صراع الرياضة والسياسة عبر تاريخ البطولات الرياضية الكبرى

ميركل وبلاتيني في مباراة ألمانيا واليونان مصدر الصورة AP
Image caption المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حرصت على حضور مباراة منتخب بلادها ضد اليونان

ترتبط الرياضة بالسياسة بشكل وثيق جدا، فعلى سبيل المثال جرت مباراة ألمانيا و اليونان في ربع نهائي كأس أوروبا 2012 بينما تعاني اليونان من الصعوبات الاقتصادية والأزمات الاجتماعية جراء أزمة الديون

ويشعر اليونانيون بأنهم مقيدون من قبل الألمان في منطقة اليورو، وقد قارن بعض السياسيين هذا الضغط الألماني على اليونان بممارسات الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية.

ومثل هذه المقارنات أمر طبيعي في مجال الألعاب الرياضية وخاصة في اللعبة الأكثر شعبية في العالم وذلك بسبب أنها لعبة شعبية والمجال مفتوح فيها للتوقعات.

المباراة التي أقيمت على ملعب مدينة غدانسك البولندية لم تكن الأولى أو الأخيرة التي تمثل مواجهة سياسية واجتماعية بجانب المواجهة الكروية، لكن الذي يتغير هو مدى التأثير الذي تتركه مثل هذه المباريات.

وهناك شيء واحد مؤكد، وهو أن الرياضة قد تسبب قلقا تماما مثل السياسة، وكما قال الكاتب الأسباني مانويل فاسكيز مونتلبان: "الرياضة الجماهيرية تعد متنفسا للغازات السيئة الموجودة في بطن المجتمع."

النازية والفاشية

من الأمور المثيرة للاهتمام أن تتحدث قوى وتيارات مختلفة على تسييس الرياضة، أو بالأحرى وهي تدرك الطابع السياسي للرياضة.

وقال الكاتب الأسباني مانويل فاسكيز مونتلبان (1939-2003) في مقدمة كتابة الصادر عام 1972 "السياسة والرياضة": إن "اليسار ينتقد الرياضة بسبب أنها تميل إلى صالح اليمين، وذلك من خلال تحويلها إلى أداة للضغط القوي."

وقد تخلت الكثير من القوى اليسارية عن توجيه الانتقادات للرياضة في العقود الأخيرة وذلك بتشجيع من العديد من الشخصيات مثل مونتلبان، و وإدواردو غاليانو مؤلف كتاب كرة القدم بين الشمس والظل عام 1995.

وأرجع البعض هذه المصالحة بين المثقفين والرياضة إلى "الضعف الرسمي للفاشية".

وقد أدرك هتلر وموسوليني قيمة الرياضة في تعزيز الكرامة الوطنية وخاصة تجاه السلطات الحاكمة.

وقد عزز موسوليني موقفه من خلال الهيبة التي اكتسبها بعد حصول بلادة على كأس العالم مرتين في عامي 1934 و 1938، بينما أصبحت ألمانيا بطل الأولمبياد عام 1936 كرمز للتقدير ولقوة النظام الحاكم وقوة عقيدته.

وفي بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 1934 في ايطاليا، شارك موسوليني شخصيا في اختيار الحكام، وحضر جميع المباريات التي خاضها منتخب بلاده.

وفي هذه البطولة، فاز المنتخب الايطالي في المباراة قبل النهائية على النمسا مسقط رأس هتلر، بينما وقعت ألمانيا في الدور قبل النهائي مع النرويج، والتي احتلتها القوات الألمانية فيما بعد.

وقال جوبلز مسؤول الدعاية في النظام النازي "إن الفوز بمباراة دولية أهم من السيطرة على مدينة ما."

العنصرية

وفي أولمبياد برلين تمكن العداء الأمريكي الأسود جيسي أوينز من توجيه ضربة للعنصرية النازية ونيل أربع ميداليات ذهبية في مسابقات العدو مئة ومئتين و أربعمئة متر والوثب الطويل.

وفي رياضة الملاكمة، احتفى النظام النازي باللاعب الألماني ماكس شيملنغ الذي استطاع أن يهزم غريمه الأمريكي جو لويز عام 1936 بمدينة نيويورك.

واستفادت الأنظمة العسكرية في البرازيل والأرجنتين سياسيا من النجاحات التي حققتها في بطولات كرة القدم المختلفة.

الحرب الباردة

وخلال الحرب الباردة، أولت الولايات المتحدة وروسيا اهتماما كبيرا بتعزيز قدراتهما الرياضية كنوع من الدعاية لقوة بلادهما وذلك عبر إذاعة موسكو وإذاعة صوت أمريكا، وهذا ما يفسر جزئيا تغاضي السلطات الرياضية في الدولتين عن قضايا تعاطي المنشطات، وحتى في الحالات الأكثر وضوحا للعيان.

وكانت أبرز حالات التنافس بين القوى العظمى هي مقاطعة الولايات المتحدة وعدة دول غربية لدورة الألعاب الأولمبية بموسكو عام 1980 احتجاجا على غزو الاتحاد السوفياتي السابق لأفغانستان، وفي المقابل قاطعت موسكو دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجيلوس عام 1984.

ولعدة سنوات، أصيب المئات من اللاعبين بما وصفه البعض بالشلل الرياضي وذلك جراء التعنت من قبل واشنطن وموسكو بعدم المشاركة في هذه البطولات.

وخاضت الولايات المتحدة وروسيا حربهما الباردة في أيسلندا عام 1972 عندما التقي لاعب الشطرنج السوفيتي بوريس سباسكي ونظيره الأمريكي بوبي فيشر في مبارة شهيرة للشطرنج، والتي فقد فيها اللاعب السوفيتي لقبه العالمي.

وانعكس البعد السياسي للمباراة على اللاعب السوفيتي الذي تعرض بعد الهزيمة لموجة من النقد الإعلامي والشعبي حيث اعتبرت الهزيمة أمام لاعب أمريكي بمثابة مهانة للدولة بالكامل، مما دفع اللاعب في نهاية الأمر إلى مغادرة البلاد والحصول على الجنسية الفرنسية.

أمريكا اللاتينية

هناك أيام لا تنسى في تاريخ كرة القدم في أمريكا اللاتينية.

فأحد أعنف مباريات كرة القدم هو ما يعرف بمعركة سانتياغو في الثاني من يونيو/حزيران عام 1962 حينما واجهت تشيلي إيطاليا، وذلك في إحدى مباريات كأس العالم في تشيلي والتي فاز فيها المنتخب التشيلي على منتخب إيطاليا بهدفين نظيفين.

وتوصف هذه المباراة بأنها من أسوأ المباريات في تاريخ اللعبة نظرا للعنف المتعمد الذي شهدته بين لاعبي الفريقين والذي أدي إلى اصابات بالغة بين اللاعبين.

وهناك تقارير تقول إن نظام البطاقات الصفراء والحمراء ابتكر خلال هذه المباراة العنيفة.

وهناك ما يعرف باسم "حرب كرة القدم"، حيث وقعت مواجهات عسكرية بين هندوراس والسلفادور وذلك بعد سلسلة من المباريات بينهما في الفترة ما بين 6 و27 من يونيو عام 1969، وكان ذلك ضمن التصفيات المؤهلة لكأس العالم 1970.

وخلفت الاستباكات بين البلدين نحو ألفي قتيل.

وقال الصحفي البولندي ريزارد كابسينسكي، وهو أحد أعظم الصحفيين في ذلك الوقت بعد أن أوضح الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكرة القدم إن هذه اللعبة كانت فقط المحرك لهذا الصراع والتي استخدمتها الحكومتان لتبرير وتعزيز موقفيهما أمام شعبيهما.

وكانت هناك أيضا مبارة بين الأرجنتين والمنتخب الانجليزي في كأس العالم بالمكسيك عام 1986، والتي كان ينظر إليها الجمهور الأرجنتيني على أنها معركة للانتقام بعد حرب جزر الفوكلاند بين الطرفين قبل ذلك بأربعة سنوات.

وقد بلغت الرمزية الكروية مستوى غير متوقع من التحايل في هذه المباراة حينما قام النجم الأرجنتيني دييغو مارادونا بتسجيل هدفه الشهير بيده، وهو أشهر تحايل على الإطلاق في تاريخ كرة القدم.

المزيد حول هذه القصة