عدالة اجتماعية

مفهومان لصيقان: العدالة الإجتماعية المسماة أيضا بالعدالة المدنية، وتوزيع الثروات.

أما عن العدالة الاجتماعية، فهي نظام اجتماعي اقتصادي مركب. هدفه إحداث العدل بين طبقات المجتمع الواحد لدرء مخاطر الصراع الطبقي والشرائحي وتحقيق نظام عادل. وأما عن توزيع الثروات، فهو النسق الذي تختاره المجتمعات العادلة في معاملة أفرادها فيما يتعلق بتوزيع الموارد وتوفير حصة تشاركية لكل مواطن، ذلك العامل والآخر الذي يحصل على التضامن الاجتماعي إما كفالة وإما دعما.

المفهومان معا يستلزمان وجوبا: توزيع دخل المجتمع بالعدل، وإحقاق مبدأ تكافؤ الفرص.

ثمرة هذا النظام، المركب اقتصاديا واجتماعيا هي ما نطلق عليه: المجتمع المدني .

مفاهيم ومبادئ ومصطلحات أخرى ارتبطت شرطيا بمفهوم العدالة الاجتماعية على مر العقود، من بينها: "العقد الإجتماعي" ، "الاشتراكية"، "المساواة"، "حقوق الإنسان"، "حرية التجمع"، "حرية التظاهر"، "حرية التعبير"، "المساواة بين الجنسين" وغيرها كثيرا.

حركات شديدة الأهمية ارتبطت بمبدأ العدالة الاجتماعية حتى وإن سبقت نظرياته الحديثة أو تعريفه بالمعنى الآني من بينها: "حركات العمال"، "النُسوية"، "تحرير الصحافة"، "حركات حرية الاعتقاد"، إلى آخره.

ارتبطت الحركة اليسارية بسقفها الأعلى ومفهومها الأعم بمفهوم العدالة الاجتماعية. دون تشتيتك سيدتي القارئة وسيدي القاريء بين مقررات ومكتسبات وعثرات التاريخ الحافل للحركات اليسارية، أكتفي -اختزالا لا إخلالا- بالمبدأ العام الذي قامت على أعمدته جُل الحركات اليسارية في صيغتها الاجتماعية الأبسط. هذا المبدأ يتحدد جليا في العدالة والمنفعة العامة اقتصاديا، إعادة توزيع الثروات ومصادر الدخل بما يكرس تكافؤ الفرص بين أفراد أو شرائح المجتمع.

مفاهيم أخرى أكثر تفصيلا وأعقد ربما، قد تزرع مصابيح لحضراتكم على الطريق نحو فهم أعمق لمبادئ العدالة الاجتماعية ومحددات المجتمع المدني أتركها بين أيديكم لتبحثوا عنها إن أردتم: المساواة الاجتماعية، الإيثارية، تقييم الحاجات، السوق الأصولي، عبودية الأجر، والفروق المبدئية بين "العدل" و"المساواة" اجتماعيا.

الحركة العمالية:

ربما أكثر الحركات المنظمة ارتباطا بمفاهيم تحقيق العدالة الاجتماعية، والمحرك الأول احتجاجيا لتغيير ظروف العمل وإقرار حقوقه الأساسية.

تنظيم العمال أنفسهم لشكل حركات احتجاجية أو حقوقية تفاوضية تطالب أصحاب العمل، أو المؤسسات أو الجهات الحكومية بالقطاعات التي تشمل عمالا إلى تحسين أوضاع العمل والعمال، وإنفاذ التشريعات والقوانين الحاكمة للعلاقة بين العامل وصاحب العمل.

استلزم لتمثيل الطبقة العاملة في بدء الحركات العمالية المنظمة جهةٌ تمثيلية، فرد أو مجموعة أفراد منتخبين يتحدث أو يتحدثون باسم العمال. تطور المفهوم لصيغة "النقابة" وارتبط اسم كثير من الإصلاحيين في كل أرجاء العالم بالنقابات العمالية.

تفوقت النقابات منذ نشأة الحركة بصيغتها الحالية في إقرار حقوق أساسية للعمال تتعلق بالعطل، والحد الأدنى للأجور، والإجازات مدفوعة الأجر، والتضامن الاجتماعي، وتسنين العمال ومنع عمالة الأطفال وغيرها من الحقوق التي قد تبدو لنا في مجتمعات كثيرة مسلمات لا تستلزم النقاش، والواقع أن تضحيات كبرى ومعارك ضروس أودت بمصائر عمال كثيرين على مدى عقود، كي تُقر هذه المباديء وتؤخذ حقوقا أساسية لا مقايضة عليها.

حركتان نقابيتان عربيتان:

مثالا، لا حصرا. المصرية، والتونسية.

أما عن المصرية فتاريخها طويل، ونضالها لإقرار حقوق العمال وتغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي حافل. أختصرها تركيزا في علامات مهمة في تاريخ هذه الحركة بمفهومها الحديث، وأترك لحضراتكم التعمق في البحث إن أردتم:

بعد فرض الرقابة المالية على الحكومة المصرية في أعقاب حقبة محمد علي واعتماد وارثيه على رأس المال الأجنبي تعاظم الدين الخارجي، وتوالت التطورات الاقتصادية والسياسية وصولا لاحتلال بريطانيا مصر عام ١٨٨٢.

انخرط رأس المال الأجنبي ممثلا في الشركات والأفراد في دورة رأس المال في مصر، واتسعت الفجوة تدريجيا بين الشرائح الاقتصادية من جانب، وبين الأجور والأسعار من جانب آخر. إحدى أبرز التكوينات النقابية الواضحة في مصر تشكل في نهاية القرن العشرين وكان "نقابة عمال السجائر".

سلسلة من الإضرابات والمظاهرات قام بها العمال المصريون والأجانب في قطاع السجائر في عام ١٨٩٩، أدت تدريجيا إلى تحقيق مكتسبات من بينها، زيادة الأجور وتخفيض يوم العمل. انتهت الإضرابات ١٩٠٠ واستؤنفت عام ١٩٠٣، مع الصدام مجددا بين العمال وأصحاب المصانع لم تنجح هذه المرة في الوصول لنتيجة، لكنها أسفرت عن تشكيل أول نقابة مصرية حديثة ضمت عددا كبيرا من عمال السجائر.

تتبّع العمال في القطاعات الأخرى نجاحات نقابة عمال السجائر المتتالية منذ تأسيسها، ومكتسباتها بالضغط على أصحاب المصانع، فسار على دربهم عمال الترام في القاهرة، بل وتفوقوا عليهم، لتصبح نقابة عمال الترام صاحبة دور قيادي في الحركة النقابية المصرية.

قبل الحرب العالمية الأولى وثورة ١٩١٩، حاولت بريطانيا ضرب الحركة العمالية لتعاظمها، فاستنت القوانين ضد التجمهر والإضراب والتظاهر، وشلت الحركة لفترة، على الأقل علنا.

صعدت الحركة العمالية والعمل النقابي مجددا لتشارك في الحياة السياسية بشكل فعال مع ثورة ١٩١٩.

اصتدمت الحركة الوفدية في تطورها السياسي بالعمال في عشرينيات القرن الفائت، وتماوج الصراع بين الحكومات المتعاقبة والحركة العمالية حتى حدث أمر شكّل انتصارا للحركة وإقرارا لحق أصيل لم يخلُ منه دستور مصري حتى يومنا هذا: الحق في التظاهر.

حكمت محكمة الإسكندرية الكلية الأهلية في٢٤ فبراير١٩٤٠ للعمال بالحق في الإضراب، وجاء في نص الحكم:

"وحيث إن حق العمال في التوقف عن العمل فرادي أو جماعات حق مقرر قد سلم لهم به الشارع، فلا جناح على العمال إذا اجتمعوا وتشاوروا واتفقوا على أن مصلحتهم تقتضي عليهم الامتناع عن العمل وقرروا ذلك وعمدوا إلى إذاعة هذا القرار."

ثم حكم آخر صادر عن محكمة مصر الابتدائية الأهلية في ٢٠مارس ١٩٤٠ جاء فيه:

"ليس في نصوص القوانين المصرية حتى اليوم ما يوجب صدور قانون خاص بتكوين النقابات والجمعيات، كما لا يشترط صدور هذا القانون لاكتساب تلك الهيئات الشخصية المعنوية."

بنهاية الحرب العالمية الثانية احتل عمال النسيج مقدمة الصف في الحركة العمالية. طوروا العمل النقابي المصري وأكسبوه زخما. تفاعلت معهم النقابات العمالية الآخرى وتضامنت. وصل عدد النقابات إلى أكثر من مئة نقابة على الرغم من استماتة حكومة الوفد في الأربعينيات بقمع الحركة، وتشديد التشريعات الزجرية التي ربما أبرزها كان تخويل الحكومة حل النقابات إداريا وحظر تشكيل اتحاد عام للنقابات فيما عرف ب "قانون النقابات" عام ١٩٤٢.

أكبر الصدامات على الإطلاق في القرن العشرين بين السلطة والعمال جاء في أحداث كفر الدوار، حين قرر العمال إضرابا تزامن مع تولي "مجلس قيادة الثورة" زمام الحكم بعد حركة ١٩٥٢.

"في ليلة ١٢ أغسطس اعتصم حوالي خمسمائة عامل في شركة مصر للغزل الرفيع النسيج وأغلقوا المصنع على أنفسهم، ولم يكن لأي من الاتجاهات السياسية صلة بهذا الإضراب. بعد ذلك اشتعلت الحرائق في بعض المباني التابعة للشركة.

وفي فجر١٣ أغسطس وصلت قوات من الإسكندرية لمواجهة المظاهرات التي اندلعت عقب الاعتصام. كان المتظاهرون يهتفون بتأييد "الثورة" ومحمد نجيب ويطالبون بفصل بعض المسئولين لسلوكهم المهين والقمعي، وتكوين نقابة بالانتخاب الحر والعفو عن المضربين وزيادة الأجور.

وفي هذه الأثناء حدث إطلاق للنار من مصدر مجهول فأطلق الرصاص على المتظاهرين، وأسفرت الاشتباكات عن مقتل جنديين وشرطي إلى جانب أربعة عمال وإصابة الكثيرين. وعلى أثر ذلك اعتقلت السلطات العسكرية ٥٤٥ عاملا ووجهت إلى تسعة وعشرين منهم تهم مختلفة منها: القتل مع سبق الإصرار، الإحراق العمدي وتدمير الممتلكات، وسرقة أسلحة الشرطة ومقاومة السلطات. ثم عقدت محكمة عسكرية أصدرت حكما بالإعدام على العاملين مصطفى خميس ومحمد البقري، وتم تنفيذ الحكم على وجه السرعة وكانت آخر كلمات خميس "لقد ظلمت. أريد إعادة محاكمتي".

المصدر - دراسة: "النقابات العمالية المصرية" لروزا لوكسمبورغ

- كراسة الدراسات الاشتراكية

استمرت العلاقة بين الحركة العمالية المصرية والسلطة بين الشد والجذب، على الرغم من التفاعل العمالي المطرد سلبا وإيجابا مع الظروف والأنظمة السياسية على مر العقود، حتى وقع ما غيّر المشهد السياسي المصري برمته نتاجا تشاركيا قادته الحركة العمالية.

فى عام ٢٠٠٦، انطلقت مظاهرات لعمال الغزل في المحلة بعد إضرابات منظمة. نجح الإضراب واضطرت الحكومة إلى التفاوض مع العمال وتنفيذ مطالبهم: صرف مكافأة سنوية بواقع أجر شهرين تحت بند الأرباح.

لكنه كان مهدا للحراك الأكبر في ٢٠٠٨ وصولاً إلى ثورة الخامس والعشرين من يناير ٢٠١١.

تفاعلت تظاهرات أفضت إلى إضراب عام يوم ٦ أبريل ٢٠٠٨ مع إضراب عمال شركة المحلة. كانت المرة الأولى المسجلة في إضراب عام وتظاهرات عفوية، التي تداس فيها صورة للرئيس الأسبق مبارك. تمت الدعوة للإضراب العام في مصر تضامنا مع عمال المحلة في يوم ٦ أبريل، وتبنى مدونون وحقوقيون وناشطون سياسيون الحركة، لتتشكل نواة حركة شباب ٦ أبريل. تطورت الحركة وانبثقت عنها وإلى جانبها حركات سياسية من بينها حركة كفاية وتيارات وأحزاب منظمة شكلت نواة للثورة، ومحركا نحو مطالبها، من بينها "العدالة الاجتماعية".

قامت الثورة وتطورت الأحداث، ولا يزال الصدام قائما بين السلطة الحالية من جهة والنقابات المستقلة، ونقابات العمال من جهة أخرى. آخر حلقات الصراع محاكمة ١٣ عاملا بشركة ترسانة الاسكندرية البحرية، أمام محكمة عسكرية بتهم التظاهر والامتناع عن العمل. مطالبهم كانت تحسين أوضاعهم المالية وصرف أرباحهم المجمدة، وتحسين الخدمات الصحية المقدمة لهم وتحسين إجراءات الأمان، وإعادة تشغيل الورش المتوقفة عن العمل. أحيل ١٣ منهم إلى المحاكمة العسكرية قبل عدة أشهر.

أما عن الحركة العمالية التونسية، فلربما لا يُفت ومالك في المدينة. من النشرة الإلكترونية لجريدة الشعب - الصادرة عن أبرز التكتلات النقابية في تونس على الإطلاق - الاتحاد العام التونسي للشغل، أقتبس منها بالتصرف اختصارا.

ولدت الحركة النقابية التونسية بشكلها الحديث في عام ١٩٢٤، وجاء في جريدة الشعب ما يلي عنها:

"كانت تونس في فترة العشرينات من هذا القرن مستعمرة فرنسية ذات مستوى اقتصادي منخفض جدا. فالصناعة الحديثة كانت في وضع جنيني ، لم تكن هناك من صناعة قائمة غير الصناعة المنجمية التقليدية التي عمل المستعمر على تطوريها في جميع بلدان المستعمرات، وهي تشمل في تونس الصناعات الاستخراجية للمواد الآتية : الفسفات والحديد والزنك والرصاص، تقوم الى جانبها المنشآت الاخرى من بناء وصناعات غذائية وصهر حديد ونشر أخشاب وطرق نحاس وخياطة وتجهيز الملابس مع بعض المؤسسات التجارية (كهرباء وغازوماء) أما المواصلات فقد كانت على حالة من التطور النسبي. سيطرة الرأسمال الأجنبي على جميع المنشآت الاقتصادية على اختلاف أهميتها.

لقد دفعت الحرب الكونية الأولى الوضع الاقتصادي في تونس بشكل محسوس : اذ تضاعفت في الفترة١٩١٩ - ١٩٢٥ استثمارات الرساميل ثلاث مرات، رافقها تكوين شركات جديدة وازدياد عدد المنشآت من صناعات استخراج المعادن ازديادا ملحوظا . بلغ عدد هذه المنشآت ٥٨ منشأة في سنة ١٩٢٤ بينما لم يكن عددها يتجاوز ٣٧ في عام ١٩١٤"

"واكب هذا النهوض الصناعي ازدياد في عدد افراد الطبقة العاملة ."

"كان معظم العمال التونسيين في بداية السنوات العشرين ينحدرون من أصل ريفي فهم من حيث أصلهم فلاحون أو بدو ، وهم لذلك يشكلون جمهورا خاملا.

فالفقر والمواسم الرديئة والآفات الطبيعية المتكررة ومضايقات كبار الملاك تدفعهم الى هجر قراهم والنزوح الى المدن والى مزارع المستعمرين الفرنسيين، كما كانت ظاهرة التسول والتشرد متفشية في ذلك العهد."

"كان هؤلاء الريفيون الفقراء والأميون يخشون حياة المدينة . وهم يتعبون كثيرا في ايجاد عمل وخاصة بالصناعة، ولهذا السبب فان البطالة وان لم تكن متبلورة كظاهرة اجتماعية الا انها كانت موجودة بشكل مقنع . لذلك نجد المقاولين كثيرا ما يشتكون وبشكل مستمر من عدم توفر اليد العاملة بل ويذهبون في البحث عنها خارج البلاد".

"كانت توجد في سنة ١٩٢٤، ٥٢ نقابة شبه شرعية. ومنذ ١٩١٩ كانت فروع النقابات قد تجمعت في اتحاد اقليمي تابع للاتحاد العام للعمال C. G. T الفرنسي اما القيادة فقد كانت بيد اروبيين وخاصة بيد اشتراكيين يمينيين بزعامة دوريل Durel.

على الرغم من النزعة الاصلاحية التي كانت عليها نقابة دوريل فانها مع ذلك قد اصبحت تلعب دور مدارس حقيقية للتثقيف الطبقي . ولاول مرة سمع أولئك الرعاة والفلاحون بشعارات من نوع : تحرير العمل، الحرية، المساواة، التآخي."

"كانت السنوات الأولى التي أعقبت الحرب فترة نهوض للحركة العمالية في تونس، فحركة الإضرابات العمالية أخذت شكلاً جماهيرياً واسع المدى في السنتين ١٩١٩-١٩٢٠. شملت تلك الإضرابات أهم المؤسسات حيث يتوفر التنظيم العمالي الجيد. وطالب العمال بحقوقهم النقابية وبزيادة في الاجور وبتخفيض يوم العمل. جرفت موجة الإضرابات معها حتى عمال المؤسسات الثانوية وذات الأهمية المحدودة.

ففي سنة ١٩٢٠ اضرب كل عمال السكك الحديدية وعمال المناجم ومستخدمي الترمواي، وفي عام ١٩٢١ كان إضراب عمال مطاحن الحبوب إضراباً فعالاً بلغ حداً اضطرت معه السلطات للجوء إلى استخدام الإدارة العسكرية لجلب الدقيق من ميناء مرسيليا.

ومع أن العديد من هذه الاضرابات قد انتهت الى الفشل فان العمال قد سجلوا في عمومها نجاحا مهما . ففي صناعات التعدين والبناء والخشب والفخار في حضائر حفر الطرقات اجبر أرباب العمل على النزول عند رغبات العمال في تحديد يوم الشغل بثماني ساعات وبتسع ساعات للعاملين بالسكك الحديدية . أما حركة عمال المناجم فقد انتهت الى نتائج أقل ايجابية حيث بقى يوم العمل يتراوح ما بين ٩ و١٠ ساعات."

"اتسعت حركة الاضراب اتساعا كبيرا في مدينة بنزرت والمناطق المجاورة لها. ففي ١٥ أوت ١٩٢٤ أضرب عمال الميناء في بنزرت وما لبث ان التحق بهم في نفس الشهر عمال معمل الآجر «منزل جميل»، ثم عمال اعادة بناء ميناء بنزرت في ٤ ايلول . وانتشرت حركة الاضرابات فعمت عمال الزراعة في جبل الخروبة، وسائقي العربات بسيدي احمد. وجد المضربون دعما كبيرا من الشيوعيين المحليين (بتونس) وقد بلغ الاقتتال الطبقي اوجه حدة واحتداما في الحوادث التي جرت يوم ١١ ايلول ١٩٢٤ في مدينة بنزرت . ففي ذلك اليوم اعتقلت السلطات محمد خميري أمين فرع النقابة ببنزرت وفي المساء تجمع حشد غفير أمام بناية محافظ الشرطة، فتكلم الخطباء من فرنسيين وتونسيين ودعوا المتظاهرين الى عدم التفرق قبل اطلاق سراح رفيقهم . في تلك الساعة اطلق البوليس مع مجموعة من الجنود السنغاليين النار على المتظاهرين فأسفرت النتيجة عن مقتل عامل وجرح ستة وطرد محمد خميري من تونس."

" عرفت حركة تكوين النقابات الوطنية توسعا وانتشارا كبيرين خلال موجة الاضرابات، فبادر عمال رصيف ميناء تونس العاصمة الى خلق النقابة الاولى وعلى غرارهم حذا عمال بنزرت وفي الفترة ما بين شهر أكتوبر وديسمبر ١٩٢٤ تشكلت نقابات مستقلة في كثير من مؤسسات العاصمة كما عمت الحركة خلال شهري تشرين وكانون الأول اكثر مدن ومراكز الوسط والجنوب . فقد تأسست نقابات عمالية وطنية في كل من صفاقس وقفصة والمتلوي وسوسة وماطر وغيرها."

"في٣ ـ١٢ ـ ١٩٢٤ انعقد اجتماع للمندوبين النقابيين وتم خلاله المصادقة على النظام الداخلي للجامعة النقابية وعلى تكوين هيئاتها القيادية المتكونة من لجنة تنفيذية مؤقتة ومن لجنة دعاية واعلام. انتخب للجنة التنفيذية كل من محمد علي (آمين عام)وابراهيم بن عمار (أمين عام مساعد) ومحمد بن قدور (أمين مال) وبشير جودي (أمين مال مساعد) . وانتخب للجنة الاعلام كل من مختار العياري ومحمد اللابادي ومحمد الغانوشي والطاهر الحداد وبشير الفالح."

"ذكر محمد علي (…) بان النقابات التونسية قامت على نفس الاسس التي تعمل بمقتضاها الحركة العمالية وهي مفتوحة في وجه العمال الفرنسيين مثل التونسيين وان التونسيين مثل جميع الشعوب الاخرى لهم مطلق الحق في تكوين نقاباتهم الخاصة بهم."

تتطور الحركة العمالية التونسية وصولا إلى الاصطدام المباشر مع السلطة، وإحالة عدد من القيادات العمالية الأبرز للمحاكمان في عام ١٩٢٥:

"عرضت القضية على المحكمة العدلية بتونس واستمرت المحاكمة من ١٢ الى ١٧ تشرين الثاني ١٩٢٥ ، فأصدرت حكمها على ستة اعضاء من قادة الحركة ومن خلالهم حكمها على الحركة التي يمثلونها. فكانت احكامها كما يلي : عشر سنوات نفي خارج الوطن لكل من محمد علي والمختار العياري وفندوري، وخمس سنوات لكل من الفنوشي والكابادي وعلي القروي.

أبعد فندوري الى الجزائر ووضع تحت مراقبة السلطات هناك، ونفي الخمسة التونسيون الى ايطاليا . وقد توفي الجميع تقريبا خارج وطنهم اثناء نفيهم.

تسلل محمد علي من ايطاليا الى المغرب الاقصى لكي يقاتل مع ثوار الريف ، إلا انه اكتشف امره فتم ايقافه من جديد ثم تم طرده الى مصر . قضى فترة زمنية هناك زاول خلالها اكثر من عمل : القاء دروس في الاقتصاد السياسي في مدرسة الفلاح بالقاهرة، سائق سيارة نقل عام، سائق خصوصي لاحد الباشوات . ثم انتقل الى الجزيرة العربية وتوفي عام ١٩٣٦ في الطريق ما بين جده ومكة بحادث اصطدام سيارة.

بالرغم من ان فشل النقابة (جامعة عموم العملة التونسيين) قد انسحب بقوة على مجمل حركة التحرر الوطنية الا ان هذه التجربة كانت لها اهمية كبرى.

لقد استطاع محمد علي ومختار العياري والطاهر الحداد وبقية قيادة البروليتاريا التونسية الناشئة بتبنيهم الافكار الاشتراكية وبالاستفادة من تجربة الحركة النقابية في اروربا ان ينظموا العمال التونسيين، ولاول مرة ، وان يقودوهم الى خوض نضال من أجل مصالحهم الطبقية."

تأسس الاتحاد العام التونسي للشغل وهو المنظمة الأكبر والأبرز للنقابات العمالية التونسية في عام ١٩٤٦. جاء تأسيس الاتحاد بعد فشل محاولتين سابقتين لتأسيس منظمة نقابية وطنية هما جامعة عموم العملة التونسية الأولى في العشرينات ثم الثانية في الثلاثينات.

وكما الحال في مصر، كان حادث إشعال البائع الجائل البو عزيزي النار في نفسه يأسا من الحال وانعدام "العدالة الاجتماعية" من وجهة نظر الثورة التونسية مهدا لهذه الثورة، ومقدمة لقاطرة الربيع العربي في دولتين الحركة العمالية فيهما شريك أساسي في الحراك السياسي والمجتمعي، ومحرك أصيل للمجتمع المدني والحقوقي.

في بلا قيود هذا الأسبوع حاورت أول رئيس للاتحاد العام التونسي للشغل بعد الثورة حسين العباسي، عن حلقة جديدة من الخلاف بين النقابات العمالية والحكومة التونسية. حاججته في دفوع الحكومة ومسوغاتها فيما يتعلق بقانون ميزانية الدولية الذي يرفضه الاتحاد. ناقشته في مقترحاته المتعلقة بنظام الجباية، إصلاحا من وجهة نظر الاتحاد للوضع الاقتصادي، وتفاديا لمبدأ الاقتراض الدولي الذي تسعى إليه الحكومة. ما مفهوم حسين العباسي عن "الهدنة الاجتماعية" لوقف الإضرابات؟ وما رؤيته لصياغة اتفاق قرطاج؟ مالذي دار في حوار ٤+٤؟ ما أسس خلاف الاتحاد التونسي للشغل مع اتحاد الصناعة والتجارة، أحد شركائه في جائزة النوبل التي نالها رباعي تونس، ثم انفجرت بين قطبيه الخلافات. وما الصيغة لإقرار "العدالة الاجتماعية"، أبرز مطالب الثورة، وموضوع هذا المقال.

بلا قيود، الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش