متحف تتجول في أروقته عناكب سامة تتحدى الموت

مصدر الصورة luisquintanaturepl.com

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل عندما دلفت إلى المتحف الفنلندي للتاريخ الطبيعي في هلسنكي، وذلك من باب خلفي للمبنى، لأبدأ رحلة البحث عن عنكبوت مميت.

يزهو المتحف – مثله مثل أي مؤسسة أقيمت لمثل هذا الغرض – بمجموعته الكبيرة والمهمة من العينات النباتية والحيوانية والجيولوجية وكذلك تلك التي تعود إلى العصر الحجري، وهي تشكيلة جُمعت كلها من مختلف أنحاء العالم.

لكن هذا المكان ظل لأكثر من 50 عاما مأوى لمجموعة متزايدة العدد من نوع من العناكب؛ يُعرف الواحد منه باسم "عنكبوت تشيلي المتوحد"، واسمه العلمي (العَصْلاَءُ القاتلة). ويُنظر إلى هذا العنكبوت على نطاق واسع باعتباره الأكثر سُمية من بين فصائل جنسه. وفي واقع الأمر، ما من أحد يعلم تحديدا كيف وصل إلى داخل هذا المتحف.

في البداية، فتح خبير تحنيط الحيوانات يان غرانروه الباب المفضي لقاعة عرض مؤقتة قابعة في الطابق الأرضي. وأشار غرانروه إلى أن هذه القاعة شهدت مؤخرا معرضا تطلب إقامته إحضار بعض جذوع الأشجار إلى داخل المكان. وأوضح بالقول إن ذلك "جلب الكثير من الحشرات، لتقضي العناكب وقتا ممتعا حافلا بالنشاط".

لكن هذه الغرفة ليست مفتوحة في الوقت الراهن أمام الزوار، بل تُستخدم كمساحة للتخزين تتكدس فيها صناديق للتعبئة وألواح فلين، وإطاراتٌ لصور، فضلا عما يشبه معرضا للحيوانات المحنطة؛ يضم إحدى الجواميس، وزوجا مما يُعرف بالحمير الوحشية المقاتلة، وظبيا أفريقيا، بجانب نعامة، ثُبتت رقبتها النحيلة على حامل معدني.

ومضى غرانروه بثقة ليفتح خزانة ضخمة ذات أدراج، قبل أن يرفع لوحا تلو الآخر من الألواح الجصية، ما مكنه من أن يتسلق بصعوبة كومة من الألواح الخشبية، ليجثو بعد ذلك على ركبتيه ليسلط الضوء تحت إحدى الخزانات.

تحليت عندئذٍ بحذر أكبر. وغمرتني مشاعر متضاربة، وأنا اضغط نفسي خلف مخلوق شبيه بحيوان ثدييّ يُدعى ألباكا؛ وهو حيوان شبيه بالخروف؛ وهي مشاعر تجمع ما بين الإعجاب بنعومة فراء هذا المخلوق، والانزعاج من فكرة أن هذا المعطف الذي يتدثر به ذلك الحيوان الثدييّ القادم من أمريكا الجنوبية، ربما يكون هو ذاته – على وجه الخصوص – مزارا مناسبا للعنكبوت التشيلي المتوحد.

وتشكل أمريكا الوسطى والجنوبية الموطن الأصلي لهذه العناكب، إذ تعيش هناك تحت الصخور وبداخل فجوات الأشجار، وغيرها من المواضع المعزولة. ولكن كيف انتقلت تلك المخلوقات لمسافة تزيد على 13 ألف كيلومتر، لتقطن قبو متحف على بعد مئات الكيلومترات لا أكثر من الدائرة القطبية الشمالية؟

مصدر الصورة Henry Nicholls
Image caption صادف القائمون على المتحف العنكبوت المتوحد التشيلي عندما بدأوا في تحريك معروضاتهم

بدأ الأمر على أي حال في عام 1963 أو نحو ذلك، حينما أدرك القائمون على المتحف وجود نوع من العناكب الغريبة في المكان. وبعد تسجيل عدد كبير من مشاهدات هذا المخلوق – بشكل مفاجئ - في شتاء عام 1970، قرر هؤلاء المسؤولون إجراء عملية بحث منهجية، كشفت النقاب عن وجود تفشٍ لتلك العناكب في مختلف أنحاء الطابق الأرضي من المبنى.

فقد كانت هذه المخلوقات في كل مكان؛ في الخزانات والأدراج وعلى المكاتب وخلف الصور المعلقة على الجدران.

وفي هذا الصدد، كتب الخبير في شؤون البيئة والكائنات الحية فيكو هوهتا إنه عُثر في إحدى الغرف الصغيرة التابعة للمطبخ على عدد كبير من تلك العناكب، وعلى نحو استثنائي. وقد نشر هوهتا عام 1972 ورقة بحثية حول غزو العناكب لذلك المتحف.

وقد أبعد هذا الرجل وزملاؤه من القائمين على شؤون المتحف أكثر من عشرة من هذه العناكب من الخزانات والأدراج في المطبخ المخصص للموظفين. لكن وفي غضون بضعة أيام، حلت عناكب جديدة محل تلك التي جرى التخلص منها. وقال هوهتا إن تلك العناكب جاءت "على ما يبدو من فراغات تحت الخزانات وخلفها".

ظننت أن بوسعي إلقاء نظرة خاطفة على الخزانات الموجودة في هذا المطبخ، ولكنني علمت خلال تحضيراتي لقضاء ليلتي هذه في المتحف إن ذاك المكان لم يعد قائما.

فقد أخبرني عالم الحشرات يوركى مونا، وهو أحد كبار المسؤولين عن المتحف في الوقت ذاته، إن ذلك المكان "هُدم عام 2004، عندما قمنا بتجديد المبنى".

وشملت هذه العملية حفر طابقين إضافييّن أسفل البناء لإيجاد مساحة جديدة صالحة للتخزين. وفي ذلك الوقت، ساد قدر كبير من البلبلة، بعدما بدا أن العناكب اختفت لبعض الوقت.

وقد أثار ذلك قلقا بين الموظفين، الذين كان العديد منهم قد باتوا متعلقين بهؤلاء الزوار ذوي الأرجل الثمانية.

ولكن تبين بعد ذلك، أن تلك المخلوقات كانت تنتظر فحسب الوقت المناسب، للانتقال إلى المنطقة المحفورة حديثا كي تقطن هناك.

وفي ورقته البحثية، طوّر هوهتا نظرية مفادها أن "العنكبوت المتوحد التشيلي" شق طريقه إلى فنلندا بداخل شحنة من التفاح قَدِمتْ من الأرجنتين. ولكن لدى مونا تفسيرا مختلفا، إذ يقول إن "المتحف استقبل خلال ستينيات القرن العشرين بعض القوارض الحية لأغراض بحثية، وكان صندوقها مغطى برقائق خشبية جاءت من أمريكا الجنوبية".

مصدر الصورة Ken WalkerMuseum Victoria
Image caption "العنكبوت المتوحد التشيلي" هو الأكثر سمية بين عناكب جنسه

ولكن قدرة هذه العناكب على البقاء رغم أي صعوبات هائلة، لا تبدو شيئا مفاجئا في ضوء المعلومات المتوافرة لدينا بشأن صفاتها الحيوية. ففي سبعينيات القرن الماضي، أجرى عالم حشرات متقاعد في لوس أنجليس بعض التجارب الغريبة، التي لا تدع سوى القليل من الشك حول مدى مرونة هذا النوع من الكائنات الحية وقدرته على التكيف.

فقد اصطاد العالم أنثى عنكبوت من نوع "العنكبوت المتوحد التشيلي" في مدينة سييرا مادري القريبة من لوس أنجليس. وعندما وضعت هذه الأنثى بيضاً أثمر عن 48 عنكبوتا وليدا، تولاها هذا الرجل بالرعاية كلاً على حدة، وأطعمها يرقات خنافس وحشرات متنوعة أخرى حتى بلغت طور النضوج.

وبعد ذلك، حجب عنها كل أشكال الماء والغذاء لاختبار مدى قدرتها على تحمل الجوع. هلك الذكور أولا، ولكن 14 من الإناث تمكنت من مواجهة عملية التجويع الشامل هذه، لمدة بلغت في المتوسط 453 يوما؛ بل إن إحداها عاشت دون ماء أو غذاء 755 يوما، أي أكثر من سنتين كاملتين.

وهذا النوع من العناكب سريع التكاثر. فبوسع كلٍ من إناثه وضع ما يصل إلى 15 من حويصلات البيض خلال حياتها، وعادة ما تحتوي كلٌ من هذه الحويصلات على ما يتراوح بين 50 و150 بيضة.

ومن هذا المنظور، يسهل علينا فهم كيف يمكن لمجموعة منها التكاثر والازدهار، وهي لا تتغذى سوى على حشرات صغيرة الحجم في قبو هادئ مظلم، تسوده درجات حرارة ثابتة ومُتحكم بها، بداخل أحد المتاحف.

من جهة أخرى، يُصنّف "العنكبوت المتوحد التشيلي" على أنه الأكثر خطورة بين 100 فصيلة أو أكثر تنتمي إلى جنس "العصلاء"، الذي ينتمي هذا النوع إليه.

فالسم الذي يفرزه هذا العنكبوت يحتوي على كميات كبيرة - بشكل خاص - من إنزيم "سفينغو مايلونيز دي"، الذي يضر بشدة بمُركب يوجد في أغشية الخلايا، ويُعرف باسم "سفينغو مايلين".

ومن شأن لدغة واحدة من "العنكبوت المتوحد التشيلي" إلحاق الأذى بالجلد وأنسجته الداخلية، ما يُخلف ندبة كبيرة وقبيحة في الوقت نفسه. وإذا ما وصل السم إلى مجرى الدم فقد يُحدِثْ مشكلات خطيرة في أجهزة الجسم، إلى حد قد يفضي للوفاة.

ولكن هذا كله لا يسبب - على ما يبدو - إزعاجا للعاملين في المتحف. فـ"العنكبوت المتوحد التشيلي"، كما يشير اسمه، يهوى الاختباء، ويختفي عن الأنظار بسرعة قياسية إذا تعرض لأي إزعاج.

وقال لي مسؤول عن المتحف إن تعرض أحد الزوار للدغة من أحد هذه العناكب هو أمر نادر أشبه بفوز المرء باليانصيب؛ ولكن الفارق أن ذلك يتسم بقدر أقل قليلا من البهجة والمرح.

ويقول يوركي مونا إنه لم تقع سوى حادثة واحدة فقط من هذا النوع على مدار الأعوام الخمسين الماضية.

ويوضح أن ذلك حدث خلال عمليات التجديد والترميم، عندما خالف أحد عمال البناء تعليمات السلامة والأمان، مما أدى إلى أن يُلدغ في ذراعه، خلال تغييره لملابسه، وذلك من قبل عنكبوت كان عَالِقا فيها. وشاءت العناية الإلهية ألا يلحق به ذلك أذى دائما.

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption ليس بوسع موظفي المتحف الحيلولة دون الشعور بالقلق من أن تكون رقعة وجود هذه العناكب قد اتسعت إلى مناطق أبعد

وخلال ليلتي باحثاً عن هذه العناكب في المتحف مع خبير التحنيط يان غرانروه، وجدنا نصف دزينة منها دون كثير جهدٍ تقريبا. ولم يكن أيٌ منها يتسم بالضخامة، إذ لم يزد طول أكبرها على سنتيمترين؛ بدءا من طرف إحدى أرجله على الجانب الأيمن منه إلى طرف رِجل أخرى مماثلة على جانبه الأيسر.

ولكن غرانروه أكد لي أن هناك بعض العناكب الكبيرة معنا في الغرفة ذاتها، مُباعدا بين أصبعيّه السبابة والإبهام لمسافة بلغت نحو 10 سنتيمترات. وقال "عندما ترى الكثير منها يوميا، فإنك ستعتادها".

وقد علمت بنفسي مدى صحة كلماته في هذا الشأن، لأنني بعد عدة مشاهدات تخلو من الإثارة لعناكب من ذلك النوع خلال نصف ساعة لا أكثر، بِتُ أدرك أنني أصبحت أكثر جراءة بكثير، بقدر جعلني أزحف فوق الألواح الخشبية التي تتراص على أرضية الغرفة، لكي يتسنى لي الاقتراب بعدسة كاميرتي إلى مسافة لا تزيد عن بضعة سنتيمترات من أحد العناكب.

وحتى خلال خروجي من المكان، كنت لا أزال أنظر إلى حواف الطاولات والألواح الخشبية، باحثاً بدقة شديدة، عن بيتٍ لعنكبوت هنا، أو رِجلٍ لآخر هناك.

وعندما أصبحت في الخارج، وأثناء سيري بحذر على أرصفة شوارع هلسنكي المغطاة بالثلوج، لم يكن بوسعي منع نفسي من التفكير بشأن إمكانية أن تكون هذه العناكب قد انتشرت في المدينة، إلى حد يتجاوز مجرد الوجود في متحف التاريخ الوطني هناك.

وفي هذا الشأن، أجرى هوهتا عام 1971 بحثا عن تلك المخلوقات – ولكن دون جدوى - في قبو بناية سكنية تقع قبالة مبنى المتحف على الجانب الآخر من الشارع.

ولكن فرص انتشار هذا النوع من العناكب على نحو غير مسبوق، باتت الآن أكثر بكثير. فعلى مدار الخمسين عاما التي قضاها "العنكبوت المتوحد التشيلي" في هلسنكي، توسعت هذه المدينة، لتصل إلى القاعدة الصخرية الصلبة لها، الواقعة تحت سطح الأرض فيها مباشرة، وهي طبقة من اليسير الحفر للوصول إليها.

وبحسب تقرير نشرته الهيئة المسؤولة عن تخطيط العاصمة الفنلندية عام 2009؛ فإن الحيز الذي جرى فيه تشييد مبانٍ بالفعل تحت هلسنكي بلغ قرابة تسعة ملايين متر مكعب، تضم نحو 400 منشأة ونفق.

أخيرا، وبينما كنت أمر بجوار مقر البرلمان الفنلندي، القابع على بعد لا يتجاوز 200 متر من متحف التاريخ الطبيعي، تذكرت ما قاله لي مونا في هذا الموضوع.

فالرجل الذي أخبرني بأن بإمكان "العنكبوت المتوحد التشيلي" قطع المسافة ما بين المبنييّن بسهولة، أسرّ لي بالقول إنه ينتظر أن يلدغ أحدها رئيس الوزراء، وهو يزور البرلمان.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.

المزيد حول هذه القصة