تجارب خبراء يسعون لإنتاج وسائل تكنولوجية أكثر "بشرية"

مصدر الصورة Thinkstock

تتجه جميع الشركات الكبرى إلى تصنيع وسائل تكنولوجية تحاكي السلوك البشري، لكن إلى أي مدى ستنجح تلك الشركات في ذلك؟

طورت شركة آبل برنامجها "سيري"، وهو عبارة عن "مساعد ذكي" يمكنه تشغيل الهواتف والأجهزة التي تنتجها الشركة من خلال تلقي أوامر بالصوت البشري. وطورت شركة غوغل برنامجها "غوغل ناو"، فضلًا عن شركة مايكروسوفت التي طورت برنامج "كورتانا"، وشركة بيدو الصينية التي طورت "ديور".

وحتى الشركات الصغيرة بدأت تسير على خطى الشركات الكبرى وتطلق منتجاتها المشابهة في الأسواق. فقد طورت شركة "إكس. أي"، وهي شركة ناشئة في نيويورك، برنامجين من برامج "المساعدة الافتراضية" أطلقت عليهما اسمي آمي وأندرو.

وقد صُممت تلك البرامج التي يعرف الواحد منها باسم "المساعد الافتراضي" لتسهيل حياتك اليومية. وبعض هؤلاء المساعدون الافتراضيون له شخصيته المميزة، بينما البعض الأخر يقوم بالمهام المطلوبة منه فحسب.

ولكن كيف يتم إضفاء الصفات البشرية على تلك الوسائل التكنولوجية؟ ليس الأمر مجرد شفرات وصوت يتحدث إليك، بل وراء أولئك المساعدين الافتراضيين فِرق للكتابة، تصيغ كل كلمة وكل عبارة بدقة متناهية.

وفي الكثير من الحالات، تعمل هذه الفرق على عكس ما تظن، فهي تضم شعراء سابقين وكتّاب سينمائيين ومسرحيين وروائيين تتعاقد الشركات مع الكثير منهم لإضفاء الصفات البشرية على برامج المساعدة الشخصية الافتراضية تلك، أو بالأحرى، لتصبح تلك البرامج والأجهزة أكثر شبهًا بالبشر.

من التراث الشعبي إلى الذكاء الاصطناعي

درست آنّا كيلسي التراث الشعبي وعلم الأساطير، في جامعة هارفارد، ولكنها قضت جلّ وقت فراغها في إخراج المسرحيات وإنتاجها وإدارتها. وعندما تخرجّت في الجامعة، ظنت أنها قد تعمل في مجال المسرح، ولكنها لم تكن متأكدة من أنها ستجد الفرصة.

مصدر الصورة X.ai
Image caption تدرجت آنا كيلسي في المناصب بشركة "إكس. آي" الناشئة إلى أن أصبحت مصممة لأساليب تفاعل أجهزة الذكاء الاصطناعي مع البشر

ثم قررت كيلسي الانتقال إلى نيويورك، لكنها وجدت أن "تكلفة المعيشة في نيويورك مرتفعة، وإذا كنت ترغب في العمل في مجال المسرح، فعليك أن تبحث عن مورد آخر للرزق".

وقد انتهى بها المطاف في شركة "إكس. آي" الناشئة التي تركّز على مجال الذكاء الاصطناعي، وتدرجت سريعًا في المناصب من متدربة في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث كانت مهمتها التعقيب على البيانات المستخرجة من رسائل البريد الإلكتروني ذات الصلة بتنظيم جداول المواعيد، إلى مصممة لأساليب تفاعل الذكاء الاصطناعي مع البشر، وهو منصب استحدثته شركة "اكس. آي" لتصميم نموذج الحوار الذي سيحدد استجابات برنامج المساعدة الافتراضية – آمي- الذي تنتجه الشركة، وتطوير وظيفته الصوتية.

وتقول ستيفاني سيمان، رئيسة قسم الاتصالات بالشركة: "لو حاولت آنّا (كيلسي) البحث عن هذه الوظيفة (في شركة أخرى)، فلن تجدها. فهذا الدور استحدثته الشركة مؤخرا".

وترى كيلسي أن المعلومات التي استمدتها من الدراسة في مجال الأداب والتاريخ أو ما يسمى بالفنون الحرة، ساعدتها في تحقيق النجاح في وظيفتها، فقد ساعدتها في صياغة ما يصدر من عبارات وردود من برنامجي آمي وأندرو، المساعدين الشخصيين الافتراضيين اللذين طورتهما الشركة، في رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة مع العملاء.

وتقول كيلسي: "تساعد الدراسة في مجال الأداب والتاريخ على تعلم مهارات التفكير النقدي، وحلّ المشكلات، وإيجاد الحلول واستنباط المعاني لمختلف الأشياء وتفسيرها. فيجب أن تشعر بالسعادة عند التوصل إلى حلّ لمشكلة لم يتمكن من حلّها أحد من قبلك، وهذا ما نفعله هنا".

صناعة مزدهرة

من جانبها، جمعت شركة "إكس-آي" 23 مليون دولار في جولة تمويلية جديدة. فقد تضاعف تمويل الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي منذ سنة 2010 قرابة سبعة أضعاف، من 45 مليون دولار إلى 310 مليون دولار أمريكي.

مصدر الصورة Thinkstock

ومن المتوقع أن يتوسع هذا السوق ليبلغ 11.1 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2024، بحسب مؤسسة تراكتيكا للأبحاث التكنولوجية. ومع توافر المال، ستظهر الحاجة للمزيد من الكُتّاب والمُبدعين لجسر الهوة بين التكنولوجيا والنواحي الإنسانية.

وقال جون ريد، كبير المديرين التنفيذيين بمؤسسة روبرت هاف تيكنولوجي: "ثمة دليل آخر على ذلك أن المجموعات التي تعمل في مجال التكنولوجيا تبحث عن المبدعين الخلّاقين. ومع استمرار تداخل التكنولوجيا مع جميع الصناعات، لتصبح جزءًا لا يتجزأ منها، سيتواصل استقطاب أصحاب المهن ذوي المهارات المتنوعة من أجل الحصول على المنتجات والخدمات الأكثر فعالية".

من التلفاز إلى الذكاء الاصطناعي

بدأ جوناثان فوستر، رئيس فريق الكتابة لبرنامج المساعد الشخصي "كورتانا" الذي طورته شركة مايكروسوفت، مشواره المهني في مجال الأفلام والتلفاز، لكنه يقول إن فكرة الاتجاه إلى التكنولوجيا كانت دومًا تلحّ عليه.

ويقول فوستر: "في البداية، كنت مهتمًا بفكرة سرد القصص بالاستعانة بالوسائل التكنولوجية"، ثم وجد نفسه في نهاية الأمر رئيسًا لفريق الكتابة الخاص بمنصات الألعاب "إكس بوكس" لدى شركة مايكروسوفت.

ولكن بانضمامه إلى فريق كورتانا، منذ عامين، شعر أنه وجد مكانه المناسب، أي في عالميّ الذكاء الاصطناعي والفكر الخلّاق، اللذين قد يبدو، ظاهريًا، أنهما مختلفين عن بعضهما البعض.

وقال فوستر: "نحن هنا نطور شخصية متفردة، تمامًا كما يطور الكاتب السينمائي شخصية القصة السينمائية. وهذا التفاعل التحاوري بين الآلة والشخص، سواء كان نصيًا أو صوتيًا، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمهارات كتابة الحوار التي حصلت عليها من خلال خبرتي التي استمرت لسنوات طويلة في كتابة النصوص السينمائية، والأهم من ذلك، المسرحيات. فهذا المنصب يناسبني تمامًا".

مصدر الصورة Jonathan Foster
Image caption تحول جوناثان فوستر، رئيس فريق الكتابة لبرنامج المساعد الشخصي "كورتانا" الذي طورته شركة مايكروسوفت، من مجال السينما والتلفزيون إلى العمل في تطوير وسائل التكنولوجيا

واليوم، يترأس فوستر فريقًا من ستة كتّاب داخل المؤسسة، وخمسة كتّاب غيرهم من بلدان مختلفة حول العالم. والعجيب أنه قد ثبت أن من أصعب الجوانب التي تواجههم عند تطوير شخصية "كورتانا" هو الحسّ الفكاهي لهذا البرنامج.

فمنذ البداية، كان من المقرر أن تتحلى "كورتانا" بشخصية "إيجابية"، بحيث تترك انطباعًا جيدًا لدى من يتفاعل معها بعد انتهاء الحديث، ولكن هذا يقتضي ألا تفتر لديها روح الدعابة.

وقال فوستر: "من العسير أن تظل إيجابيًا وتتمتع بحس فكاهي في آن واحد. فأن تكون إيجابيًا يعني أنك لن تسبب لأي شخص المتاعب أو توقعه في موقف محرج".

وعندما يواجه فوستر إشكاليات من هذا النوع، يستدعي فريقه من الكُتّاب، بدءًا من الشاعر في لندن، مرورًا بالكاتب السينمائي في مدريد، إلى الروائي في أحد المكاتب في آخر الردهة للحضور إليه.

وقال فوستر إنه من المهم أن تستعين في هذا المجال بفنانين يفهمون ويقدّرون عالم التكنولوجيا. وقال: "يجب أن تحب هذا الجانب منه، أن تحب التكنولوجيا بوصفك فنانًا خلاقًا، لأنك ستخوض غمار هذا المجال".

وتابع فوستر: "وكلما استغرقت في العمل في هذا العالم، زاد الأثر الذي ستتركه في الكتابة. فيجب أن تكون لديك رغبة في فهم هذا المجال الشاسع".

الجامعات تراقب عن كثب

ومع تنامي الطلب على ذوي الاهتمامات المتداخلة، في الشركات العريقة والناشئة على حد سواء، بدأت الجامعات تستجيب لذلك الاتجاه.

قال فيل فينتيميغليا، كبير مديري الابتكارات بجامعة ولاية جورجيا: "نشهد في الوقت الحالي تزايد الحاجة إلى إدخال التكنولوجيا والمهارات الرقمية في جميع التخصصات بما فيها الدراسات الإنسانية. فقد تغير كل مجال تغيرًا كليًا بسبب التكنولوجيا".

مصدر الصورة Thinkstock

واستجابةّ لذلك، دشنت الجامعة مبادرة التثقيف في المجال الرقمي في 2015. وبحسب فينتيميغليا، فقد أعيد النظر في فن الإنشاء والتعبير الإنجليزي لبحث كيف يمكن للطلاب، من خلال تعلم الكتابة البلاغية، أن يتعرفوا أيضًا على كيفية إنشاء مدونة وتصميم صفحة على شبكة الإنترنت.

وتعدّ جامعة جورجيا واحدة من بين الجامعات العديدة التي تسعى لإدخال التكنولوجيا في الدراسات الإنسانية.

نتائج عكسية

مما لا شك فيه أن تطوير مساعدين افتراضيين ومنتجات ذكاء اصطناعي تحاكي البشر بصورة مفرطة له مشاكله. ففي شركة "أكس. آي"، على سبيل المثال، بسبب كفاءة أندرو وآمي العالية وقدرتهما على الإقناع في رسائل البريد الإلكتروني، يتوهّم بعض الناس أنهم بشر، ويقترحون عليهم التحدث من خلال الهاتف. ومن بين المهام المنوطة بكيلسي، أن تكتب الرد في هذه الحالة.

أما في شركة مايكروسوفت، فإذا سُئلت "كورتانا" ما إن كانت بشرا أم لا، تجيب: "كلا، ولكني أكنّ كل الاحترام للبشر. فأنتم اخترعتم التفاضل والتكامل والحليب المخفوق".

ولكن، كما يقول الخبراء، قد يكون هذا هو ثمن إدماج كتّاب المسرحيات والشعراء بنجاح في عالم غير بشري.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة