الحدباء .. أم الربيعين

في ألفين وثلاثة كنت حديثة العهد بتقديم الجولات الإخبارية التي تتضمن مقابلات مع أطراف متعددة، من مراسلين ميدانيين لممثلي هذا الطرف أو ذاك.. أو ذاك أو ذاك..

كنت قارئة نشرات في إذاعة بي بي سي عربي وكانت لي - فيما قبل بي بي سي - خبرة متوسطة الطول بالصحافة المطبوعة. لكن غزو العراق جعل كل جنود الإذاعة (لم يكن لدينا تلفزيون حينها) يحملون سلاحهم ويصطفون تحت إمرة الحدث.

كان أمراً طازجاً عليّ أن أظل على الهواء لساعات وساعات بدلا من قراءة نشرات يقاس عمرها بالدقائق، وكان طازجاً أن أضطر لملء وقت الهواء أحياناً لحين تيسر الاتصال بالضيوف - بمعلومات أستدعيها من الذاكرة أو يمدني بها الفريق في غرفة التحكم أو يسعفني بها الكومبيوتر الذي زُودت به استديوهات بي بي سي عربي فقط بالتزامن مع ذلك الحدث الجلل.

لكن طزاجة كل هذا تضاءلت أمام صدمة أن أتحدث عن غزو بلد عربي كبير.. عن أناس عاديين مثلي أضحوا فجأة بلا ماء ولا كهرباء ولا مستشفيات ولا اتصالات ولا انتقالات، عن تفجيرات يسقط فيها قتلى وجرحى لا مجال لتسميتهم واحداً واحداً، بل يختزلون إخبارياً، ويا للقسوة، في أعداد وأرقام.. عشرة هنا، عشرون هناك، خمسمائة، ألف…

منذ ذلك الحين وبالذات عندما يتعلق الأمر بالعراق لا يبرحني ذلك الشعور ب"طزاجة" الموقف، لا يمكن أن آلف الحديث عن أوصال عراقية ممزقة سواء كان المقصود الرمادي أم الفلوجة أم تكريت أم الموصل. المألوف الوحيد هو ما رسخ يقيناً لديّ: أن كل عمل عسكري من تلك هو موجة مد ترتفع عاتيةً مصحوبةً منذ الثانية الأولى بألم وكُلفة ودماء وكَبَد ثم تنحسر كاشفة عن واقع جديد لا يشبه ما سبقه في شيء.

لم ينته غزو العراق بالإطاحة بالشرير وميلاد عراق جديد سعيد، ولن تنتهي على الأرجح عملية الموصل بالإطاحة بتنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية وعودة الحدباء أم الربيعين وفي ربوعها الأزهار والرياحين والحرية والأمن.. نتمنى هذا لكننا نعرف أنه لن يحدث أو - على أكثر التقديرات تفاؤلاً - لن يحدث بسهولة ولا بسرعة.

بالنسبة لتنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية ليست الموصل كالفلوجة ولا تكريت ولا دابق السورية، بل هي أغلى ما لدى التنظيم، منها ومنها وحدها أعلن زعيمه أبو بكر البغدادي إحياء "الخلافة" ودعى المسلمين لمبايعته خليفة.

أما بالنسبة للباقين فانظر كيف بسط الأكراد سيطرتهم على كركوك الغنية بالنفط والمتنازع عليها بينهم وبين بغداد تاريخياً بمجرد تراجع القوات العراقية أمام التنظيم في الموصل عام 2014.

ثم انظر كيف أصدر آية الله علي السيستاني فتوى الجهاد الكفائي فقط بعد سقوط الموصل في قبضة التنظيم - أيضاً في 2014- وهو ما تمخض عنه شرعنة وجود الحشد الشعبي المكون من فصائل معظمها شيعية وتقنين عمله تحت عباءة الدولة العراقية لأول مرة.

أنظُر لما سبق لتعرف أننا نتحدث عن واقع ما كان له أن يصير واقعاً إلا بسقوط الموصل في قبضة التنظيم. فهل يتصور أي أحد الآن أن دحره سيعيد الأمور على ما كانت عليه قبل ذلك؟

هل العودة إلى ما قبل "داعش" في الموصل خيار حقيقي؟

هل يعيد الأكراد كركوك مرة أخرى لبغداد ويقبلون الاحتكام للدستور العراقي في تحديد مصير هذه المحافظة طواعية هكذا؟!

وهل يفكك الحشد الشعبي نفسه بنفسه طواعية هكذا أيضا!؟

أستبعدُ ذلك.. وفي تصوري أنك مثلي، عزيزي القارئ، تستبعده.

ما قبل 2014 ليس كما بعد 2016 - إذا افترضنا أنها ستكون سنة هزيمة النتظيم في العراق.

أستمعُ لوزير الخارجية السعودي وهو يحذر من حمام دم قد يسيل إن دخلت ميليشا طائفية للموصل فيقشعر بدني مخافة أن يتحقق ذلك. ثم يومض سؤال في رأسي: لم لا تثق الرياض في تطمينات بغداد مراراً وتكراراً بأن الحشدٓ الشعبي لن يدخل المدينة بل سيكتفي بالعمل في الأطراف؟

وأشاهد الرئيس التركي وهو يقول لرئيس الوزراء العراقي "لستٓ ندّا لنا" وسنشارك في استعادة الموصل رغما عنك، فتنتبه حواسي الصحفية لحدّته غير المعتادة من الساسة ثم أتساءل: يقصد "استعادة الموصل" لأي طرف؟ إذ لا يمكن أن يكون الأتراك حريصين على استعادة الموصل لحكم بغداد لحد التلاسن مع بغداد ذاتها.

تناقضات كثيرة وأطراف متعددة تلتقي مصالحها في الموصل حينًا وتتقاطع أحياناً، وتعقيدات ميدانية وعسكرية تضمحل على ضخامتها لتصبح رمزاً بسيطاً عند مضاهاتها بالتعقيدات السياسية التي ينطوي عليها ملف الموصل. هذا، عزيزي القارئ، بعض مما نحاول أن نفككه في حضرتك خلال حلقة هذا الأسبوع من حديث الساعة. موعدنا الأربعاء 19 تشرين أول أكتوبر بعد موجز السابعة مساءً بتوقيت غرينتش.