اليمن السعيد

هكذا كان يسمى. اجتهدت في البحث عن أصل النعت.. فالتعاسة التي رأيتها ثقيلة كالجاثوم في عيني الأطفال في المشافي والملاجيء وبالقرب من الأنقاض في كل يوم أعمل وأكتب.. لا تغازل اللفظ ولا تحفظ له مقامه وموسيقيته أبداً.

في الكتب العربية العتيقة كتبوا عن أرض اليمن "العربية السعيدة". وفي الكتب السماوية رسخته التوراة بـ"مملكة الجنوب".

في رواية بحثت عن أصولها خُطّ أن اليمن سمي تيمنا بـ"أيمن بن يعرب بن قحطان"، ثم انقطع الأثر وتوارت الشروح.

ربما كما سطروا في العصر الإسلامي عنه "يُمنا" أو "يَمن" من التيمن بموقعه ومكانته حضارةً عميقة وأصيلة.. أرض تقبع على يمين الكعبة، قبلة المسلمين ومقصد تبرّكهم. أو كما يسميه البعض لا يزال "شام" أي الشمال واليمن في آن معا ما يجدر بنا اقتفاء أثره وعلته.

فماذا نذكر، وعم نتغاضى؟ الحضارة عريقة وقديمة قدم الحجر. والممالك توالت ثم توارت ولم يطمسها التاريخ. هي ذرات الغبار وانقلابات الزمن إذن، ككل حضارة وككل تاريخ قديم.

من سبأ لحِمير لحضرموت لمعين لقتبان.. تماوجات التاريخ لم تتوقف.. والحضارة اليمنية لا تزول.. فسبأ مثالاً لا حصراً.. حضارتها صلدة زهّرت بين الممالك والحضارات القديمة، مثلها كمثل مصر والصين والرومان، لقرون أينعت سبأ حتى ما قبل الميلاد. ثم معين.. وحضرموت وممالك متتاليات.

مأرب كانت مركز سبأ ودرتها. سدها قائم لايزال ولغتها المكتوبة أحرفا توارثتها البشرية تشهدان. من ذا الذي لا يتذكر ملكة سبأ والقصص عنها في الكتب السماوية؟

اليمن أصل الحضارة العربية وزينة قدمها. تاريخه بارز ومفخم رغم أنف الزمن ومن أرادوا به السوء من الطامعين.

والحديث والكلم بعيد كل البعد عن العواطف هاهنا. التاريخ واقع، والأيام تشهد.

هذا اليمن "السعيد" في أزمة.

حرب جديدة تمزقه وتقتل أبناءه. ليست الأولى ولكنها كاشفة. عمر الحرب قصير أمام صرح التاريخ في اليمن، عام ويزيد قليلا عن النصف عام. والحصيلة مخزية.

اليمن، الذي أكتب عنه اليوم، ليس ذلك السعيد المزدهر. ملايين من أبنائه يحدق بهم خطر الموت جوعا.. تبعات الحرب الأخيرة.

عشرة آلاف قتيل وما يربو على ٢٠٠ ألف شردتهم الحرب عن ديارهم، وثلاثة ملايين مشردون داخل وطنهم، والبقية تأتي.

في مقال سابق كتبت عن اتهامات كالتها المنظمات الإغاثية تتصدرها الأمم المتحدة لأطراف القتال، ومسؤوليتها عن المشهد المؤسف الحالي، هاكم الرابط لمقالي "قوائم بان السوداء"

هل بات اليمن على شفا كارثة إنسانية؟

الإجابة في مقال لبي بي سي يرصد الجديد لدى الأمم المتحدة:

وتقرير للزميلة سمية بخش يقترب أكثر من المشهد مؤلما كالجرح الملوث. واقع الحال دون تجميل. هذا يمني فقد ٢٧ من أفراد عائلته في خضم سعار هذه الحرب:

أما أنا، فاليمن أصبح واقعا ثابتا في يومي. كل الأطراف جلسوا أمامي وسألتهم. كل الأطراف سطر عنها قلمي. وأخيرا هذا الضيف. كان مسؤولا. وله حكاية. فالساسة بارزون ومسؤولون حينما نتحدث عن الحروب. المسؤولية تدفعهم إلى الواجهة، وتقسو في تقييمهم والحكم على ما فعلوه بهذه المسؤولية. هكذا الحال دائما وسيظل. التاريخ لا يرحم ولا ينسى. وتقييم هذا المسؤول أو ذلك في زمن الحرب عادة ما يُرجأ لحديث لاحق، لكنه حتما يأتي.

نحن، الصحفيون سخّرنا التاريخ وفوضتنا الشعوب لنسأل عنهم. لنحاسب عنهم. لنكون لهم عينا ولسانا. في الحروب، الصحفي أيضا مسؤول وفي عنقه أمانة. وياويل من سلم قلمه ولسانه لغير الحق والحقيقة.

خالد بحاح، المسؤول الذي عنه أكتب، نائب الرئيس - رئيس الوزراء السابق، قَـبِل أن يُساءل صحفيا. وأظن أنني قمت بواجبي.

في بلا قيود، أسأل السيد بحاح بأي صفة يجول في أوروبا، وباسم من يتحدث؟ هل هو رجل الإمارات أو أمريكا في اليمن؟ ما علاقته بأطراف القتال: التحالف الذي تقوده السعودية، الجيش اليمني، والحوثيين وعلي عبد الله صالح؟

أسأله عن تسريبات أخيرة نسبت له وأثارت لغطا. أسأله عن موقفه من ثورة فبراير. وعن مسؤوليته عن قرار الرئيس هادي إقالته. عن حصيلة القتلى والثكالى والمشردين وموقعه المسؤول حتى منتصف العام الجاري. أسأله أي دعم يلقى وما غايته؟ ولماذا لم يعد اليمن سعيداً...؟

بلا قيود - الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي