لا تسقط بالتقادم

"التاريخ لا يجب أن يُكتب في القصور".

ليست مقولة لفيلسوف فرنسي ولا لكاتب ألماني ولا لمؤرخ يوناني.. بل لعامل مناجم تونسي، ضمن ثمانية من المعنفين الثمانية.. الشهود الأحياء على وقائع التعذيب التي لا تسقط أبدا بالتقادم. بشير العبيدي أدلى بشهادته في جلسات الاستماع العلنية التي قررت الهيئة المستحدثة تحت مسمى "الحقيقة والكرامة" التونسية، لغرض توثيق حقبة الرئيس المعزول زين العابدين بن علي من وجهة النظر الحقوقية.

بشير العبيدي وابنه نقابيان، وقد قرر الاحتجاج في ٢٠٠٨، ولاقى ما لاقى حين قررت قوات الأمن إلقاء القبض عليه آنذاك لنشاطه النقابي، الذي عادة من وجهة نظر الدولة البوليسية يعد مشبوها ومعاديا للدولة و"الأمن العام" ويهدف لـ"هدم" دعائم "الاستقرار والسلم الاجتماعي".

دون الخوض في تفاصيل مؤلمة اعتدناها كصحفيين واعتدتموها معنا، ولأن التفاصيل تتعدد والبلدان تختلف والهم واحد، بدأت وتواصلت حفلات التعذيب على بشير وابنه. طبعا دون الحصول على "الاعتراف" المطلوب.

ثبتت عيناي أمام ما كنت أبحث عنه بين السطور الكثيرة الموجعة. كنت أبحث عن الإنسان، عن نقطة الانكسار التي أصبحت آلفُها، والتي يستهدفها القائمون على مسالخ التعذيب الجسدي والنفسي بالتحديد. ووجدتها. سكتة قصيرة بين جملتين، على الأرجح اختلجت عندها كلمات بشير فالتقطتها زوجته، أو عنتها لأنها النقطة التي غيرت حياتها معه للأبد. نقطة انكسار رجلي حياتها وحولتهما لشخصين آخرين لا تعرفهما. رجل آخر غير زوجها، وطفلها الذي عاد صغيراً وبحاجة إلى حماية. ليلى، الأم والزوجة. جملة قالتها ليلى وقفت عندها التحاما مع السيدة التي عذبوها أيضا دون أن تُمس.. عذبوها مرتين، في زوجها، وفي ابنها: "هدفهم هو إهانتك، كسرك من خلال أطفالك، من خلال أغلى ما لديك."

النديم

في مصر قررت ثلاثُ طبيبات في مجال العمل العام تفعيل الفعل الإيجابي باتجاه دعم ضحايا التعذيب. وعملن على تأسيس مركز النديم للعلاج والتأهيل النفسي لضحايا العنف والتعذيب. برز اسم النديم جمعيةً مصرية غير حكومية في عام 1993، كمركز رائد غير هادف للربح. في العام الأول بعد التأسيس اقتصر نشاط المركز على تأهيل ضحايا التعذيب نفسياً وتزويدهم بالتقارير الطبية القانونية عند الحاجة.

في ذلك الوقت وجد العاملون بمركز النديم صعوبة كبرى في استخراج الشهادات الطبية الخاصة بإصابات ضحايا التعذيب من مؤسسات رسمية مثل المستشفيات الجامعية والحكومية.

"في نهاية السنة الأولى، وعند تقييم العمل، أدركنا كأعضاء في فريق المركز أن عملنا مع التعذيب لا يكتمل بدون طرح القضية على الراي العام، وذلك عن طريق النشر والحملات وتحريك دوائر مجتمعية مختلفة ضد ممارسات خرجت عن السيطرة في العقدين الماضيين، وقد التزمنا بهذا الأسلوب في جميع أنشطتنا اللاحقة، سواء كانت متعلقة بالتعذيب أو بالعنف ضد المرأة أو أية مواضيع أخرى تمس الديموقراطية وحرية المجتمع المدني."

من موقع النديم الذي يقدم خدمات التأهيل والدعم القانوني والتأهيل النفسي لضحايا التعذيب في مصر بدون مقابل، والذي هو حالياً في خصومة مع أجهزة الدولة. بي بي سي كتبت وعملت على قصة الخصومة هذه في عدد من التقارير، ملخصها على موقع بي بي سي.

الأمم المتحدة عن التعذيب:

تنص المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على منع التعذيب وغير ذلك من ضروب سوء المعاملة. اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب في مادتها الأولى واضحة:

التعذيب: "أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحَق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يُشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث - أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرّض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها".

وينبغي التأكيد على أن هذا المفهوم لا يقتصر على الأعمال التي تشكل تعذيباً وغير ذلك من ضروب سوء المعاملة، بل يتعلق أيضا بالعقوبات التي تحمل نفس خصائص أعمال التعذيب. وبوسع المرء أن يدرك السبب وراء حظر هذه الأفعال إذا ارتُكبت في سياق التعذيب وغير ذلك من ضروب سوء المعاملة ولكنها مستثناة من الحظر إذا جاءت ضمن تنفيذ أشكال العقوبات المختلفة. وتنص المادة الثامنة من الميثاق العربي لحقوق الإنسان على "حظر تعذيب أي شخص بدنياً أو نفسياً أو معاملته معاملة قاسية أو مهينة أو حاطة بالكرامة أو غير إنسانية". وعليه فإن الميثاق العربي يحظر التعذيب وغير ذلك من ضروب سوء المعاملة ولكنه لا يشمل حظر هذا النوع من العقوبات.

من صفحة آمنستي بتصرف للاختصار

تعريف التعذيب والمعاملة السيئة وفقا للجنة الدولية للصليب الأحمر

لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة

في بلا قيود هذا الأسبوع سألتُ وزير الداخلية التونسي السيد الهادي المجدوب عن تعريفه للتعذيب. لماذا فرق بينه وبينه سوء المعاملة؟ لماذا لا يزال هناك شكاوي من التعذيب في السجون التونسية؟ ومن مسؤول عن ذلك؟ لماذا يُلقي بالمسؤولية على وزارة العدل؟ من مسؤول عن أمن الحدود التونسية؟ ما حدود التعاون بين وزارته والدفاع في هذا الشأن؟ كيف يؤمّن العائدين من سوريا والعراق كي لا تتكرر بـِن قردان وسوسة وباردو؟ مامفهوم الدولة لحرية التظاهر؟ وهل الحقوق تُمنح فقط للعاملين بالقطاع الأمني؟ ماحدود الخلاف مع الاتحاد العام التونسي للشغل؟ وماضمانات الخطة الأمنية لضمان سلامة المواطن التونسي؟ أين كانت المعلومات الاستخباراتية خيت وقعت عملية بن قردان؟

بلا قيود - الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي عربي.