جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

قصة حضرة الباشا

-قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل اسبوع قصة ً جديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار امريكي..

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد اقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي إكسترا على العنوان التالي: bbcextra@bbc.co.uk أو او لمجلة العربي.

إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

القصة الفائزة هذا الأسبوع:حضرة الباشا

علي حسان خضري (مصر)

بذلت جهداً كبيراً لأجعله يصل إلى تلك الهيئة، بزة أنيقة وربطة عنق رشيقة، وقبعة رقيقة، بالإضافة إلى تلك العصا الجذّابة التي استعرتها من أخي الأكبر حتى تتم له الوجاهة، وتحلو له النزاهة. لكن ليس بعد.. لبسته نظارتي السوداء، وقلت له: "سر على البركة".

ولكنه بعد خروجه بخطوات، عاد هلعاً وقال لي: «رافقني في تلك الرحلة الاستكشافية، أرجوك». ترددت قائلاً: "ولكني كنت أريد أن تستكشف بنفسك"!

«سر معي ياسيدي وكأنك صبي من صبياني» قبلت ذلك لما رأيته من عدم - أقصد قلة – درايته. اعتقد العوام ممن رأونا أنه سيدي وأنا خادمه، فقد أعماهم زخرفه عن حقيقته الشنيعة. «اتفضل ياحضرة الباشا...». مال علي وسألني في هدوء: "بماذا أجيبه؟"قلت هامساً: «قل له متشكرين، ولا تقف».

اهتزّ مبسم السيجارة في فمه، ولكنه ضغط عليه بقوة ورد «متشكرين»؛ ظهرت أسنانه الطويلة الحادة قابضة على المبسم، فأسرعت إلى أذنه المدلاة من تحت القبعة «امسك نفسك، ولا تضحك!! الله يسترك». امتثل وسار وهو يسبقني بخطوات قلائل وأنا ألهث وراءه سعياً .. قال فجأة: "عندما اشتري "طرشي" من صاحب هذا الدكان، لا يعطيني إلا القليل، كأنه يتزكى علي!!

سأرى مايحدث عندما أدخل عليه بالنظارة والعصاية». - لو سمحت، قالها بالكاد بعد لف العصا دورة واحدة «هات بجنيه طرشي!!». - أوامرك يا باشا، ودخل صاحب المحل إلى الداخل قليلاً وهو يغمغم «يا نهار أبيض.. ده باين عليه رأس كبيرة قوي.. استر يارب!!».

- اتفضل يا حضرة الباشا.

- أممم... متشكرين!!

أخذتُ الطرشي ..كمية كبيرة تلك المرة بالجنيه!!، «ما هذا!! أغلق على لسانك فمك.. يا باشا» ضحك قليلا، وهمس لي: لو عرف الناس مَن أنا لبخلوا عليّ بالعظام وبقايا الخبز!».

وضعت منديلي على فمه الذي يتقاطر منه اللعاب ماسحاً له قبل فوات الأوان.. «يللا يا باشا» ووقفت وراءه بخطوات كالعادة، هزّ عصاه - أكثر من دورة تلك المرة وقال بثقة أعجبتني «اوزن 3 كيلو يا ولد يا خيري».. ولم يطل به المقام، فقد جرى خيري ومس بجلبابه وجه الكرسي «اقعد ارتاح يا باشا»، ولازلت واقفاً وراءه كالعادة! لم يبخس خيري الميزان هذه المرة، أخذت الكيس منه، فأسرعت يدا الباشا للكيس، ودس فيه فمه، فلم يكن إلا صرختي بأذنيه «يا باشا.. يا باشا!!» أدرك خطأه ورفع رأسه بسرعة: «ريحتها حلوة مش بطالة»، مسحت له آثار قطعة اللحم التي حاول قضمها بسرعة جنونية!! الله يخرّب بيتك!».

وانقضى الموقف على خير ، واستأنفت السير..قلت له: «هل رأيت المظاهر كيف تخدع الناس؟! مع أنني لا أملك دفتري وقلمي الآن لأسجّل تلك الأحداث بمجملها».

نظر إليّ الباشا ثم أردف «وكيف كنت ستسجل دوري يا أستاذ» لم أفهم مرمى كلامه، لكنني صارحته «سأكتب الحقيقة كلها، من أنت ومن أنا؟ استمر السير بعد الصمت من جانب كلينا.

وبعد شيء ليس باليسير إذا بي أسمع زمجرة مكتومة، لم أتحرك يميناً ولا يساراً، وصرفت فكرة احتمال غضبه تلك من خاطري، انغرست أظفاره الطويلة جامعة لتلابيب ثيابي، وصاح بصوت عال: «تريد أن تفضحني أمام الناس؟»، حاولت تهدئته بلا جدوى، ضقت به فقررت فضحه أمام الناس «يا ناس.. شوفوا الباشا المحترم. فل لهم من ألبّسك وهيأك ووصنع منك بني آدم، هل نسيت اتفاقنا ؟

أرسل يديه بعيداً عني مبتسماً «خلاص.. لن يصدقك أحد، عدت أصرخ من جديد: يا اخواننا هذا كلبي، أنا الذي ألبسته بهذا الشكل حتى بتاعي وأنا خليته، أكتب قصة عن المظاهر الخدّاعة، تأملوا أنيابه الطويلة ولعابه الذي يسيل«، امتنع عن التبسّم، وصرخ في وجهي: الكلب هو انت، وهذا آخر احساني عليك!! هات اللحمة وكفاية عليك الطرشي.. يا كلب!!

أشار الناس إلى وهم يقولون: شوف الولد الخسيس كيف يعض اليد التي أمتدت إليه . اخص..» انتصب الباشا (كلبي سابقا) وهزّ عصاه دورات متتاليات ثم مضى وحده حاملاً كيس اللحم!! صاح به البقال « اتفضل يا حضرة الباشا..». - أممم... متشكرين...!!

وقف لحظة، وثم سأل البقال - هادئاً «علبة مناديل لو سمحت»!!