مهمة مستحيلة

يقول أفلاطون إن الرياضيات هي الحقيقة الأبدية المجردة... وفي الواقع أنني لأول مرة أتفهم وجهة نظر الرجل، فاختزال الكون في أرقام يبدو وسيلة فعالة لتبسيطه.

وهنا ألفت عنايتك يا من قرأت للتو الجملة السابقة إلى أن كاتبتها ظلت طيلة حياتها تمقت الرياضيات وتعدها "مهمة مستحيلة" تنافس أقسى مهام توم كروز. لكن ما يدفعني الآن لإعادة النظر هو أنني بصدد تناول المشهد الليبي في حلقة هذا الأسبوع من حديث الساعة.

فأقسى المعادلات الرياضية تبدو في سهولة أحاجي الأطفال إذا ما قارناها بمحاولة سبر أغوار ما يحدث في ليبيا.

عندما نتحدث عن ليبيا تبرز بقوة تلك الحاجة الإنسانية لتبسيط الكون، وتبسيطاً إذن إليك فيما يلي بعض الأرقام عن ليبيا:

١ دولار إلا ثلاثين سنتاً هو ما يمكنك شراؤه بدينار ليبي يوم كتابة هذه السطور

٢ مليون برميل نفط أو أقل قليلاً هو ما يقول الخبراء إن بمقدور ليبيا إنتاجه يومياً في مقابل إنتاجها الواقعي والذي يتراوح بمائتي ألف برميل فقط (يقال إنه تحسن مؤخرا)

٣ هو عدد الحكومات التي تتنازع السلطة وتنفي كل منها صفة الشرعية عن الأخريين (اثنتان في الغرب وواحدة في الشرق)

٤ هو عدد التنظيمات العسكرية المسلحة بعد أن نجمع بعضاً منها تحت نفس المظلة (ككتائب الإسلام السياسي مثلاً)

٥ ملايين ونصف هو عدد النتائج التي يأتيك بها محرك البحث غوغل عندما تسأله ببراءة: من يحكم ليبيا؟

٦ ملايين ومائتا ألف هو عدد السكان في آخر إحصاء

٩ هو ترتيب ليبيا في العالم من حيث احتياطي النفط الخام والمقدر بــ٤٨ مليار برميل.

ضيوفنا يمثلون مواقف حكومات ليبيا الثلاثة والتي لا تحظى سوى إحداها بالاعتراف الدولي. كما يُحدثنا ضيف من بروكسل عن موقف المجتمع الدولي ولا سيما الغرب من ليبيا ما بعد القذافي... ويا له من موقف!

فاتفاق الصخيرات الذي أفرز حكومة ليبيا الشرعية الوحيدة تم برعاية أممية ودولية، ومع ذلك ثبت أن الفرنسيين والأمريكيين أيضا يدعمون قوات اللواء خليفة حفتر (في شرق البلاد) بقوات على الأرض. الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند نعى لأبناء وطنه مقتل جنديين فرنسيين كانا يقاتلان إلى جانب حفتر ولم يجد غضاضة في أن يشدد بعدها على دعم حكومة فائز السراج والتي تمثل النقيض الآخر لحفتر.

ثم هناك مواقف الدول العربية، هناك رؤية مصرية تناقض تلك الجزائرية، وهناك محور قطر - تركيا الذي يدعم غرماء من يدعمهم محور مصر - الإمارات، ورغم ذلك فكل الدول التي تتضمنها هذه الفقرة تعترف باتفاق الصخيرات وبحكومة فائز السراج، بل إن الجامعة العربية التي تضمهم جميعا هي الآن طرف أصيل في الترويكا التي تشكلت مؤخرا (مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي) لتسوية الأزمة في ليبيا.

وفي خضم كل تلك التعقيدات (التي تتوارى أمامها خجلاً معادلات الحساب والجبر والهندسة) يجد الليبيون العاديون أنفسهم في مواجهة واقع اقتصادي مظلم. أزمة في الوقود وأخرى في الكهرباء، طوابير لسحب النقد أمام المصارف التي ببساطة لا تمتلك السيولة الكافية لإعطاء الناس أموالهم، معدلات تضخم قياسية وتحذير متجهم من البنك الدولي مفاده: ليبيا على شفا انهيار اقتصادي.

يتساءل الليبيون، ونحن معهم: أين عائدات النفط الذي لم يتوقف تصديره رغم الصراع الذي وضع أوزاره مؤخرا في الهلال النفطي؟ ولِمَ لمْ يعين حتى الآن وزير للمالية وآخر للاقتصاد؟ وكيف حدث أن صار لليبيا محافظان اثنان للمصرف المركزي؟ وفي غابة الأسماء الكبيرة: السراج - حفتر - الغويل - الثني - عقيلة صالح والعشرات العشرات وراء الستار.. من مع من… ومن ضدَّ من؟

تلك كانت عزيزي القارئ مجرد لمحة مما نستهدف الحديث عنه في حلقة هذا الأسبوع من حديث الساعة. وتخالجني رغبة الآن بأن أستأذنك لأنفض الغبار عن كتب الرياضيات في مكتبتي والتي ظلمتُها طويلا.

موعدنا الأربعاء ٢ تشرين الثاني نوفمبر في السابعة وخمس دقائق مساءً بتوقيت غرينتش.