هل تتعارض الحداثة مع التراث؟

كل يوم تتغير معالم مدننا . فالمدُّ العمراني يأكل تراثها . وهذا هو الحال في العديد من العواصم التي كادت أن تفقد هويتها العمرانية بحيث باتت تشبه أي مدينة حديثة أخرى ويمكن ان تكون هويتها العمرانية هي نفسها هوية أي مدينة أخرى غزتها الهندسة الحديثة التي تعتمد على الربح على حساب الهوية العمرانية.

ورغم التصنيف الذي تجريه بعض الوزارات المعنية منها وزارة الثقافة أو السياحة أو الإجراءات التي تتخذها بعض البلديات للحفاظ على بعض الأبنية القديمة وتصنيفها على أنها أبنية تراثية ممنوع هدمها أو المس بها فإن عمليات الهدم تتواصل، أولاً بسبب التراخي في تطبيق منع الهدم وثانياً لأن الحفاظ على الأبنية التراثية لا يقتصر على البناء نفسه إنما على ما يحيطه أيضاً.

فحصار الأبنية التراثية بأبنية شاهقة الارتفاع وعدم تنظيم الأحياء للحفاظ على المساحات العامة يُفقد هذه الأبنية التراثية الكثير من مبرر وجودها، وبما أن القليل القليل من الحكومات العربية يضع هذه الخطط فإن الحفاظ على الأبنية التراثية لن يصمد كثيرا خصوصاً وأن الخطط نفسها بحاجة لتمويل وأن الأبنية التراثية بحاجة لصيانة قد لا يكون صاحبها قادراً على إتمامها من دون دعم حكومي ؟

قد يعتبر البعض أن السؤال الجوهري اليوم ليس كيف نحافظ على الأبنية التراثية إنما كيف سنعيد ترميم تلك الأحياء التي دُمرت بالكامل او بشكل جزئي في مناطق الحروب الدائرة حاليا في أكثر من دولة عربية ، مثال على ذلك المدن السورية كحمص وحلب وغيرها وصنعاء وغيرها من المدن اليمنية ومدن عدة في العراق وليبيا . قد تكون بيروت التي دمرت الحرب قلبها نموذجا ولكن هل هي النموذج الأفضل لكيفية بناء مركز العاصمة الذي شهد انطلاقة الشرارة الأولى للحرب ؟

صحيح أن وسط بيروت أُعيد إعماره وفق الهندسة المعمارية التي كانت قبل دماره لكن المشروع الذي عُرف بمشروع إعادة إعمار العاصمة أو "سوليدير" أثار عند طرحه وما يزال الكثير من الإنتقادات لأنه أخرج تلك المنطقة من كونها منطقة لكل طبقات المجتمع وجعلها منطقة لطبقة من الميسورين بعدما انتزع الاملاك من أصحابها مقابل بدل قليل وجعل تصنيفها الأغلى على مستوى لبنان والأعلى على مستوى بعض العواصم العربية ما منع أصحاب الأملاك فيها من العودة إليها. وتقول المهندسة المعمارية منى الحلاق إن إعادة إعمار اي مدينة، إن لم تأخذ نسيج تلك المدينة الإجتماعي بعين الإعتبار، فإنها ستحولها منطقة بلا روح وهذا ما حصل في وسط بيروت . تابعوا ما قالته منى حلاق في دنيانا يوم الجمعة التاسعة مساء بتوقيت غرينتش وعند الحادية عشرة والنصف على إذاعة بي بي سي . وتابعوا أيضا في نفس الحلقة الفنان التشكيلي السوري محمد المفتي والعمارية السورية دانيا القباني والكاتبة العراقية رشا فاضل في نقاش حول الهوية التراثية لمدننا وكيفية الحفاظ عليها .