الكبير قوي

من بعيد، قد يبدو الفنان أحمد مكي - ذو السبعة والثلاثين عاما - رجلا متعجرفا، مغترا بعضلاته وشبابه، لكن ما إن تجلس معه، وتتحدث إليه حتى تُفاجأ بشخص آخر تماما.

دخلت إلى العمارة الكائنة بجوار كوبري الجامعة بالجيزة فى طريقي لمقابلة مكي، وعند المصعد الواقع فى الدور الأسفل، كانت الأنوار خافتة جدا، وكان هناك شاب يرتدي "ترينجا رياضيا وباندانه حمراء منقطة على رأسه"، ويحمل كرتونة بها زجاجات مياة معدنية، واقفا بالانتظار هو الآخر.. وصل المصعد ففتح الباب ودعانى بأدب للدخول، فشكرته ثم اختفى.. صعدت للدور الثانى، وعند دخولي للمكان، فوجئت بأن هذا الشاب لم يكن سوى الفنان أحمد مكى نفسه، الذى أتينا للقائه.

دخلت وسلمت على فريق العمل الذى كان عاكفا على الترتيبات الفنية، وسلمت على أحمد، الذى بدا عليه بعض الإرهاق، عرفت لاحقا أنها بقايا فترة المرض الطويلة التى ألمت به.

قبل بداية التسجيل، بدا مكي - الذى كشف لى أن حبه الأول فنيا هو الإخراج، وليس التمثيل أو حتى الغناء كما ظننت - بدا مهتما بأقل التفاصيل، وكان يسأل كثيرا عن أمور فنية، حرصا منه على أن يظهر بأفضل صورة.

كان لقاءً متدفقا وصريحا وكاشفا عن شخصية رائعة مثقفة "معجونة بالفن" والأصالة، كما بهرنى حرصه على تقاليد وعادات زمان التى اختفت أو تكاد من شوارعنا وبيوتنا وحاراتنا، رغم صغر سنه نسبيا.

تجربة المرض المؤلمة زادته إيمانا وصلابة وتواضعا.. تحدثنا على مدى نحو عشرين دقيقة فى كل شىء، إلا السياسة التى قال إنه لا يريد أن يخوض فيها، وإنه يعبر عن مواقفه من خلال فنه، ولا يحبذ الحديث عنها فى الإعلام.

كان اللقاء مع مكى تجربة كاشفة عن أن الحكم على الناس أو الأمور من بعيد، لا يكون دقيقا أو منصفا أبدا، وأن الاقتراب من الناس أو الأشياء دائما ما يغير وجهة نظرنا تجاهها.