"مفتاح سر التاريخ"

دأبْتُ، منذ اخترت لنفسي حرفة الصحافة وواجبها، على البحث عن الأصول. من أين أتى هذا الخبر أو ذاك؟ وكيف وصلت القصة الصحفية إلى هنا؟ فلا خبر وليد يومنا ولا قصة مجهولة النسب.

أكم من قصص عملت عليها ضربت بجذورها في عمق التاريخ. والتاريخ حمّال أوجه. لكل طرف في كل قصة صحفية تاريخه وزاويته، ضيقة كانت أم موضوعية، ليس الخلاف هاهنا. الخلاف في التفاصيل، والشيطان الكامن أيضا.

قد تتحور أعين القراء والمتابعين إلى أداة مدربة على قراءة السطور وما بينها، لكن أعين الصحفيين، كالمؤرخين، مدربة على قراءة الأسطر وما بينها، وما وراءها أيضاً. نقرأ ما يحدث بعين مخروطية تسبر العمق وتستحضر التاريخ. المصدر والجهة والظرف، كلها تصقل الخبر بما تخفق الكلمات المجردة المصمتة من فضحه.

كثيرا ما خيل لي أن الكلمات أبرز أو أعمق أو أكثر سوادا، وحتى أسمى وأكثر نبلا كل في حين.

جرّبوا قراءة الأحداث والتاريخ بلغات مختلفة، يتغير روح النص في كل مرة. أعدكم.

منذ خرجت التظاهرات في دول الربيع العربي، أبت اللغةُ إلا أن تنقسم مثلما انقسم أهلها. ويؤلمني أن أقول انقسمت المصادر الصحفية كذلك. اختلفت المضامين باختلاف العين التي ترى، واليد التي تكتب، وتذيع وتصور وتبث. إلا فيما ندر، طعن الاستقطاب الجهات الصحفية في مقتل. أصابها سقم نرجو منه شفاءا.

سوريا قصة خاصة جداً. كلما تعقدت أمامي، أبحث عن أصلها. صحيح أن الأصول كثيرة ومعقدة كذلك، لكن كان لابد من نقطة بدء. اخترت مظاهرات العشرين شاباً، مهد الحراك في ٢٠١١. أصل قريب صحيح لكنه مباشر. واضح لا أذرع له ولا خلاف عليه. حركة احتجاجية كأخواتها في تونس ومصر وليبيا واليمن والسودان والبحرين. مطالبها محددة ومسعاها مباشر.

تطورت الحركة وتطورت أدواتي في متابعة القصة. اهترأتْ بين يدينا بحثا ونقاشا وتمحيصا وجدلا. لكن الأصل دائما غلاب. "الشعب يريد إسقاط النظام". رويداً رويداً تسلحت الثورة، ووقف ضدها النظام، وانفرطت الأمور عن أيدي الجميع. التقارير الحقوقية تتهم النظام السوري مباشرة بالمسؤولية، ولا تستثني المسلحين من قدر منها في حوادث نحفظها الآن عن ظهر قلب. كل طرف له حلفاء وكل حليف له أجندة. ثم هناك حلفاء الحلفاء والمستفيدون من التحالفات. تغيّر إيقاع القصة ومأساة المدنيين عند كل منعطف، بما ارتآه الحلفاء وحلفاؤهم. والنتيجة من دون مواربة: مئات الآلاف من القتلى والمشردين ومن تلفظهم أو تواريهم موانيء العالم وأيدي المهتمين. والمهتمون أنواع، بينهم التاجر والإغاثي والحكومي والمتطوع، وبينهم تجار القضية وتجار البشر.

لكن التاريخ يسجل. قلتها سلفاً، لحسن الحظ أو سوئه، الصحفيون لا ينسون وما نقيده يبقى.

في الصف مذاهب وأعراق وتواريخ أدق، تحت الخطوط العريضة. حماه وإدلب ودير الزور وجسر الشغور ودرعا ومضايا وحلب والرقة ودمشق. علويون وسنة ومسيحيون وشيعة. شركس وعرب وتركمان وأكراد. انتقوا ما شئتم وابحثوا عنه عميقاً وعلى مهلكم. فكل الخطوط ستلتقي في النهاية، لترسم لوحة فسيفساء تحولت إلى مأساة، اسمها الأكبر: سوريا.

اخترت هذه المرة، قصة الأكراد، أكراد سوريا. قرأت عن القامشلي وما تشهد عليه أحجار المدينة وأرصفتها، وعن ومشروع الوطن الكردي الكبير. عن العرق والحركة التي وُئدت في بداية التسعينيات من القرن الماضي.

ولتحديد الجزء، لابد من الابتعاد عنه قليلاً لتعيين الكل. خطوة واحدة إلى الوراء لرؤية أوضح. من هم الأكراد؟ ما أصلهم؟ وماذا يريدون؟ هكذا.. أسئلة مباشرة مبسطة لا حذلقة فيها.

وجدت فيما وجدت مقالا يجيب عن الأسئلة بذات الوضوح وبموضوعية. يذهب المقال المنشور قبل أعوام على موقع بي بي سي عربي على الإنترنت إلى التعريف بالعرق أولا، ثم سردية مبسطة للتواريخ المهمة:

ولما تقرأ، تفهم. وتعرف من أين تبدأ، حتى لو سرد النهايات أبناؤنا وأحفادنا فيما يلي من سنوات وربما عقود.

في الماضي القريب جدا، منذ عدة أشهر، أقدم تيار كردي سوري في صيغة حزب سياسي شُكل قبل عدة أعوام على إعلان إقليم يراه كل طرف حسب نسخته من التاريخ والسياسة. الحزب يرى فيه مشروعا فيدراليا، يختار فيه الأكراد تقرير مصيرهم بعد تخليص القاطنين في مدن هذا الإقليم من تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية، وتيارات المعارضة المناوئة، وقوات النظام. والنظام والحكومة السورية تراه محاولة للتقسيم، وإن أشارت أصابع اتهام إلى هذا الفصيل من الأكراد والنظام في آن معا بما يشي بالتقاء المصالح والأجندة المشتركة. النظام نفى وكذلك الفصيل الكردي. المعارضة تراه استئثارا من ذلك التيار بالسلطة في هذه المدن بقوة السلاح. وأنداد أكراد آخرون يتفقون مع رؤية المعارضة السياسية والميدانية السورية في ذلك ويختلفون في دعم المسعى النهائي لذلك الفصيل الكردي إذا نجح في تنفيذ المشروع الأكبر عن وطن كردي يبدأ من شمال سورية ويصلها بالعراق وتركيا في إقليم كبير، يضم أبناء العرق في الدول الثلاث. تركيا ترى في الإعلان تهديدا إضافيا لسيادتها، إذ هي بالمرصاد لأي مشروع كردي في المنطقة ولها في ذلك باع وتاريخ وبينها وبين رموزه دم. كل هؤلاء يقتتلون لدحر هذا الطرف أو ذاك، ويتسابقون للفوز بمدينة الباب بعد منبج حتى الموصل على امتداد الطرق في العراق.

قبلها عفرين وتل أبيض وكانتونات ثلاث ترسم ملامح هذا الإقليم في سورية، وصولا إلى الرقة، آخر معاقل تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية.

اليوم في بلا قيود، أسأل السيد صالح مسلم، المعلن عن هذا الإقليم "الفيدرالي" الكردي، الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا عن مشروعه وتبعاته. هو انفصال أم حكم ذاتي أم إعلان لفدرلة سورية من طرف واحد؟ هل هو حليف النظام؟ هل أجنداتهم متشابهة؟ كيف يفند اتهامات الأحزاب الكردية السورية غير المنضوية تحت مشروعه بالسيطرة على هذه المدن بقوة السلاح؟ وبأنه أصبح آلة اعتقال لمشروعه وللنظام؟ هل استفز تركيا كما قال قادة إقليم كردستان العراق؟ هل يقسم سوريا من دون استفتاء شعبي؟ ولماذا يأبى الاستفتاء العام ويرحب باستفتاء كردي؟ ما علاقته بالولايات المتحدة؟ وكيف استفاد من العشائر السنية، شمّر وقواتها الملقبة بالصناديد؟ وكيف استفاد من عمليات موسكو ضد الفصائل المسلحة في حلب وغيرها؟

بلا قيود - الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي عربي.