جراح الخضراء

بدأ كل شيء بتحريك إصبع.

ها هو الهاتف وها أنت تجلس قبالته: الرقم أمامك على الطاولة، كل ما عليك هو رفع إصبعك وكبس الأزرار. تحريتَ وقتاً تكون فيه بمفردك، وقد لا تتكرر الفرصة ثانية بسهولة. فهل تفعلها وتجري الاتصال؟

تسترق نظرة عبر النافذة. هي بحق "لَيْلَة مِنْ لَيَالِي الخَرِيفِ مُثَقَّلَـة بِالأَسَـى وَالضَّجَـر" على حد قول مواطنك؛ الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي.

نعم، أجريتَ الاتصال كما أجراه اثنان وستون ألف شخص غيرك، وسجلت بياناتك بما فيها ماهية الظلم الذي أصابك. لا يهم من الظالم، السلطة الحالية أم سابقتها أم سابقتها، إن وقع ظلم خلال النصف قرن المنصرم فسيسجلونه، هكذا قالوا. ولا يهم حتى إن كنت أنت المتضرر المباشر، فقد يكون الحديث عن ابنك أو أخيك أو أمك.

وعدوك باستدعائك ليسمعوك وجهاً لوجه وقد حدث. توجهت في الموعد المحدد وظللت تحكي وتحكي، ساعة، اثنتين، ثلاث، أكثر. ينصت لكلامك خبراء في القانون وعلم النفس والاجتماع. كيف تشعر الآن؟

ذات يوم قال الزعيم الجنوب أفريقي نلسون مانديلا: "يبدو الأمر مستحيلاً، إلى أن يُنجز".

جاهدتَ نفسك كي تُقدم على هذه الخطوة، ولكن الآن وقد فعلتها تريد أن تظل تتكلم لا يوقفك شيء حتى تُسمِع العالم بأسره. يجب أن يَعلم الجميع ما حدث، يجب أن تنسج كلماتك وعياً عاماً ببشاعة ما يمكن أن يحدث لو لم يتكلم أحد.

واليوم ها أنت ذا، تحقق لك ما أردت، ستتكلم فيصلُ صوتك مدىً لم تتخيله. مطلوب منك فقط أن تروي ما حدث، بالتفاصيل قدر الإمكان من أجل المصداقية.

كان مشهداً مهيباً أن يتجمع كل هؤلاء تحت سقف واحد في جلسات بثتها قنوات تلفزيون تونسية وأجنبية عل الهواء مباشرة، كان مبهراً أن يتم كل هذا تحت سقف مملوك - ويا للمفارقة - للسيدة ليلى الطرابلسي زوجة الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي. فعلى نادي عليسة تقاطر الناس ليستمعوا لمن عذبته الشرطة، لمن فقدت ابنها عقب صلاة الجمعة ذات يوم ثورة، لمن زجت في السجن سنتين فقط لأنها قالت لا للنظام.

لقد انضمت تونس لقائمة دول أبت أن تتجاهل صراعاتِها الداخلية لمجرد أن انتهت، دول كجنوب أفريقيا، الأرجنتين، بولندا، آثرت كلها ألا تغلق الجرحَ إلا بعد تنظيفه من كل ما يعتمل تحت سطحه.

لكن ليس الجميع سعداء. فرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان لم يحضروا أولى الجلسات العلنية، وأعضاء هيئة الحقيقة والكرامة المكلفة بالأمر يشكون من عدم تعاون السلطات معهم والذي يصل لحد "البرود" على حد تعبير أحدهم و"الصلف" على حد تعبير أحد الضحايا الذين أفادوا بشهادات.

كما أن هناك أصواتاً تعلو قائلة: ما الفائدة من نكء الجراح ونبش القبور؟ كيف السبيل للمصالحة ونحن نفتح ملفات - قديمة كانت أو حديثة. ماذا علينا من النظر للماضي، إنه المستقبل الذي يجب أن يظل نصب أعيننا. وبلغ الانتقاد حد وصف رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ما يحدث بالعدالة الانتقامية لا الانتقالية.

الجسر المهدم يمكن أن يرمم، الشروخ التي تشق أسفلت المدينة يمكن أن تلتئم، بإمكان خزانات المشافي أن تتكدس فيها الضمادات من جديد، حافظة نقود العالم المقفلة بإحكام يمكن أن تفتح قليلا ويخرج منها ما يسدد رواتب الناس، المصابيح المظلمة قد تنير، والصنابير الجافة قد تبتل، وعروق الشبكة العنكبوتية قد تنبض بالإنترنت مجدداً، لكن هل يخفق الأمل في قلوب لم تتصالح مع دنياها بعد؟

في حلقة هذا الأسبوع من حديث الساعة نتابع وإياكم مسيرة العدالة الانتقالية في تونس وهل تمثل تلك الجلسات العلنية الحل الأمثل من أجل طي صفحة الماضي. تابعونا الليلة الأربعاء الثالث والعشرين من تشرين الثاني نوفمبر في السابعة وخمس دقائق مساء بتوقيت غرينتش.