لماذا "مستوطنون" وليسوا "سكانا"؟

لماذا اختُرع القانون الدولي أساسا؟ المنطق البشري في أبسط صيغه يقول إقرارا إن التحكيم الدولي قانون موضعي للفصل بين الأطراف غير المحلية في مواضع النزاع التي تستلزم البت من جهة لها صفة الاحتكام من قبل الطرفين أو الأطراف ابتداءا، والإلزام عند الحاجة لطرف أو أكثر بما يُمَكِّنُ ثانيا أو ثالثا أو كيفما اتُفق من حقه الأصيل حين يفصل في الأمر المتنازع عليه.

أما التعريف الدقيق قانونا، فكما فصله المختصون، قد ورد كما يلي على الموقع الإلكتروني لمحكمة العدل الدولية، المختصة بالفصل في النزاعات الدولية، والتابعة للأمم المتحدة: "هي الهيئة القضائية الرئيسية بالأمم المتحدة. وتتولى المحكمة الفصل طبقا لأحكام القانون الدولي في النزاعات القانونية التي تنشأ بين الدول، وتقديم الفتاوى بشأن المسائل القانونية التي قد تحيلها إليها هيئات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة."

من ذلك نرى أن القانون الدولي في هذا السياق هو المادة التي بها يُفصل في هذه النزاعات من خلال القنوات الدولية والمؤسسات المحتكم لها. ومن بينها، مثالاً لا حصراً، محكمة العدل الدولية، محكمة الجنايات الدولية، محكمة الجزاء الدولية، المحاكم الخاصة المشَكَّلة للبت في ظروف تاريخية أو جرائم بعينها، إلى آخره…

لكنني اليوم معنية بكيان أممي ناله ما ناله من انتقادات واستحسانات الجميع. فلطالما أصابَنا في مرات غير قليلة بخيبات أمل لم تكن بالهيّنة، وأحيانا بنصرات قوية، هذا الكيان ياسادة، ذراع الأمم المتحدة الطائل ومخلبها العسكري: مجلس الأمن. المجلس الذي له أصابع خمس، خمس دول لها حق النقض، لو انثنى أحدها بطلت قوة اليد. وإن امتنع أصبع منها عن الخرمشة، لم يصب المرمي بالضربة. أكَمْ من قرار انتظرناه ولم يخرج، وأكَمْ من قرار خرج مائعا مهيضا، كأن لم يكن. أكَمْ من مسودة عدلَتها - أو قولوا قلبَتها- مصالحُ اللاعبين وغيرت منها الصياغة. أكَمْ من بيان ختامي خرج كما لم يدخل المضبطة. أكَمْ من لقاءات ثنائية غيرت فحوى تلاوات ختامية، وكَمْ انتظرنا ما لم نتوقع، وكم توقعنا ما لقينا في النهاية، وأكَمْ من نهايات لم تجف، سطرتها بدايات بأقلام جافة باردة. ونحن - الصحفيون - على كل قصة شهود، وفي كل رواق كنا حدقاتكم وأقلامكم وذاكرتكم التي لا تموت، وكذا كان القانون الدولي.

للمستوطنات الإسرائيلية ومجلس الأمن حكاية طويلة.

منذ أُعلنت إسرائيل دولة في عام ١٩٤٨. فيما يلي بعضا من نص ما نشرته إسرائيل تحت مسماها "وثيقة الاستقلال" :

"وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني عام 1947 اتخذت الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة قرارا ينص على إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل وطالبت الجمعية العمومية للأمم المتحدة أهالي أرض إسرائيل باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتنفيذ هذا القرار بأنفسهم. إن اعتراف الأمم المتحدة بحق الشعب اليهودي في إقامة دولته غير قابل للإلغاء. إنه لمن الحق الطبيعي للأمة اليهودية في أن تكون أمة مستقلة في دولتها ذات السيادة مثلها في ذلك مثل سائر أمم العالم."

قرار مجلس الأمن الأشهر ٢٤٢ - ودرس الدقة في الصياغة درس تعلمه الجانب العربي كما يقولون بالإنكليزية the hard way. إذ تخبطت الحقيقة أعواما وربما لا تزال في أروقة القنوات الدولية خلف السفسطة حول حرفين! الألف واللام. أي والله يا سادة… حرفان تسببا في متاهات لربما بسببهما، وفكرة "عبقرية" من وجهة نظر إسرائيل و"شيطانية" من وجهة نظر العرب، من ورائهما نشأت فكرة الاستيطان والمستوطنات حتى يومنا هنا.

رويدا رويدا..

أما عن الدرس فكان القرار ٢٤٢، إذ إنه في عام ١٩٦٧، طلبت مصر في السابع من نوفمبر تشرين الثاني عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن الدولي للنظر في أزمة الصراع العربي الإسرائيلي بعد هزيمة الخامس من يونيو حزيران. بالفعل اجتمع المجلس بمشاركة سوريا والأردن وإسرائيل في مناقشات المجلس، وتقدمت عدة دول بمشاريع كان أهمها مشروع للولايات المتحدة وآخر لبريطانيا. وتضمن القرار رقم ٢٤٢ والذي صاغه اللورد كارادون في٢٢ نوفمبر تشرين الثاني ١٩٦٧ المبادئ التي طرحها الرئيس جونسون في ١٩ يونيو حزيران، وأقِر المشروع بالإجماع. وأصبح معروفاً بالقرار ٢٤٢.

الفقرة الأشهر في القرار هي: "إقرار مبادئ سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط. إن مجلس الأمن إذ يعرب عن قلقه المستمر بشأن الوضع الخطير في الشرق الأوسط، وإذ يؤكد عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب، والحاجة إلى العمل من أجل سلام دائم وعادل تستطيع كل دولة في المنطقة أن تعيش فيه بأمان وإذ يؤكد أيضاً أن جميع الدول الأعضاء بقبولها ميثاق الأمم المتحدة، قد التزمت بالعمل وفقاً للمادة ٢ من الميثاق، يؤكد أن تطبيق مبادئ الميثاق يتطلب إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط ويستوجب تطبيق كلاً من المبدأين التاليين: • انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في النزاع الأخير. • إنهاء جميع ادعاءات أو حالات الحرب واحترام واعتراف بسيادة ووحدة أراضي كل دولة في المنطقة، واستقلالها السياسي وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها، حرة من التهديد بالقوة أو استعمالها. ويؤكد أيضاً الحاجة إلى:

1. ضمان تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.

2. ضمان حرمة الأراضي والاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة عن طريق إجراءات من بينها إقامة مناطق مجردة من السلاح.

3. يطلب من الأمين العام تعيين ممثل خاص ليتوجه إلى الشرق الأوسط كي يجري اتصالات بالدول المعنية ويستمر فيها بغية إيجاب اتفاق، ومساعدة الجهود لتحقيق تسوية سلمية ومقبولة وفقاً لأحكام هذه القرار ومبادئه.

4. يطلب من الأمين العام أن يرفع تقريراً إلى مجلس الأمن بشأن تقدم جهود الممثل الخاص في أقرب وقت ممكن."

أقول الأشهر فضلا عن تبنيه بالإجماع لأن ثائرة ثارت بسبب اختلاف تأويل النص الانجليزي وصياغته عن ذلك العربي لعقود. فقد رأت الترجمات العربية والفرنسية والروسية والإسبانية أن عبارة "انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في النزاع الأخير" هي بالضرورة معرفة بالألف واللام أي ب"ال"، بالتالي تعني نصا من "كل" الأراضي التي احتلتها في حروب عام ١٩٦٧، وإن كانت لا تزال ترى في النص إجحافا لأنه يتجاهل كل ما سبق ذلك منذ أوائل القرن العشرين وحرب عام ١٩٤٨، لكنه على الأقل واضح فيما يتعلق بحرب عام ١٩٦٧ وما بعد، بينما رأى الجانب البريطاني- واضع النص - والأمريكي والإسرائيلي أن القرار ينص على الانسحاب من "أراض" بدون التعريف بالألف واللام، أي من "بعض" الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حروب عام ١٩٦٧ في الأراضي الفلسطينية ومصر والجولان، بالتالي ليس الأمر ملزما بالنسبة لكل الأراضي. والخلاف لا يزال قائما إلى يومنا هذا.

القرار ٢٤٢ لا يقف منفردا.

لا لا يقف منفردا. فالقرارات توالت بعد هذا القرار "الملتبس" إذا كان بالفعل ملتبسا. قرارات أخرى أعقبته لا لبس فيها البتة. القرارات ١٨١، ٢٢٥ مثلاً تؤكد تصريحاً:

•انسحاب إسرائيل من الأراضى التى احتلتها عام ١٩٦٧.

•السماح بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

•حق عودة اللاجئين الفلسطينيين.

•إخلاء المستوطنات الإسرائيلية من تلك الأراضى المحتلة بتوصيف القانون الدولي توصيفاً لا لبس فيه.

القرار٢٣٣٤:

قرار مجلس الأمن الأخير أوضحُهم جميعا وأكثرُهم إدانة إسرائيل. القرار يسمي المستوطنات "غير مشروعة" بلغات عربية وإنجليزية وبكل اللغات. ويسمي الأراضي الفلسطينية "محتلة". وجاء بموافقة ١٤ عضوا في مجلس الأمن. وامتتعت الولايات المتحدة عن التصويت عليه في خطوة نادرة لكنها ليست غير مسبوقة. القرار يساوي بين الوحدات الاستيطانية المنعزلة والتجمعات الاستيطانية في القدس الشرقية المحتلة. وجاء وفقا للفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة الذى لا يتضمن فرض عقوبات اقتصادية أو عسكرية فى حالة مخالفته من جانب إسرائيل. لكنه يمكن أن يؤدي بإسرائيل إلى محكمة الجنايات الدولية لاحقا في حال تحريك دعاوى بشأن "جرائم في المستوطنات" باعتبارها مناطق محتلة ومخالفة للقانون الدولي.

من أين جاءت فكرة الاستيطان؟

من مستشار لأرييل شارون. وثائقي إسرائيلي بعنوان "القانون في هذه الأنحاء" The Law in These Parts للمخرج التقدمي الإسرائيل رعنان ألكسندروفيتش Ra'anan Alexandrowicz يتحدث في أحد أجزائه عن فكرة ابتكرها قاض ومستشار لأرييل شارون سماها "الأرض الموات"، وهي في الواقع مستوحاة من القانون الأردني. الفكرة تخول للدولة التصرف في الأراضي الزراعية التي يموت زرعها وتصبح بورا بإقامة استراحات أو تسكين خفراء لحراستها مؤقتا. ولع شارون، وفقا للفيلم بالفكرة، ونفذها في أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، حتى انتهى الأمر بالخفراء أسراً وعائلات "تستوطن" أراضي ومنازل إما هجرها أصحابها عام ١٩٤٨، أو هُجّروا منها لتوطين إسرائليين محلهم. نمت كانتونات إسرائيلية، وفقا للرواة في الفيلم، محل الفلسطينيين، وتطورت فكرة الاستيطان إلى وحدات ومستوطنات. وحكم القضاء العسكري للمستوطنين بالبقاء كلما استشكل السكان أمام القانون في هذه المناطق باعتبارها "أراض موات" - رابط لموقع الفيلم:

في حلقة هذا الأسبوع من بلا قيود ساجلت رئيس بلدية القدس وعمدتها الإسرائيلي نير بركات عن قرار الحكومة الإسرائيلي الأخير ببناء وحدات استيطانية جديدة بعد تولي دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة في ضوء قرار مجلس الأمن الأخير ٢٣٣٤ القاضي بعدم شرعية أي مستوطنات إسرائيلية في القدس الشرقية المحتلة. رفض بركات تسميتها بالمستوطنات أصلا فحاججته بقرارات الشرعية الدولية. سألته عن نية ترمب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وما سببه ذلك من تبعات أمنية ليس في القدس وحدها وإنما في الشرق الأوسط وربما في العالم. سألته عن مؤتمر باريس ولماذا بدت إسرائيل أكثر تصلبا من الرئيس عباس بهذا الشأن؟ ما مسؤوليته عن أمن القدس وأمامه تحديات المفاوضات الميتة والمستوطنين وحماس والأمن الهش؟ ألا يرى سياسيات إسرائيل مزدوجة حيال الولايات المتحدة وأن إسرائيل تتصرف بعصبية حيال حلفائها مؤخرا؟

بلا قيود - الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي عربي