"العودة والعصفور"

لست أدري إن كان من اللائق التقديم بالاعتذار للأستاذ محمد جلال عبد القوي عن استعارة اسم روايته التي حولتها السينما المصرية لقطعة فنية فريدة في بداية التسعينيات، أم ينبغي أن أطلب منه بلطف الاعتذار..

فهذا العنوان يطاردني بين الحين والآخر كلما جلست إلى مكتبي أو مكتبتي أستذكر درسا عن اليمن منذ عودتي إلى برنامجي الأثير "بلا قيود"، وللحق لست أدري لِمَ ؟

مزيج من التجارب المهنية والإنسانية ترسم اليمن عصفورا في مخيلتي.. عصفور جميل وأصيل بذيل تكلله الحنّاء.. لكنه لم يعد يطير..

أصبحنا نحن - معشر المكافحين في سبيل كلمة الحق نعوده كلما جد جديد. لكن التغيير أصل الحياة، واليمن ثابت على تعاسته منذ أربع سنوات..

مجاعة وحصار وكوليرا وحرب. المدنيون وقودها ومداها في الماورائيات على ما يبدو.

كلما أُعلن عن جولة تفاوض نحبس أنفاسنا.. هل للمأساة أمل في نهاية إذن؟ لا.. ليس هذه المرة..

منذ تقديم برنامج بلا قيود قبل حوالي أربعة أعوام، وحتى في فترة انقطاعي عنه كان اليمن همّا شاغلا ومستفزا لأدواتي المهنية. لا أنسى حواري مع المتحدث باسم قوات التحالف الذي تقوده السعودية آنذاك أحمد العسيري وما أثار من ارتياح وارتياب وانقضاض وتشجيع. أتذكر جيدا الحملة الإلكترونية التي وصلت لحد التهديد بالقتل، وأتذكر ارتياح كثيرين داخل اليمن وخارجه للحوار ومستخلصاته ونتائجه.

منذ مارس 2015 حاورت اطرافا كثيرة ، تقريبا كل من له سلطة او موقف يتعلق بالشأن العام اليمني كان على مقعد الضيف في برنامج أقدمه. الجميع يلومون والكل ملام. الكل يتناوب على المقعد ليشير لي بأصبع الاتهام أو المواربة أو المناوأة أو الدعم للآخرين، تقريبا لم يحدثني ضيف أبدا عن مسؤولية أو خطأ أو حساب ضل طريقه.

وكل عام أنتظر نهاية للمأساة، ولا تأت. كل عينين لطفل جائع أو مريض أو مرتعب تحرم علي النوم أحيانا. لابد لي من دور، لابد للصحافة من سلطة.

ومنذ عدت إلى البرنامج حاورت وزراء وسفراء ومسؤولين رفيعين، ولم أتوانى للحظة واحدة في استخراج الحقيقة ولو كانت عسيرة بعيدة في عمق الحصانة.

لست مغيبة أبدا عن مسؤولية السلطة التي تخلعها علينا الصحافة في كشف الزيف وتقديم المذنبين لعدالة الرأي العام بل وأحيانا للقضاء، لكنني أتعجل النفاذ.. أتعجل الريش ينبت من جديد على جناحي العصفور، ليعود محلقا يغني وينفح تاريخا وجمالا وأصالة.. ليعود العصفور.. يمنا سعيدا..

هذا الأسبوع أحاور السفير السابق عبد الإله محمد حجر مستشار رئيس المجلس السياسي الأعلى في "حكومة صنعاء" التي يديرها الحوثيون. إجابته عن قتل علي عبد الله صالح على يد شركائه الحوثيين أذهلتني.. لكنني سأترك لكم الحكم..

بلا قيود ، الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش.