حكم قرة قوش

كان ياما كان، في سالف العصر والأوان حكاية ليست للأطفال قبل النوم.

فالحاكم في الأصل خادم أعتقه صلاح الدين الأيوبي.. أوفدوه للملك المفدى إثر وفاة عم صلاح الدين أسد الدين شيركوه. وكان آنذاك يافعا من آسيا الصغرى انتقل لدمشق بعد فقد أبيه، واسمه بهاء الدين الأسدي. ولاه الأيوبي الكردي الأصل حاكما على مصر. اشتهر بالتركي من الألفاظ ، ربما تكريما أو تندرا أو الاثنين في آن معا.. فالقرة في بليغ التركية تعني الأسود الضراغم، والقوش هو الجارح من النسور.

يشاع في حكايا الرواة على الربابات أن قرة قوش فرض العمل على المحكومين ليلا والنوم نهارا، كان رجلا ظالما مجنونا إلى آخر ما أشيع عنه من مظاهر الجنون في الحكم حتى قام أحد غرمائه بتأليف كتاب سماه "الفاشوش في حكم قراقوش" تبعه ثان ثم ثالث من اختلاف الكُتّاب بالعنوان ذاته مع تغييرات طفيفة، بل وبلغ التعريض بالرجل الخلط بينه وبين آخرين من بينهم الحاكم بأمر الله الفاطمي، حتى انتهى المثل والتندر بالمصريين إلى ضرب المثل والعبرة بالحكام الظالمين وولاة الأمر المجانين حين يطفح الكيل القول: "هو حكم قراقوش؟!" لكن الحق وبعد بحث ليس بالكثير ولا بالمضن كي لا تجانبني الأمانة، فالرجل إلى حد بعيد يقف على مسافة محترمة من هذه التهويلات الشعبية المحببة. وفقا للجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب، وفي مقال معمق عن قرة قوش، كتب الأستاذ محمد خلف الرشدان، مستنداً إلى مصادر عدة أبرزها: وفيات الأعيان لابن خلكان، والبداية والنهاية لابن كثير، ودراسة "قراقوش" للدكتور عبد اللطيف حمزة، كتب ما يلي، وهنا أقتبس:

"وقد شارك قراقوش صلاح الدين في حروبه ضد الصليبيين، كما شارك في الفتوحات التي انطلقت تجاه المغرب العربي، وحقق فيها المسلمون انتصارات مهمة، وغنموا أموالاً كثيرة.

وقد أجمع المؤرخون على شجاعة قراقوش، وبسالته وهمته، إذ يقول ابن خلكان: "... ولما استقل صلاح الدين بالديار المصرية، جعله زمام القصر، ثم ناب عنه مدة بالديار المصرية، وفوّض أمورها إليه، واعتمد في تدبير أحوالها عليه، وكان رجلاً مسعوداً وصاحب همة عالية."

"وإضافة إلى قدراته العسكرية والسياسية، فقد كان لقراقوش منجزات معمارية هامّة، ما يزال بعضها حاضراً إلى اليوم في مصر، إذ أمر صلاح الدين وهو في غمرة قتاله مع الصليبيين بتحصين مصر، والقاهرة على وجه الخصوص بالقلاع والأسوار، وولّى على هذه المهمة، قراقوش، الذي أبدع في بناء سور القاهرة، وقلعة المقطم، كما أنشأ الجسور والقناطر والترع، مستفيداً من أساليب الفرنج في هندستها، ويروي الإمام ابن كثير في حوادث سنة٥٧٣هـ أن فيها، "أمر الملك الناصر (صلاح الدين) ببناء قلعة الجبل، وإحاطة السور على القاهرة ومصر فعمر قلعة للملك لم يكن في الديار المصرية مثلها ولا على شكلها، وولّى عمارة ذلك الأمير بهاء الدين قراقوش."

أما في أيامنا وعصرنا وأواننا هذا لقرة قوش حكاية أخرى. فهي مدينة كائنة في العراق شمالا. هي المدينة ذات الغالبية السكانية المسيحية الكبرى على الإطلاق، الواقعة حتى أيام خلت تحت سيطرة تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق. ١٥ كيلومترا جنوب شرق الموصل تقع قرة قوش. مدينة قريبة من أربيل الكردية.

مجلس الأمن اجتمع في جلسة طارئة من أجل هذه المدينة مرة، حين أعلن تنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية سيطرته عليها قبل عامين، بعد دعوة من وزير الخارجية الفرنسي، وعرض فرنسا بمباركة من المطرانية السريانية استضافة مسيحيي العراق على أراضيها آنذاك.

التقارير الحقوقية ترصد أعداد المسيحيين في العراق كمكون سكاني أصيل في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي بمليون وثلاثة من عشرة من المليون شخص، بينهم كان حوالي ٦٠٠ ألف في العاصمة بغداد وحدها. الطوائف المسيحية العراقية تشمل في كنائسها الكلدان، والآشوريين، والسريان، والأرمن. الفاتيكان صرحت بأن أعداد الكاثوليك العراقيين الباقين في البلاد لم تعد تجاوز ٣٨٠ ألفا.

الكنائس العراقية والمنظمات الحقوقية المعنية باضطهاد الأقليات أقرت في أكثر من تقرير منذ عام ٢٠٠٣ بحملات منظمة للتهجير القسري للمسيحيين الكلدان والآشوريين والسريان العراقيين منذ عام ٢٠٠٣، ومحاولات التغيير الديمغرافي بالقوة لمناطق تركزهم. تقارير أشارت إلى أن حملة أخرى للتهجير على يد تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية طالت مسيحيي الموصل فلم تُبق منهم سوى بضعة آلاف منذ عام ٢٠١٤. اتهامات متبادلة حاليا بين مطارنة الكنائس العراقية وعدد من النواب البرلمانيين بتحييد المكونات المسيحية العراقية وتجاهل وجودها، وبمحاولة تغيير الطبيعة السكانية لمنطقة سهل نينوى في حال طرد تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية من الموصل بالقوة لصالح المسيحيين أو ضدهم. اتهامات أخرى متبادلة بين تركيا بفرض تدخلها في معركة الموصل وتدريبها تركمانا وبيشمرجة في معسكر بعشيقة من جانب والحكومة العراقية وقوات الحشد الشعبي من جانب آخر بارتكاب انتهاكات منظمة ضد المواطنين السنة لتصفيتهم وتهجيرهم قسريا لمحاولة كل طرف تغيير ديمغرافية الموصل أيضا بالقوة لصالح السنة أو الشيعة كل من موقعه.

واتهامات للأكراد بموالاة تركيا والتركمان لصالح المكون السني مرحليا حتى تستقيم الأمور للأكراد العراقيين وصولا لتحقيق المشروع الكردي الإقليمي مستقبليا.

في هذا الأسبوع من بلا قيود، أحاور رئيس أساقفة السريان المطران اثناسيوس توما داوود في المملكة المتحدة عن تلاسن بينه وبين النائب العراقي يونادم كنا. أسأله عن دور رجل الدين في السياسية ومدى التداخل بين المجالين. لماذا ينخرط في تلاسن سياسي بالدرجة الأولى؟ أحاججه في تصريحات يونادم كنا وأطلب منه الرد عليها فيما يتعلق بسهل نينوى. وفي تصريحات مطارنة آخرين تتعلق بمطالبات دستورية حقوقية مسيحية. لماذا دعا إلى هجرة مسيحيي العراق إلى أوروبا؟ ألا يعد ذلك تفريغا للمكون المسيحي العراقي من البلاد وهو ما يؤثر على الطبيعة السكانية والسياسية العراقي؟ ألا يميز بذلك هو نفسه ضد مكونات سكانية أخرى ويعزز الفرز الطائفي الذي طالما شكا منه؟ ولماذا التمترس المسيحي في سهل نينوى والانعزال بالدرجة الأولى؟ أين يقف هو ومطارنة العراق بين حكومة كردستان العراق والحكومة المركزية؟ ما مدى التنسيق والانفصام بين الكنائس العراقية سياسيا؟

بلا قيود، الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي العربية.