السعودية وإيران.. وما بين بين.

سبع ساعات من الصمت والتفكير.. رحلة طيران طويلة من لندن إلى مسقط.. تم الإعداد للرحلة وسط أسبوع جد مزدحم بين البرنامجين؛ العالم هذا المساء وبلا قيود. جمعت كل أوراقي وحاسوبي الأمين، وقررت القراءة والإعداد على متن الرحلة.

فريقي متعب، وأنا للأمانة. فساعة وصولنا ستكون بداية يومنا الثاني بلا نوم. لكن لقائين بانتظارنا على أية حال، بل لربما ثلاثة.

فريق إعدادي عمل على التواصل مع الوزراء العُمانيين الثلاثة ومكاتبِهم لتأمين المقابلات؛ الخارجية والإعلام والتعليم. حصلنا على موافقتين من الوزيرين الأولين، وثالثة مبدئية من نقاط الاتصال بالسيدة وزيرة التعليم. سلّمنا الأمر لفريقنا المعني بتأمين الطيران وحجز المعدات وإعداد التكلفة والميزانية وما إلى ذلك. مررنا بكل التفاصيل في وقت قياسي برغم كل التعقيدات، وانطلقنا مساء يوم اثنين إلى عُمان، فريق صغير من أربعة أفراد؛ صحفيْين ومصوريْن.

وصلت المطار، حقيبتي الصغيرة محملة بملف ضخم مثقل بعشرات الأوراق تحمل ما تحمل بين طياتها عن، وحول، وضد المسؤولين الثلاثة. كان يتوجب على قراءة واستذكار ثلثيها على الأقل خلال الساعات السبع. للحق كنت مرهقة.

فور أن ربطت حزام مقعدي استوقفتني وأيقظت حواسي الورقات الأولى للسيد يوسف بن علوي - الوزير المكلف بشؤون الخارجية العُمانية. إذ إن ترتيب أوراقي، التي عادة ما أعيد ترتيبها ثلاث أو أربع مرات مجددا قبل كل حلقة، صدفة دفع باتهام على واجهة صحيفة خليجية أنيقة إلى إيران بتمرير السلاح للحوثيين في حرب اليمن الممتدة بلا نهاية بادية في الأفق منذ مارس آذار ٢٠١٥ "عبر الأراضي العمانية". لم يكن الاتهام جديداً على عينيّ من خلف نظارتي. فالملف عملت عليه آلاف المرات حتى حفظت تفاصيله وتفاصيل التفاصيل. لكني كنت مهتمة برصد كل رد للسيد بن علوي على هذه الاتهام. الأبرز كان استعداده في تصريحات لصحيفة خليجية أخرى لتقديم شروحات للمملكة لضحد هذا الاتهام إن هي طلبت. عدت إلى الحاسوب، المزود ولله الحمد رغم محدودية الإمكانيات باتصال بالإنترنت على رحلة الطيران، لأبحث بعينين نَهِمتين عن أي إيضاح عما إذا كانت السعودية طلبت في اجتماعات رسمية استيضاحاً من السلطنة عن غض الطرف عن سلاح مزعوم مر عبر أراضيها إلى الحوثيين من عدمه. كلها تكهنات، وآراء لصحفيين مقربين من دوائر صنع القرار في الخليج. هذا السؤال سيُصاغ بعناية.

انتقلت إلى تصريحات أدلى بها الوزير المكلف باتِرةٍ حادة، فحواها ألا تأتوا - والحديث هنا موجه لضمير مخاطب غير معلوم - إلى الدول العربية تطالبونها بالوقوف إلى جانبكم في حروب ورطتم أنفسكم فيها في المنطقة. من عنى؟ يبدو السياق وكأنه يتحدث عن العراق. لكن التصريحات تتجاوز العراق بعقد على الأقل؟ سؤال بالتأكيد سيُسأل هكذا، مباشراً كما يدور في عقلي. آه عقلي. مزيد من القهوة.

هكذا مرت ساعات خمس من رحلتي الطويلة. بعدها أرحتُ رأسي قليلا، إذ أنا لست ممكن ينامون داخل أي شيء يتحرك. وضعت عقلي في حالة ثبات، على الرغم من مشاكسته المعتادة، وانتظرت الهبوط.

في مطار مسقط، استقبلتنا سيدة لطيفة من وزارة الإعلام العُمانية لتسهيل إجراءات تمرير معداتنا الكثيرة وكاميراتنا. انتظرنا ساعات على الرغم من ذلك، وموعد لقائي مع السيد بن علوي يَقترب، إذ قدم مكتب السيد الوزير اللقاء ساعتين لرحلة عمل طارئة تستوجب منه السفر. توتر عقلي المنهك أصلا. لكن مهنتنا سيدة المهن - ربما لا يفوقها إلا الصيد - في الصبر والانتظار.

وصلنا محلَّ إقامتنا القصيرة، وذهب زملائي فورا إلى مقر وزارة الخارجية لنصب المعدات. وجلستُ أنتظر دوري للحاق بهم بعد ساعة ونصف الساعة. بعد ساعة حادثني زميلي المعِد لينبئني بأن السيد الوزير أرجأ اللقاء ساعتين. لم يكن خبراً سعيداً، بصراحة كان تمكن مني ومن فريقي الإرهاق.

أعدنا شحن أجهزتنا العصبية الملتهبة بمزيد من القهوة وكنا مجدداً أمامه في الموعد. كان منضبطاً جداً في موعده الذي تحدد أخيراً. استقبلَنا المسؤولون في مكتبه والمبعوثين من مكتب وزير الإعلام بحفاوة، حدثوني عن بي بي سي وعن مصر، وحضر مندوب وزارة الإعلام المقابلة.

انتهت مقابلتي مع السيد بن علوي. جمعنا كل معداتنا وأعدنا ترتيب الغرفة، ثم غادرنا وزارة الخارجية، وللحق في خلدنا فكرة واحدة: الراحة. ثمان وأربعون ساعة على الأقل بلا نوم. بالفعل لم نفعل طيلة فترة بعد الظهر وحتى اليوم التالي إلا التفرق والراحة واتفق الفريق أن يلتقي على فطور متأخر في اليوم التالي للاتفاق على لقاء وزير الإعلام.

رفض وزير الإعلام المقابلة. ولم نتمكن من الوصول لوزيرة التعليم. وبقيت الحفاوة على حالها غير منقوصة.

قررت والفريق المغادرة في اليوم التالي لعدم تبقي أي عمل نقوم به. تواصلنا مع زملائنا في لندن لتغيير حجوزاتنا ومع السيدة اللطيفة التي استقبلتنا لترافقنا مرة ثانية للمطار ضامنة لخروج معداتنا. أمضينا ساعات أطول بانتظار الإفراج عن المعدات بين شرطة المطار وشركة الطيران.

وها نحن هنا في لندن والمقابلة تُذاع كاملة مع السيد بن علوي، نادر الظهور والحديث للإعلام. عن السعودية وإيران وما بين بين سألت السيد يوسف بن علوي - الوزير المكلف بشؤون الخارجية في سلطنة عُمان. ماذا يدور خلف الكواليس بين دول مجلس التعاون بهذا الشأن؟ ولماذا كان دور مسقط "سريا" حتى على السعودية والإمارات وباقي دول الخليج، في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة في اتفاق خمسة زائد واحد؟ لماذا الموقف العُماني المتشدد من الربيع العربي، على الرغم من انتقادات وجهها السيد بن علوي نفسه للأداء الحكومي في بلاده واصفا إياه بالمترهل والذي رصدته صحيفة الزمن التي تم إغلاقها في ظرف منفصل؟ ماذا كان سيفعل لو قُمع رأيه؟ كيف سوغت عُمان احتفاظها بعلاقة رسمية مع الرئيس السوري ووزير خارجيته بين دول مجلس التعاون؟ ولماذا انضمت عُمان للتحالف الإسلامي الآن وليس للتحالف الذي تقوده السعودية في اليمن؟ من عنَى بالقول لا تورطوا أنفسكم بحروب ثم تأتوا وتطلبوا من الباقيين أن يقفوا إلى جواركم؟

بلا قيود - الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي عربي.