"علبة حليب أطفال من خارج المستوطنات لو سمحت!"

كان شتاءا باردا جدا ذلك الذي حل بلندن العام قبل الفائت.. ليس الأبرد بالتأكيد.. فكل شتاءات هذه العاصمة تأت باردة وتمضي بلا أسف..

ذلك الشتاء كان كغيره، إلا مِن يأس وترقب من كثير من انهيارات السياسة في الشرق الأوسط وأوروبا التي بدت أبية إلا لمزيد من التداعي كأحجار دومينو صاخبة في مقهى للمقامرين استبد بهم الغضب والإصرار على الانتصار كل على الآخر ولو حطموا المقهى وما فيه.

المهم.. أتذكر جيدا أنني ذلك العام في نوفمبر تشرين الثاني قصدت بَعد عملي دكانا صغيرا، إذ أحاول كلما استطعت - وقلما أستطيع - الابتعاد عن المحال الكبيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من التجارة الأخلاقية وتوجيه ضربة ولو متواضعة لسلاسل المتاجر الشرسة واستغلال العمالة الرخيصة والرأسمالية العمياء لشراء بعض الأغراض المنزلية.

في الصف أمامي كانت سيدة نَمّت لكنتها الإنجليزية عن أصلها الجنوب أفريقي. انشغلتُ بما يدور في عقلي من قائمة صغيرة أحتاجها وبدأتُ بتدوينها على هاتفي حتى أصلَ إلى البائع المُسن المسؤول وأبنائه عن الدكان الصغير. رفعتُ رأسي على نداء السيدة الجنوب أفريقية واضحاً قويا: "علبة لبن أطفال من هذا الرف لو سمحت! لا ليس ذلك النوع! هذا النوع من المستوطنات الإسرائيلية! هذا النوع لو سمحت!"

نظر إلى السيدة البائعُ وصفُ المشترين، وأنا بالطبع.

السيدة في منتصف العمر. ليست من طلاب الجامعة ممن يطلِق عليهم المهووسون بالتصنيف التنميطي السطحي "النشطاء"، وليست من المستظهرين المدعين الذين يجوبون أوروبا يحملون المذياع في الشوارع ويفسدون عليك النزهة بإصدار الأحكام إن أكلتَ وجبة بها قدْر من السكريات، أو اصطحبتَ كلبك في تمشية أو لم يكن قوامك رشيقا بما يكفي، ولا من المبشرين بأحد الأديان أو الأفكار أو السلع. هي سيدة عادية جداً، ترتدي ملابس سيدة المنزل أو آتية من عملها للتو. سيدة تقرأ أو تعرف. سيدة تعرف عن فلسطين وإسرائيل والمستوطنات. سيدة تختار.

الاتحاد الأوروبي وَسَمَ المنتجات من المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام ٢٠١٥. فرنسا كانت أولى الدول التي طبقت هذا القرار، بعد أن أقرته المفوضية الأوروبية.

"ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو القرار بأنه "تمييزي"، وأنه يشجع من يريدون "القضاء على دولة إسرائيل".

وتقول وزارة الخارجية الإسرائيلية في بيان إن وراء القرار أسباباً سياسية، وأنه مستلهم من قبل حركة المقاطعة، في وقت تواجه فيه إسرائيل موجة إرهابية تستهدف مواطنيها"

المقطع الفائت هو من موقع بي بي سي عربي في يوم الحادي عشر من نوفمبر تشرين الثاني من عام ٢٠١٥.

اللافت في هذا المقطع أن الخارجية الإسرائيلية أشارت بالبنان إلى حركة مقاطعة البضائع الإسرائيلية وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها - المعروفة اصطلاحا عالميا بحركة BDS، كما أشار إليها كل من الرئيس الإسرائيلي واتهمها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باستهداف إسرائيل وبكونها خطرا عليها، بينما في أحيان أخرى يقلل من شأنها مسؤولون إسرائيليون آخرون بحجة عدم التأثير كما جاء في معرض أسئلتي في حلقة بلا قيود لهذا الأسبوع.

في نهاية نفس العام، مباشرة قبل حادثة السيدة ذات الأصول الجنوب أفريقية، سجال طويل ومنعش للعقل بدأ بين الكاتبة البريطانية JK Rowling والكاتب عمر روبرت هاميلتون Omar Robert Hamilton صار حديث الأوساط الأدبية والسياسية في بريطانيا حول قضية المقاطعة الأدبية لإسرائيل المستلهمة من حركة BDS. فَـرولينغ، مؤلِّفة هاري بوتر الشهيرة، وقفت ضد المقاطعة الأدبية لإسرائيل من منظور رأته عَمَليا يدافِع عن حق المعرفة بلا حدود وحق العقل في اللا حَجْر. أما عمر هاميلتون فضحدَ فكرة رولينغ من منظور رآه أخلاقيا عن حق البشرية في الدفاع عن "المظلوم" و اتخاذ كل سبيل ضد الاحتلال، وخصوصا أشكال الاحتجاج المعنوي والأدبي. استمر السجال لفترة وتابعه مئات الآلاف من المثقفين في أوروبا لفترة.

حاورتُ في حلقة هذا الأسبوع من بلا قيود- عمر البرغوثي- أحد المؤسسين الرئيسيين لحركة المقاطعة لإسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها - المعروفة عالميا بحركة BDS. سألته عن التحديات أمام الحركة بعد أكثر من عشر سنوات على ولادتها وتطورها. ماذا ينتظرها أمام إسرائيل التي فعّلت القوانين لاستهداف مؤسسي الحركة بل وصدرت تقارير آمنستي إنترناشيونال تحذر من مخاوف على حياتهم والبرغوثي على رأسهم؟ ما موقف السلطة الفلطسينية؛ فتح، منظمة التحرير والفصائل في غزة، من BDS؟ ما مدى اعتراف كل هذه الكيانات الفلسطينية في العلن بالحركة ومدى الدعم الذي تحصل عليه من كل جهة فعليا ليس بالشعارات؟ لماذا تتهم الحركةُ الاتحادَ الأوروبي بالنفاق ودول أوروبية عدة قدمت مشاريع قرارت مجلس الأمن المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني ومن بينها القرار رقم ٢٣٣٤ الأخير المتعلق بعدم مشروعية المستوطنات الإسرائيلية، إلى جانب وَسْم السلع المصنعة في المستوطنات؟ ما أفق الحركة إلى الجانبين التجاري والأدبي؟

بلا قيود الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي عربي