ماذا تعني آخر مباريات كأس العالم لكارهي كرة القدم؟

مصدر الصورة Getty

سيطرت كرة القدم على اهتمام الناس في الولايات المتحدة وكثير من أرجاء العالم. لكن كرة القدم لا تستهوي الجميع.

وتصف مراسلة بي بي سي، تارا ماكيلفي، الحياة خلال مباريات كأس العالم بالنسبة لمن لا يحبون هذه الرياضة.

سرعان ما ستنتهي فعاليات كأس العالم، حيث تجرى المبارة النهائية اليوم.

وبغض النظر عن هوية الفائز، سواء ألمانيا أو الأرجنتين، فهناك أمر واحد واضح، وهو أن كارهي كرة القدم سيحرزون فوزا. فلسان حالهم يقول إنه بعد أربعة أسابيع طويلة استغرقتها البطولة، لن نكون عرضة لهذه اللعبة.

معظمنا يلتزم الصمت بشأن وجهة نظرنا، لأن عدم الاكتراث بكرة القدم يبدو مثل كره الأطفال الرضع أو الجراء. وللعلم، أنا أحب كلاهما. كما لا أجد غضاضة تجاه من يلعبون كرة القدم. فهي لعبة جميلة، وبها تحديات فريدة من نوعها.

قال لي مدرب بناد لكرة القدم للشباب في العاصمة الأمريكية واشنطن إن "في كرة القدم عليك أن تركض، وعليك أن تفكر، وعليك أن تتحدث". وأنا معجبة بأي شخص يتمكن من القيام بالأمور الثلاثة في الوقت نفسه.

مصدر الصورة Getty
Image caption مشجعون أمريكيون يشاهدون مبارة بلادهم مع بلجيكا في كأس العالم

والمشكلة ليست في لاعبي كرة القدم أو في اللعبة ذاتها، لكن المشكلة هي المشجعون.

نشأت في مدينة كانساس سيتي، وبها فريق كانساس سيتي تشيفس لكرة القدم الأمريكية، وأيضا فريق كنساس رويالز للعبة البيسبول. وقضيت فترة طويلة من طفولتي على السجاد في الطابق العلوي بالمنزل عندما كان يجلس أبي وأشقائي على لمتابعة اللعبة.

كنت أدخل في حالة شرود ذهني. ويأخذ نبضي في التباطؤ وأشعر ببلادة شديدة. فهي تجربة لا تختلف كثيرا عن تناول مقرمشات أثناء مطالعة مجلة فنية، بل وأقل فائدة.

وعلى الرغم من ذلك، كنت أعلم أنه في مرحلة ما من حياتي ستنتهي اللعبة، وأن هذه الرياضات التي تعتمد على الجماهير هي جزء من مراحل التنشئة. لم أعتقد أنها ستكون جزءا من حياتي عندما أبلغ.

وبدأت مباريات كأس العالم. وأصبحت واشنطن، التي تبدو كمدينة أنيقة، مغمورة بكرة القدم.

مصدر الصورة Getty
Image caption 14 في المئة من المشجعين في الولايات كانوا يرون فرصة لإحراز البطولة

وكانت الأنباء عن فعاليات كأس العالم تصدر بانتظام، مثل تقارير النشرات الجوية. وكان جاري يعلق علم البرازيل على الباب. وكانت مباريات المونديال تعرض في المصاعد والحانات وسيارات الأجرة وفي أي مكان آخر به شاشة.

قضيت فترة الطفولة وأنا أدّعي الاهتمام بفريقي تشيفس ورويالز. وتبدو إضافة منتخب الولايات المتحدة إلى القائمة أمرا غير عادل.

وبالإضافة إلى ذلك، فلا وجه للمقارنة بين كأس العالم ونادي كرة القدم للشباب الذي كنت أشاهد مبارياته، وأستمتع بها، في واشنطن. فعلى النقيض، كانت المباريات الاحترافية مملة على نحو محيّر.

والخطأ لا يقع على عاتق اللاعبين. فطوال ساعات، لا يحدث شيء وأنت تشاهد "رقعة خضراء تتحرك ببطئ وتحتلها مجموعة نحيفة (من اللاعبين) لا يمكن وصفهم ويتعاملون بحماس مع نقطة بيضاء"، وذلك وفقا لوصف باري مورفي، الكاتب بصحيفة آيريش تايمز.

وهذا ما يصيب الجماهير بالهوس.

في يوم 22 يونيو/ حزيران الماضي، وصلت أنا وابني اكزاندر (15 عاما) إلى واشنطن على متن رحلة قادمة من مدينة كانساس.

وتوجهنا إلى مقهى في إحدى صالات الركاب بالمطار لكي نشاهد مباراة الولايات المتحدة أمام البرتغال.

مصدر الصورة Getty
Image caption نحو 24.7 مليون شخص شاهدوا مباراة الولايات المتحدة والبرتغال، وفقا لتقديرات

وكان عشرات الأشخاص يصرخون في يأس مكبوت. وانتهت المباراة بتعادل الفريقين بهدفين لكل منهما. ما الرياضة في ذلك؟ لقد شعرت بالملل.

وفي ذلك المساء بعث لي صديق رسالة قال فيها "آسف بشأن المباراة".

اعتقدت أنه خلط بيني وبين شخص آخر مولع باللعبة، وأدركت ذلك لاحقا بالفعل، لقد كان خطأ بسيطا.

ووفقا لمجلة "بيزنيس ويك"، شاهد المباراة أكبر عدد من المتفرجين في تاريخ مباريات كرة القدم بالولايات المتحدة.

وفي ظهر يوم مباراة الولايات المتحدة وبلجيكا، صرفنا مديري من العمل، حيث كنا نخطط لمشاهدة المباراة بعد مغادرتنا المكتب. أما أنا فقد تسللت بهدف أن أتجنب المباراة تماما.

لقد ملأني كأس العالم بالفزع، حيث لم تكن البطولة مملة على نحو قاتل فقط، وإنما أكثر من ذلك.

وأثناء تسللي، قابلت شخصا من قناة TF1 الفرنسية متوجها إلى المصعد. لقد كان نحيلا ويرتدي بنطالا ضيقا ويحمل حقيبتين على كتفيه وشعره مجعدا.

سألته "ألا تشاهد المباراة؟"

وأجابني "لقد شاهدت كل مباريات كأس العالم، باستثناء هذه المباراة". وأخبرني أن لديه قمصان عدة منتخبات في حقيبتيه.

وافترضت أنه كان لديه عمل في هذا الوقت، ومن ثم لم يستطع مشاهدة المباراة. لقد بدا منهكا ولذلك لم ألح عليه لمعرفة المزيد من التفاصيل.

وفي يوم مباراة ألمانيا والبرازيل، كانت هناك غمغمة خافتة في المكتب. ثم صاح الحشد بقوة، وقال شخص يجلس قريبا مني "لقد تم القضاء عليهم".

مصدر الصورة Getty
Image caption يتعامل كثيرون في أنحاء العالم بجدية شديدة مع كرة القدم

وبسبب الحزن على هزيمة البرازيل، تحدث زملائي بهدوء عبر المكاتب والأقسام المختلفة من قسم اللغة العربية حتى القسم المعني بشؤون الولايات المتحدة الداخلية.

وانتقلت الروح نفسها إلى مباراة هولندا والأرجنتين.

وقال شخص من القسم الفارسي إن "لقد انتهى الأمر"، بينما تأوّه آخر بريطاني.

أنا سعيدة لأن كأس العالم أوشك على الانتهاء، لكني أعلم أنه تسبب في أشياء طيبة، مثل أنه تسبب في أن يتحدث الأشخاص في مكتبي بلغة مشتركة خلال المباريات.

وأصبح الناس في نيويورك وواشنطن ومدن أمريكية أخرى يتشاركون الآن في حب اللعبة.

وكما قال ابني اكزاندر، فإن "الاتحاد كأمة واحدة لا يبدو بهذا السوء".

المزيد حول هذه القصة