تيوفيلو ستيفنسون: الملاكم الكوبي الذي ضحى بالثروة في سبيل بلده

ستيفنسون مصدر الصورة BBC World Service

توفي في الحادي عشر من الشهر الجاري تيوفيلو ستيفنسون، الملاكم الكوبي الحائز على ثلاثة اوسمة اولمبية. سارة رينسفورد، مراسلة بي بي سي، حضرت جنازته وتحدثت الى عدد من الذين الهمهم هذا الرياضي الذي رفض عرضا بملايين الدولارات لمنازلة محمد علي كلاي.

ما كدت اخرج من المصعد الذي اقلني الى قاعة الجنائز حتى صدمتني الضوضاء، فالقاعة كانت ممتلئة عن بكرة ابيها بافراد اسرة ستيفنسون واصدقائه ومحبيه، كانوا جميعا يتحدثون في وقت واحد.

فقد كان ستيفنسون اعظم ملاكم انجبته كوبا، وكان يوما ما ثاني اشهر رجل في البلاد بعد فيدل كاسترو، ولذا حضر عدد هائل من الكوبيين جنازته.

كان جسد ستيفنسون مسجى في غرفة جانبية في نعش مفتوح يلفه العلم الكوبي، وقد وضعت قفازاته الحمراء بجانبه. وكان الحضور يمرون امام النعش ويأخذون دورهم للوقوف بجانبه كحرس شرف.

كان ستيفنسون في الستين من عمره عند وفاته، وشاهدت عددا من الحاضرين وهم يذرفون الدموع حزنا عليه. ولكن الغالبية العظمى لم تأت لتؤبن ستيفنسون بل للاحتفاء بحياة اسطورة رياضية.

أحرز تيوفيلو ستيفنسون الوسام الاولمبي الذهبي بالملاكمة مرات ثلاث في دورات 1972 و1976 و1980، واصبح رمزا للنظام الرياضي الكوبي. وجعلته قبضته اليمنى المدمرة ملاكما لا يقهر، واصبح بطلا للعالم عدة مرات.

ولكن عندما رفض عروضا بلغت قيمتها ملايين الدولارات الامريكية لمنازلة اسطورة الملاكمة محمد علي كلاي، اصبح كذلك رمزا للولاء للثورة الكوبية.

كان النزال بين محمد علي وستيفنسون سيصبح لقاء الاحلام بين اعظم ملاكمين للوزن الثقيل على الاطلاق، ولكن الرئيس الكوبي فيدل كاسترو كان قد حظر الرياضة الاحترافية باعتبارها مفسدة للرياضة.

وكان على ستيفنسون ان يهرب من كوبا، الامر الذي رفضه إذ قال إن محبة ملايين الكوبيين اهم لديه من الدولارات.

وقال فليكس سافون، تلميذ ستيفنسون وخليفته، والفائز هو الآخر بثلاثة أوسمة اولمبية "كان ستيفنسون ملاكما عظيما، وكان قدوة لنا جميعا. عندما اعتزل الملاكمة علمني كل الحيل التي كان يستخدمها، واصبحت هذه سر نجاحي."

لم تتح لي فرصة لقاء ستيفنسون في حياته، ولكن القصة التي رواها سافون تحكي قصة مشابهة لقصة حياته، فكلاهما ينحدران من اسر فقيرة واصبحا رياضيين بارزين. وكما الحال مع ستيفنسون، كان بامكان سافون ان يجني الملايين، إذ قال لي في مقابلة سابقة إن مبلغا يقارب 5 ملايين دولار عرضت عليه لمنازلة الملاكم بطل العالم مايك تايسون، ولما رفض ضوعف هذا المبلغ.

قال لي ذلك عندما كنا جالسين في داره المتواضعة، وقد عجبت كيف تمكن هذا الرجل الذي يعيل خمسة اطفال بتقاعد الدولة المتواضع ان يقاوم اغراء كهذا.

الا انه قال بفخر "لقد كنا نناضل من اجل قيمنا ومبادئنا وللدفاع عن بلدنا" الا انه اضاف "لم اكن سيد امري، فقد كان علي ان اهجر بلدي واسرتي لمنازلة تايسون، ولا يمكن للمرء ان يكون سعيدا بترك اهله ووطنه حتى لو منح كنوز الدنيا."

لذلك قرر سافون - كما قرر ستيفنسون من قبله - ان يظل في كوبا ويلاكم من اجلها.

شاهدت في غرفة صغيرة بمنزله براهين انجازاته والبطولات التي حققها، على شكل خزائن ملأى بالكؤوس والاوسمة وقفازات الملاكمة المستعملة.

ولكن عندما سألته عن اعز الجوائز التي احرزها اشار فورا الى الصور المعلقة على الحائط وقال "الصور الـ 27 التي تجمعني بفيدل كاسترو."

وكان كاسترو قد كتب شخصيا نعيا لستيفنسون نشرته صحيفة (غرانما) قال فيه "لم يلمع نجم ملاكم هاو في التاريخ كما لمع نجم ستيفنسون، فلم تتمكن اموال الدنيا من شراء ذمته."

ولذلك، لم تكن جنازته جنازة رياضي وبطل اولمبي فحسب، بل جنازة وطني كوبي من الطراز الاول، ولم تكن مفاجأة ان تقوم احدى الحاضرات بانشاد النشيد الوطني عندما انزل نعشه في القبر - ولا ان يشارك جميع الحاضرين في الانشاد.

وقال لي العداء الكوبي المعتزل البرتو خوانتورينا "كان دائما مصدر الهام هنا في كوبا، وسيصبح مصدر الهام اكبر من الآن فصاعدا."

واضاف، وقد بدأ المعزون بمغادرة المقبرة "سيظل تيوفيلو ستيفنسون حيا في قلوب الكوبيين، ولن تمحى ذكراه ابدا."