غزا، يغزو، "غاز"!

قامت الدنيا وانتفضت. ككل مرة تبرم إحدى الدول العربية اتفاقية سياسية أو اقتصادية أو أمنية مع إسرائيل.

أكون موضوعية حقا لو قلت إن الخطاب الشعبوي على طرف النقيض من التطبيع الذي تسير على نهجه باستحياء بعض الحكومات والأنظمة العربية مع إسرائيل. الرؤية الشعبية في مجملها ترى في خطوات إسرائيل للتطبيع والتماهي مع الدول العربية محاولات مستميتة للغزو والاحتلال. تارة بالاتفاقات التجارية، تارة بالعسكرية، تارة باتفاقيات الطاقة، وعلى تاجها الغاز، الذي أبرمت بشأنه عدد من الدول العربية اتفاقات مع إسرائيل تتجنب فيها الحوار المجتمعي وأحيانا حتى المصادقة النيابية.

الاتفاقيات الموقعة بالأحرف الأولى لا تعترف بحروف العلة! لا تقرأ بين السطور. لا تلتفت لما ليس محفورا بالخط الواضح الحرفي. والعقد شريعة المتعاقدين. والمتعاقدون راضون.

بعد ما تردد أخيرا عن اتصالات بين السعودية وإسرائيل، ونفاه أمامي عدد من المسؤولين والمتنفذين والمقربين من دوائر صنع القرار السعودي والمصري والإماراتي، تسربت ٫إلى الصحافة صور مسؤول سعودي سابق على درجة لا يستهان بها من النفوذ في زيارة لإسرائيل لم ينفها، ولم تتنصل منها المملكة. علل المسؤول السابق أسباب زيارته بما يتوافق مع الأجندة الفلسطينية والعربية، واقفا في خطابه الإعلامي عند حدود ١٩٦٧ كأرض محتلة من جانب إسرائيل.

ذهب محللون آخرون قبل هذه الواقعة إلى الربط بين جزيرتي تيران وصنافير في مدخل خليج العقبة، اللتين بموجب قرار وزاري قوبل بانقسام شعبي يعكس مدى الرضاء أو المعارضة للنظام القائم حاليا في مصر، تنازلت عنهما مصر للسعودية- ذهب المحللون إلى ربط هذا المسار بتطبيع استراتيجي يجري الإعداد له بين السعودية وإسرائيل، تلعب فيه مصر وتركيا دورا على مستويات سياسية واستراتيجية عليا، وهو طبعا الأمر الذي نفاه المسؤولون في البلدان الثلاث ولم تعلق عليه إسرائيل رسميا لا بالإيجاب ولا بالنفي.

رجل العَلَم

في أغسطس آب من عام ٢٠١١، أقدم شاب مصري لقب فيما بعد شعبويا ب "رجل العلم"، ولاحقا "سبايدر مان المصري" على تسلق المبنى المكون من عشرين طابقا، الحاوي للسفارة الإسرائيلية بالقاهرة بالطابق الأخير، خلال احتجاجات أمام السفارة، بسبب "تعدي" الجيش الإسرائيلي على مصريين داخل الحدود المصرية، ما أسفر عن مقتل عدد منهم وإصابة آخرين. طالب المتظاهرون بطرد السفير الإسرائيلى من القاهرة، واستدعاء السفير المصري من تل أبيب. وحاول عدد من المتظاهرين إنزال العلم الإسرائيلى. فصلت قوات من الشرطة والجيش المتظاهرين المبنى، فحاولوا حرقه بالألعاب النارية دون جدوى.

بعدها بيومين ولم تكن المظاهرات قد خبت، تسلق المصري أحمد الشحات - مواطن بسيط يعمل بناءا- المبنى، وقام بإنزال العلم على مرأى ومسمع من القوات بحسب شهادات العيان والمتظاهرين، ثم رفع العلم المصري.

هذا الحادث لربما يعكس قدرا لا يُغض عنه البصر من الكراهية وعدم القبول بين قطاعات من الشعوب العربية لإسرائيل على الرغم من الخطاب الرسمي المركز في خطابات المسؤولين وإعلام الدول وذلك التابع لبعض رجال الأعمال.

وفي أكتوبر تشرين الأول من عام ٢٠١٥، تكررت واقعة حرق العلم الإسرائيلي في القاهرة - هذه المرة أمام سفارة فلسطين. إذ أقدم عدد من الشباب المتضامنين مع حقوق الفلسطينيين على حرق العلم الإسرائيلي، وأطلق الشباب على الحراك "الانتفاضة الثالثة تضامنًا مع الاشقاء الفلسطنين"، أتبعوها بوقفة أمام نقابة الصحفيين المعروفة بمواقفها المتضامنة مع الشعب الفلسطيني بدورها.

وعلى ذكر النقابة، التي شهدت ضمن ما شهدت حوادث متكررة بهذا الشأن واقعة حرق أخرى للعلم الإسرائيلي وقعت في مايو أيار من هذا العام من قبل عدد من النشطاء خلال وقفة احتجاجية على سلالم النقابة، لرفض أي زيارات محتملة لوفود إسرائيلية إلى القاهرة. حُرق العلم، ورُفعت لافتات ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو. هذه الواقعة جاءت بعد إعلان القاهرة رعاية لقاءات بين الفلسطينيين والإسرائيليين لإحياء مفاوضات السلام بين الجانبين. لربما في ذلك وضوح لا تخطئه عين للهوة بين القرار الرسمي والشعبي ولو جزئيا في ظروف مشابهة.

القاهرة لا تحتكر الاحتجاجات الشعبوية ضد إسرائيل والتطبيع معها. مؤخرا في سبتمبر أيلول الفائت، بعد يومين فقط من تشكيل رئيس الوزراء الأردني هاني الملقي حكومته الثانية، خرج مواطنون أردنيون من مناهضي اتفاقية أعلنت عنها إسرائيل لشراء الأردن الغاز منها. لم يمهل المتظاهرون الرجل، خصوصا وأن البرلمان سبق وأعلن استحالة اتمام اتفاق كهذا قبل عام من تاريخ الإعلان. خرجت المظاهرات تطالب بوقف الاتفاقية ورحيل الحكومة ووصفتها بحكومة "التطبيع".

واكتفى الخطاب الرسمي الأردني بعد التسريب ثم الإعلان الإسرائيلي ببيان رسمي عن شركة الكهرباء الوطنية الأردنية التي وقعت الاتفاقية عن الجانب الأردني مع شركة Noble Energy الأمريكية، الشركة المطورة لحقل الغاز الإسرائيلي في شرق البحر الابيض المتوسط "ليفياثان"، معلنة أن الاتفاقية، وفقا للبيان، "توفر للمملكة تزويدها بنحو٤٠ بالمئة من احتياجات الكهرباء الوطنية من الغاز الطبيعي المسال لتوليد الكهرباء في البلاد، ووفر مالي يقدر بنحو ٣٠٠ مليون دولا سنويا".

الاتفاقية عمرها ١٥ عاما، بقيمة تقدر بعشرة مليارات دولار أمريكي.

حتى اليوم لو تخبُ المظاهرات في الأردن. حتى الخطاب الرسمي والسياسي انقسم، نواب برلمانيون يقفون بالمرصاد للاتفاق، معددين البدائل ومفندين دفوع الحكومة سياسيا ودستوريا، وآخرون يدافعون عن الاتفاقية والقرارات السيادية دون الدفاع عن إسرائيل، وإنما عن حصافة الحكومة والقصر الملكي، ودرايته بالصالح العام.

في حلقة هذا الأسبوع من بلا قيود، أدق وتدا في هذه الفجوة بين الخطاب الرسمي والشعبوي إزاء التطبيع مع إسرائيل، لأقيس وإياكم مدى عمقها واتساعها. أحاور النائبة السابقة في البرلمان الأردني ريم بدران، عن الاتفاقية والاحتجاجات عليها. أسألها عن المسار النيابي الأردني، والانتخابات البرلمانية الأخيرة. هل "نخبوية" بعض الكتل سبب في خسارتها؟ هل هناك انفصال بين الخطاب السياسي والرؤية الشعبية للقرارات واحتياجات المواطن؟ كيف ترى هي طرحا يذهب إلى عدم فاعلية البرلمان في مواجهة الدولة، بل واتساقه المطلق مع قراراتها؟ ولماذا تبقى مساحات الانتصار الانتخابي للإخوان المسلمين محفوظة على الرغم من وضعية الإخوان في المنطقة العربية؟

بلا قيود - الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي العربية.