التقاط صور لقاع البحر وكل ما عليه. ويقول: "تحمل المركبات كاميرات على متنها وتلتقط الصور كما يلتقطها القمر الصناعي المستخدم للتجسس".

كما أن أجهزة الروبوت تحت الماء تقوم بدور رائع، لأنها تستطيع الاقتراب من حطام السفينة التي تعرف أنها موجودة في المكان. ولكن كيف يمكنك تمشيط أجزاء كبيرة من البيئة تحت سطح الماء في المقام الأول؟

مصدر الصورة Getty Images

إحدى الطرق المدهشة التي أُجريت أبحاث عنها مؤخرًا تتضمن الاستشعار من مسافة بعيدة للغاية، أي من الفضاء. ووصف روري كوين، الأستاذ بجامعة أولستر، وزملاؤه كيف يمكن للتصوير بالقمر الصناعي أن يكشف عن وجود حطام سفن تحت سطح الماء.

وقد أوضح الفريق أن مسح المياه الشاطئية بالضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء القريبة يسمح بالكشف عن أعمدة الدخان المتصاعدة، أو بالأحرى السُحب المكونة من الرواسب التي تحيط بحطام السفن على سبيل المثال.

وقال الفريق: "على الرغم من أن بيانات القمر الصناعي لا تضاهي بيانات الليزر والبيانات السمعية من حيث الوضوح، إلا إنها توفر للمستخدم رؤية أعرض لمنظر الشاطئ".

وأشار كوين إلى أن أحد أوجه القصور في هذا النوع من المسح هو أنه يقتصر على عمق 500 قدم (150 مترا) في الشاطئ أو أقل.

وإذا أردت التصوير عالي الوضوح وأردت أيضًا مسح مساحات كبيرة أكثر عمقًا، فربما عليك أن تستخدم نموذجا أكثر تطورًا من السونار يسمى "السونار ذا الفتحة الصناعية".

فعلى عكس الأنظمة التقليدية، التي تطلق إشارات صوتية نحو أحد الأهداف عندما تمر السفينة أو المركبة ذاتية التشغيل تحت الماء التي تحمل السونار من فوق الهدف، فإن السونار ذا الفتحة الصناعية يصدر رنينًا عدة مرات طوال مروره فوق الهدف.

وبهذا يمكن الحصول على صورة أعلى وضوحًا لما يوجد تحت الماء، بدقة تصل إلى إظهار التفاصيل في بضعة سنتيمترات.

تمامًا مثل الفرق بين قدرتك على التفرقة بين عجلة جرار وكتاب، أو بالأحرى سبيكة ذهب. ومن بين الشركات التي توفر هذا النوع من التكنولوجيا لفرق إنقاذ وانتشال السفن الغارقة هي مؤسسة "كراكن سونار" الكندية.

وتتميز أنظمة كراكن بسمات عالية التقنية منها القدرة على تعديل البيانات باستمرار لتظهر أن جهاز السونار يتحرك، حتى لو كان يرتفع وينخفض فقط مع الأمواج. ويجب أن تبدو الصورة النهائية لقاع البحر واضحة كما لو كان الجهاز الذي التقطها ثابتًا تمامًا طوال الوقت.

مصدر الصورة Getty Images

وبإمكان جهاز السونار الذي تنتجه شركة كراكن أن يقوم بهذا، كما يمكنه أيضًا أن يقدم صورًا ثلاثية الأبعاد للمشغلين على متن سفن المسح بصورة فورية.

يقول كارل كيني، الرئيس والمسؤول التنفيذي بشركة كراكن: "يمكننا عمل نماذج ثلاثية الأبعاد في نفس الوقت الذي نحصل فيه على الصور. إننا نبني في حقيقة الأمر نماذج ثلاثية الأبعاد لقاع الماء ونحن نحلق فوقه، وهذا شيء رائع حقًا".

نهب خزينة ضابط الحسابات

يقول كيني إنه مع انخفاض أسعار هذه الأنواع من الوسائل التكنولوجية في الآونة الأخيرة، بات يتلقى الكثير والكثير من الاستفسارات من الباحثين عن الكنوز والعاملين بمجال إنقاذ وانتشال السفن الغارقة.

بل في الواقع، دخلت شركة كراكن في نقاش في الوقت الحالي مع مؤسسة أمريكية في مجال البحث والتي قد تستعين بجهاز السونار عالي الوضوح الذي تصنعه الشركة في معاينة سفينة تعود إلى القرن التاسع عشر هذا الصيف.

وربما تحمل السفينة الغارقة التي ستجري معاينتها خزانة ضابط المحاسبة بالسفينة المليئة بالفضة والذهب. وإذا سارت الأمور بحسب الخطة، فإن جهاز سونار كيني سيتمكن من رصد الخزانة في حطام السفينة.

وتلوح في الأفق وسائل تكنولوجية أكثر تطورًا من تلك. فيُعرف مشروع جديد في هذا السياق، يقوده أرثر لون لان، عالِم سابق بوكالة ناسا، باسم "دوف-دارت"، أو الكشف بالأشعة فوق البنفسجية في الأماكن العميقة والتحليل الفوري.

تكمن مشكلة وسائل الكشف عن المعادن، التي تستخدم تحت الماء في الغالب لفحص حطام السفن، في أنها لا تخبرك سوى بوجود معادن في المكان من عدمه، أي أنها لا يمكنها التمييز بين الحديد (الذي ربما لا قيمة له) والذهب (النفيس). وقد صُمم "دوف-دارت" لحل هذه المشكلة.

يكشف جهاز "دوف-دارت" بصريًا عن وجود أيونات أو ذرات من عنصر ما يشتمل على إلكترونات أكثر أو أقل عددًا من الفوتونات. وعندما يظهر الضوء فوق البنفسجي على هذه الأيونات تحت الماء، تبدأ هي نفسها في اللمعان بأطوال مختلفة من الموجات، وهذه الفلورية الخاصة بكل أيون، هي العامل الحاسم في تمييز كل أيون عن غيره من الأيونات الموجودة.

مصدر الصورة Thinkstock

وهذا يكشف أيضًا عن نوع المعدن الذي تنتمي إليه هذه الأيونات، بعد أن طُمست ملامحه منذ زمن طويل، وقد ذاب أو تآكل الآن بفعل الماء.

يقول لين "إنه نمط يتكون ويبدو أنه قابل للتكرار وخاص بكل مادة على حدة".

وهذه الفكرة مثيرة للاهتمام، فهي نوع من الكشف عن معادن بعينها من بين سائر المعادن. ويزعم لين أن هذا الجهاز يمكنه أن يكشف عن مواد على مسافة تبعد مترًا عنه. ويقول: "ولكن الأصعب هو ما يسأل عنه الناس أولًا. هل يمكنك شمّ الذهب؟

يقول لين إن الكشف عن الذهب أصعب لأنه غير متفاعل إلى حد كبير ولا يتآكل بسهولة، وهذا يعني أن أيوناته غير موزعه في الماء. ولكن لحسن الحظ أن الذهب يوجد في الغالب مع الفضة. يقول لين: "والجيد في الأمر أن الفضة تتآكل، وتنتج مجموعة من الأيونات القابلة للانفصال عند تركيز معقول".

وسرعان ما ستساعد الوسائل التكنولوجية مثل جهاز "دوف-دارت" العاملين في مجال الإنقاذ وانتشال السفن الغارقة في الكشف عن المقتنيات القيمة على حطام السفن الكبيرة والمعقدة التي فُقِدت في السابق.

ومع وجود الأدوات التكنولوجية المتطورة، يبدو أن البحث عن الكنوز في سنة 2016 وما بعدها، يختلف كل الاختلاف عن عمليات التنقيب في الأيام الخالية التي كانت تتطلب الجرأة والجسارة. فاليوم، انقلب الأمر إلى حد ما إلى سباق من أجل الحصول على المعدات الأعلى تقنيًا من غيرها من المعدات على قاربك، أو الحاقها بغواصتك غير المأهولة تحت الماء.

بيد أن الروح السائدة في الرحلات الاستكشافية لم تتغير، فيرى العاملون في مجال إنقاذ وانتشال السفن الغارقة اليوم أن التغلب على عمق المحيطات وظلمتها مازال هو التحدي الأكبر الذي لم يجد أحد حلًا له بعد، تمامًا كما كان الحال في السابق.

وأمام كل سفينة غارقة أُجري التنقيب عنها بنجاح، بالتأكيد يوجد غيرها الكثير من السفن المليئة بالكنوز، التي تنتظر من ينتشلها ويفتحها. ولكن لن يتحقق ذلك من دون العثور عليها، ووضع الخرائط الدقيقة لموقعها حينما تجدها.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.

المزيد حول هذه القصة