ليبيا - ثلاثية الأبعاد ومعركة "كوبلر"

السَراج - الغويل - وحفتر

أسماء ثلاثة تتردد ويجوب صداها الأبعادَ المركِّبة لزمن ليبيا الذي وكأنه توقف عند تلك اللحظة الرهيبة التي لم يشاركها إياها أي من شعوب "الربيع العربي". لحظة تصفية الحاكم. إتمام الثورة بالدم الأحمر. ملايين المشاهدات أعادت رسم لوحة العنف.. مشهد القتل والتنكيل بمعمر القذافي.. لحظات لمتابعيها بدت وكأنها أزمان تكعيبية مُركَّبة كلحظات الضياع في الأزمان لا تنتهي..

سنوات ست مرت. أسماء غير قليلة تواترت على كيانات الحكم التي تعاقبت بعد قتل القذافي وإقلاع طائرات حلف شمال الأطلسي بعد عملية إما تُمتدح وإما تُطاردها اللعنات. يعتمد في أي جهة من لوحة شطرنج ليبيا والشرق تقف.

سنوات ست والصخيرات وثيقة انتظرها الجميع.. أو كي نكون أكثر دقة، الجميع إلا قليلا. فالجميع ثوار والجميع مذنبون، الكل في عين نفسه ثوار "توار" باللهجة المحلية. والجميع في أعين الآخرين أو جل الآخرين مذنبون. مذنبون إما بالتقصير أو بالتواطؤ أو باللا أهلية أو بالافتقار إلى الحق. والسلاح غابة والجيش بلا حقيبة للدفاع.

خرجت الصخيرات باتفاقات وكيانين لتسيير الأمور باتجاه"الوفاق": مجلس رئاسي ومجلس أعلى للدولة. أخفقت الحكومة في جني هذا "الوفاق"؛ برلمان لم يمنحها الثقة، فظلت تحكُم في صورة المجلس الرئاسي باسم حكومة "الوفاق"، ومجتمع دولي يعترف بها بلا منازع. لكن أكَمْ من منازعين على أرض ليبيا.

لما سيطر خليفة حفتر، الرجل ذو السطوة والقوات ودعم حليفين إقليميين قويين ليس من بينهما نصير للإسلام السياسي على الهلال النفطي، انقسم المعامل السياسي على ثلاثة، فلم يعد العدد يقبل القسمة على فقط اثنين: طرابلس وبنغازي. الصخيرات أو بالأدق فصيل رئيسي في الصخيرات لم يتمكن من تحييد الرجل ولا ما يمثله من قوة على الأرض. خليفة حفتر، فرض وجودا للقوة بالقوة وبدعم حلفائه.

والخلاف بين الحكومة المعترف بها دوليا - حكومة "الوفاق"، ومجلسها الرئاسي، فايز السراج وما تطلق على نفسها "حكومة الإنقاذ" - خليفة الغويل فاق التنافس السياسي ووصل حد المواجهة الأمنية، وربما العسكرية. قبل أسابيع هاجمت قوات الغويل مقار لوزارتين تتبعان حكومة "الوفاق". ردت الأخيرة بصد الهجوم وإعداد قوات خاصة تحسبا لهجمات مستقبلية، نفى الغرض منها نائب رئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق في حواري معه في بلا قيود.

صفقة تردد إتمامُها بين خليفة حفتر وروسيا للتسليح في مقابل النفط. ومشاريع عسكرية أخرى لاحت في الأفق لدول غربية في مقابل الغاز بعد إبحار سفن إيطالية بالقرب من السواحل الليبية في وقت لاحق. حدثان لهما وقع. والوقع بالتأكيد ينفر حمائم السلام المرسومة على وريقات الصخيرات.

بين القوى السياسية الثلاث وقواتها قوة رابعة اتخذت حاضنة في سرت. تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية. لا ينافس على حكومة يعترف بها أحد. بل قل لا ينافس على شرعية إلا شريعته الخاصة ليس في ليبيا وحدها.

ووسيط بين هذه القوى يعمل على إنفاذ الاتفاق دون إخلال. مارتن كوبلر، المبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا قال في مؤتمره الصحفي الأخير هناك إن الليبيين، والليبيين وحدهم، هم من يقرر ما إذا كان تعديل سيكون ضروريا على اتفاق الصخيرات. اعتمدت أطراف على هذه الكلمات لتقويل الرجلِ ما لم يقل، معتبرين هذه إشارة بدء لتغيير الاتفاق والعبث بما تم التوصل إليه بعد عناء. كوبلر كان واضحا في استطراداته التي تعمدت نفسُ الأطراف طمسَها أو تمييعَها على طريقة "لاتقربوا الصلاة". المبعوث الأممي، اشترط ألا يتم الإخلال بأسس الاتفاق وخطوطه الأصلية، واستند في تصريحاته خلال المؤتمر الصحفي إلى نص الاتفاق أصلا، وهي الاحتكام إلى الليبيين أساسا فيما يتم الاتفاق عليه في كل خطوة، باختصار، ليبيا لليبيين. بالتالي من وجهة نظره والمنظمة التي كلفته لا تغيير هناك ولا مجال للعودة إلى اقتتال وفوضى لم تُحكم بعد. المربع رقم واحد ليس خياراً.

في بلا قيود هذا الأسبوع حاورتُ السيد أحمد معيتيق نائب رئيس المجلس الرئاسي عن المواجهات المسلحة الأخيرة بين قوات حكومة "الوفاق" وما تطلق على نفسها "حكومة الإنقاذ". سألتُ السيد معيتيق عن التسليم بالأمر الواقع فيما يتعلق بخليفة حفتر وإشكالية وزارة الدفاع. ما حقيقة لقاءات حفتر في روسيا ولقاءات معيتيق نفسه قبل عدة أشهر في ذات البلد. وما حقيقة وجود السفن الإيطالية بالقرب من شواطي ليبيا؟ ماذا ينتظر ليبيا وسط القوى العظمى بعد عملية ناتو ٢٠١١؟ هل توفي اتفاق الصخيرات إكلينيكيا؟ ألا تزال التربة خصبة لتنظيم مايسمى بالدولة الإسلامية للنمو مجدداً وسط الصراع السياسي والأمني القائم في ليبيا؟ وهل يقدم نفسه هو رئيساً للحكومة بدلاً من السراج؟

بلا قيود - الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي عربي.