"الأمن الوقائي"

لازلت أذكر كل ضيف من قادة حماس تقريباً حاورته بين عامي ٢٠٠٦- ٢٠٠٧ متحدثا إليّ عن "فظاعات" محمد دحلان وجهازه للأمن الوقائي كما وصفوها آنذاك.

كانت الألفاظ والاتهامات محددة وباترة. وأكاد أجزم أن المسألة جاوزت الاتهامات الفردية وارتقت لألفاظ من قبيل "الإبادة" و"التصفية". حماس وقادتها في قطاع غزة - والأمر ليس اجتهاداً أو سراً أو حتى تحليلاً - أشاعوا في كل وسيلة للنشر والصحافة تقريباً اتهامات واضحة لدحلان وجهازه الأمني بالسعي لإزالتهم والتنكيل بهم، وحمّلوه مسؤولية فظائع قالوا إنها تهدف للتخلص من خيرة رجالهم لصالح حركة فتح وزعامتها. الأمر الذي نفاه جهاز الأمن الوقائي وحركة فتح جملة وتفصيلاً، وامتد الخلاف بين الحركتين ليومنا هذا، وأخفق كل جهد للوساطة بين الحركتين، برغم بوارق أمل امتدت أصابع الوسطاء تشق لها المنافذ أحيانا داخل فلسطين وخارجها. ونالها من الثناء أو التقريع فلسطينيا ما نالها طوال سنوات عشر.

ينسدل ستار كثيف كـَليل الشتاء ويرتفع آخر، لنرى كيف أصبحت حماس تجاه غريمها القديم محمد دحلان. في الحادي والعشرين من الشهر الجاري ديسمبر كانون الأول، كسرت حماس قالب الثلج المتكلس عن المؤسسة النيابية الفلسطينية - المجلس التشريعي - لتكسر معه ما بدا أنه صمتٌ حُسب لها عن الصراع الفتحاوي الداخلي بين محمد دحلان، القيادي المغضوب عليه، المتمرد على رأس الهرم رئيس السلطة محمود عباس، وبين المؤسسة التقليدية، الراسخة إذا صح التعبير. حماس كسرت هذا الصمت بدعوتها لجلسة استثنائية للمجلس التشريعي، بعد موات دام لعشر سنوات تقريبا. يستجيب لدعوة حماس أعضاء من حركة فتح في قطاع غزة وآخرون. يحضرها أربعة عشر عضواً، وعضوان عبر الهاتف. يشكك البعضُ في قانونية الجلسة بسبب عدم دعوة الرئيس لدورة اعتيادية للمجلس، وبسبب العضوين المتصلين هاتفيا. يَعتبر آخرون أن صحة الجلسة تكمن في رمزيتها، وكَون المؤسسات الفلسطينية متداخلة أصلاً، أو معطلة حالياً بسبب استئثار السلطة التنفيذية بامتيازات وواجبات التشريعية على أي حال، لذا وجبت الوقفة ولزم رد قرارات الرئيس المتخذة دون الرجوع للمجلس التشريعي وتعطيله كل هذا الوقت.

المهم هو سبب الدعوة الاستثنائية على أي حال. السبب يا سادة "تدارس مدى قانونية ودستورية قرار رفع الحصانة عن بعض النواب بالضفة الغربية."

المحكمة الدستورية، كانت قررت رفع الحصانة البرلمانية عن خمسة نواب في المجلس التشريعي، تمهيداً للتحقيق معهم بعدة تهم بينها "اختلاس أموال، وتجارة أسلحة"، وهم النائب نجاة أبو بكر، وجمال الطيراوي، وشامي الشامي، وناصر جمعة، ومحمد دحلان.

مُثلث فتح - حماس - دحلان هذا لم يعد نظرية مؤامرة. فمن يدقق النظر في الفسيفساء السياسية الفلسطينية، يتعين عليه أن يدرس هذا المثلث جيداً. طبيعة التشابك بين الفصائل الفلسطينية ومحمد دحلان. طبيعة الصراع الشرس بين دحلان والمسار التقليدي لحركة فتح وصفِّها الأول، تيار محمد دحلان داخل فتح في الضفة وغزة. الخلاف داخل حركة فتح. التحسس الشديد داخل التيار الرسمي لفتح من مجرد الحديث عن دحلان أو خلافة الرئيس محمود عباس. التحور السياسي لموقف حماس من محمد دحلان، والتبدل من العداء والاتهام بارتكاب مجازر بحق قيادات وشباب الحركة إلى ما يشبه التحالف أو على الأقل التقارب السياسي لتشابه المصلحة، والتحالفات الإقليمية مع الأطراف الثلاثة كل بما يوافق مصلحة الأطراف الإقليمية ما يجعل مجرد التطرق لهذا الحديث أصلا شديد الاقتراب من دوائر التحريم.

على مدار العام ونصف الماضية حاورتُ أطراف هذا المثلث.

خضت في هذه الأمور مباشرة بلا مواربة.

حماس - عباس - دحلان

وفقا للترتيب الزمني:

خالد مشعل - رئيس المكتب السياسي لحركة حماس- حاكمة غزة ومشاكسة فتح:

د.محمود الزهار- عضو المكتب السياسي للحركة ذاتها، وجه حماس داخل غزة:

محمد دحلان - القيادي المفصول بأمر عباس من حركة فتح، الرافض للقرار والمناوئ للرئيس الفلسطيني:

د. ناصر القدوة - وزير خارجية فلسطين السابق عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، الذي تتناثر حوله التكهنات والدواعم لخلافة محمود عباس مؤخرا كما لم ينف هو ذاته اطلاعه على مايتردد، على الرغم من نفيه طرح الأمر على حياة عين الرئيس.

واليوم في بلا قيود أحاور رئيس الوزراء الفلسطيني د. رامي الحمد الله عن دور الحكومة الفلسطينية في هذا الصراع. كيف توائم السلطة التنفيذية باعتباره يعمل على إنفاذ ما يقرره الرئيس الفلسطيني بين أطراف هذا المثلث؟ كيف يحافظ على استقلالية هذه السلطة ويحل مشكلات الشعب الفلسطيني الذي لا تنقصه مشكلات؟ ماذا ينتظره والسفير الأمريكي الذي عينه دونالد ترمب قال باللفظ إنه يصبو للعمل من القدس عاصمة أبدية لإسرائيل؟ صحيح أنه مشهود له من صندوق النقد بالكفاءة الاقتصادية، لكن كيف يحيي الموات السياسي لعملية السلام؟ وكيف يعالج أزمات قطاع غزة وحماس تريد تغيير الحكومة وتتهمها بالتمييز ضد القطاع؟

بلا قيود - الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي عربي