كيف يمكن القضاء على الشغب بملاعب كرة القدم

مصدر الصورة PA

أثارت أعمال العنف في مباراة المنتخب الإنجليزي أمام نظيره الروسي ببطولة الأمم الأوروبية بمدينة مارسيليا الفرنسية - والتي أُصيب فيها أكثر من 20 شخصا - العديد من علامات الاستفهام بشأن كيفية منع أعمال الشغب في ملاعب كرة القدم.

تُرى، ما هي الأفكار المطروحة في هذا الصدد؟ وهل يُمكن أن تنجح؟

منع تناول الخمور

تحث الحكومة الفرنسية جميع المدن المستضيفة للبطولة على منع بيع الخمور في "المناطق الحساسة" بالقرب من الملاعب التي تستضيف مباريات البطولة، وذلك في يوم المباراة وعشيتها.

يأتي هذا بعدما حظرت مدينة لانس، التي تستضيف مباراة المنتخب الإنجليزي أمام ويلز يوم الخميس، تناول الخمور في الشوارع قبل إقامة أي مباراة بـ 24 ساعة.

ومُنعت الخمور من قبل، لكن ذلك لم يكن له التأثير المأمول. فخلال نهائيات كأس العالم عام 1990 في إيطاليا، اندلعت اشتباكات بين الشرطة ومشجعين للمنتخب الإنجليزي بعد منع بيع الخمور في مدينة كالياري، عاصمة جزيرة سردينيا الإيطالية.

وقال جيف بيرسون المحاضر البارز في القانون الجنائي بجامعة مانشستر والذي كان في مدينة مارسيليا عندما اندلعت أعمال الشغب "مثل هذه السياسة قد تثير ردود فعل في حقيقة الأمر".

وأضاف "الحظر لا يؤتي ثماره مع الكحول، لأن ذلك قد يثير غضب الجمهور أو قد يجعله يلتف على الأمر ويحصل على الكحول من مصدر آخر".

وأشار بيرسون إلى أن المشجعين الروس الذين هاجموا المشجعين الإنجليز في استاد فيلودروم بمدينة مارسيليا لا يبدو أنهم كانوا في حالة سكر.

مصدر الصورة AP
Image caption استخدمت الشرطة خراطيم المياه في مارسيليا قبل مباراة إنجلترا وروسيا

وقال "ما أوصي به هو أن تحاول الشرطة الفرنسية القيام بشيء حيال زجاجات الخمور التي تباع".

وأضاف "إنها تقوم بذلك بالفعل في مدينة مارسيليا، فالحانات لا تبيع الخمور في عبوات زجاجية ولكن في زجاجات بلاستيكية".

وبدأت المشكلة، بحسب بيرسون، يوم الجمعة وبالتحديد ليلة المباراة عندما نفدت الخمور من الحانات، وبدأ المشجعون يشترون الزجاجات من المتاجر، والتي استخدموها لاحقا كسلاح.

أما مارك لايتون، المؤلف المشارك لكتاب "اصطياد المشاغبون: القصة الداخلية لعملية البطاقة الحمراء"، فيرى أن حظر الخمور قد يكون مفيدا في بعض الحالات، لكنه لا يقضي على المشكلة من جذورها.

ويقول "المجرمون المتشددون ليسوا بحاجة إلى الخمور كي يتحفز سلوكهم".

بداية مبكرة للمباريات

الأمر المرتبط ارتباطا وثيقا بحظر الخمور هو سياسة تغيير موعد المباريات التي يزيد احتمال أن تشهد أعمال شغب بحيث تبدأ قبل الموعد المقرر بعدة ساعات. على سبيل المثال، إقامة المباراة منتصف النهار بدلا من الساعة الثالثة إلى بعد الظهر.

وتكمن الفكرة في تقليل الوقت المتاح لشرب الخمور أمام مرتكبي أعمال الشغب. وقد اقترح اتحاد الكرة الفرنسي هذه الفكرة كخطة محتملة.

لكن لايتون، الذي قضى 40 عاما في وضع خطط لمواجهة عنف كرة القدم في إنجلترا وقبرص، غير مقتنع بذلك.

ويقول "إذا كانوا عازمين على العراك، فسوف يفعلون هذا، بغض النظر عن موعد المباراة".

ويرى بيرسون أن التبكير بموعد المباريات قد يزيد من أعمال شغب المخمورين، إذ سيخرج المشجعون من الملاعب في الساعة الثانية ظهرا تقريبا.

ويقول "ربما سيرشبون الخمر طيلة 12 ساعة أخرى، حتى الثانية من صباح اليوم التالي"، وهو ما يؤدي إلى اندلاع أعمال عنف في وقت متأخر من الليل في مراكز المدن.

مدرجات خاوية

أقيمت مباراة مانشستر سيتي وسيسكا موسكو على ملعب الأخير في دوري أبطال أوروبا بدون جمهور بسبب العقوبات المفروضة على النادي الروسي نتيجة عدد من المخالفات، بما في ذلك ترديد هتافات عنصرية.

وواجهت أندية تركية نفس العقوبة بسبب سوء السلوك من قبل الجمهور واللاعبين.

ويعتقد لايتون أن منع الجمهور من حضور المباريات يعد "خيارا" متاحا في أسوأ السيناريوهات، عندما يكون متوقعا اندلاع أعمال عنف بين جمهور الجانبين أو يكون هناك أعمال عنف بالفعل في مناسبات قريبة. لكنه يرى أن هذا الإجراء يعد بمثابة عقوبة لـ"الغالبية العظمى" من الجمهور الذي يتصرف بشكل جيد.

ويتساءل بيرسون "ما الذي سيفعله الناس عندما تكون المباراة مذاعة على التليفزيون لكنهم ممنوعون من الذهاب إلى الملعب؟".

ويستطرد "(سكون خيارهم) الذهاب إلى الحانات. لم أسمع أبدا بأمر سخيف مثل فكرة أن تأخذ الناس من مكان المفترض أنه آمن ويُدار جيدا للذهاب إلى الحانات المنتشرة على نطاق واسع والتي قد يتحول المشهد فيها إلى العنف".

الفصل

مصدر الصورة AP
Image caption اضطر الجمهور الإنجليزي للهروب من هجوم المشجعين الروس

يقول الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم إن الفصل بشكل واضح بين مدرجات المشجعين – وهو إجراء طبيعي في الملاعب منذ سبعينيات القرن الماضي – قد "قلل بشكل كبير مشاكل سوء سلوك الجمهور في الملاعب".

وفي كأس الأمم الأوروبية 2016 ومباريات الدوري الإنجليزي الممتاز، ظهر ما يطلق عليه اسم "سائحو كرة القدم"، الذين يأتون للاستمتاع بالمباريات وليس لهم انتماء محدد، أو الذين قد يتغير انتماؤهم خلال المباراة الواحدة، بحسب بيرسون.

ويضيف "ينبغي أن تتسم أعمال الشرطة بالمرونة. ويجب أن نكون قادرين على وضع خط فاصل بين الجمهورين في وقت قصير".

تدريب الجمهور

مصدر الصورة Getty

جميع الأفكار التي ذكرت حتى الآن تتعامل مع أعراض المشكلة وليس أسبابها. ومع وضع هذا في الاعتبار، قرر نادي ستاندر ليغ البلجيكي في ثمانينات القرن الماضي تدريب الجمهور على اتباع سلوك مناسب وبدأ برنامجا يسمى "تدريب الجمهور".

وقلدت بلدان أخرى هذا البرنامج الذي يؤكد على احترام الفريق المنافس والحكم وتقبل الهزيمة بدون عنف.

ويطلق لايتون على هذا الأسلوب اسم "التحويل"، أي تعليم الشباب الذين يلعبون ويشاهدون مباريات كرة القدم التحلي بقيم أفضل. ويتضمن هذا البرنامج محاضرات من قبل لاعبين بارزين ومشاغبين سابقين ليقنعوا الشباب بأن العنف يؤدي إلى إصابتهم وإلى أن يكون لهم سجل إجرامي.

ويعتقد لايتون أن أفضل طريقة لتوصيل هذه الرسالة هي تطبيق القانون. وقد ألقي القبض على عشرين شخصا على خلفية أعمال الشغب في مارسيليا، لكن لايتون يرى أن هذا ليس كافيا.

ويقول "يفلت كثيرون من العقاب. كنت اعتقد أن كاميرات المراقبة ستمكن الشرطة من إلقاء القبض على عدد أكبر بكثير".

ويضيف "يجب أن تكون هناك عدالة ناجزة في هذه الحالات. يعتقد كثيرون من المشاغبين من جمهور كرة القدم أنهم لن يكتشفوا لأنهم ضمن عدد هائل من الجمهور، لكن يتعين علينا أن نثبت لهم أنهم مخطئون".

المزيد حول هذه القصة