جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

قصة ورود

قصة ورود

عادل الصفار-العراق

تملكني شعور عنيف راح يدفعني بشدة صوب ذلك النهر حيث المكان الذي حفر ذاكرته عميقاً في عقلي وقلبي.. جدران البيوت والاشجار واسفلت الطرقات واحجار الشاطئ والنباتات ورائحة النهر وطيور النورس يشكلون جميعاً لوحة تلون مخيلتي وتسري كالدم في شرياني.. كيف لا وقد شاركوها لوعة الفراق وحرقة الدموع المنهمرة في لحظة الوداع.. ذلك الألم ما انفكّ شاخصاً يهمر دموعه كالشلال مضاهياً نصب كهرمانة والجسر المعلق وساحة الحرية.. ورود يا من توحدت فيك ألوان اجمل الورود وازكاها ما زال عبيرك يطيب انفاسي.. وما زال صوتك ينساب الى مسامعي وأنا اتأمل عينيك:

ـ انظر ما أجمل طيور النورس تعلو الماء وتهبط اليه!

ـ لكنّ عينيك أجمل.

تضحك بغنج.. اطوق خصرها، فتضع رأسها المتوج بخصلات طويلة ناعمة تتموج كالنهر على كتفي.. تهمس بأذني: هل تشم رائحة النسيم والنهر؟

ـ ٍرائحتك ألطف وأعذب.. انها تضاهي رائحة أجمل الورود.

تضمني إليها بشدّة تقبّل عنقي، تداعب صدري هامسة: أي ورد تقصد.. هل هناك ورود غيري؟

ـ أرجوك.. لا تسأليني أسئلة أنت متيقنة من إجاباتها.

يتلألأ وجهها بابتسامة تشرق من بين شفتيها الورديتين تتسع حتى تصدر عنها ضحكات متقطعة وهي تقول:

ـ بالامس ونحن نجلس معاً على مقعد الدراسة، تعمد اسقاط قلمك عند قدمي.. وانت تعيده كنت تنظر الى فخذي حتى تخلل رأسك ملابسي.

ـ كي اشم رائحة النهر.. وارى طائر النورس..

تتعالى ضحكاتها.. تشدّني اليها اكثر وهي تطوق خصري.. تردّد:

ـ أشعر بالامان معك.

ـ وأنا لا أشعر بالحياة إلا معك.

تدفعني الآن رغبة جامحة من دون ارادة مني يتواصل سيري، قدماي تقوداني لا اقودهما.. ومخيلتي لا تنفك تجسِّم امامي صور ذلك الزمن.. اذناي تسمعان اصوات صراخ واطلاق رصاص وصخب صفير ومنبهات.. وعيناي تريان زحام سيارات وعجلات ومدرعات وجنودا مدججين بالعتاد والاسلحة.. ما كان يخطر على بالي أبداً أن التّغيير سيجعل البلاد ساحة حرب وقودها الأطفال والنساء والشباب.. ورود اين انت بين هذه الفوضى؟ أحاول جاهداً ان أرى ملامح وجهك بين النساء.. ترى هل سأراك من جديد؟ ما زلت أشعر بحرقة تلك الدموع تحفر أخاديدَ على وجنتيك فتزيدني آلاماً فوق آلامي.. ورود هذا أنا، قَدِمت إليك من المنفى.. نعم.. لقد عاد المشاكس المولع بك وهو أكثر إدماناً بحبك.. عاد الذي غيّبَ النظام السابق أباه.. ونفاه مع أمِّه خارج البلاد.

يهزّ المكانَ صوتُ انفجارٍ عنيفٍ تتناثر شظاياه مع تصاعد كثيف للغبار والدّخان ولهب النّيران.. أناس يسرعون وآخرون يتصارخون.. بكاء وخوف وفزع يملأ وجوه الناس وقلوبهم..

ـ ماذا حصل؟

ـ وماذا عساه ان يكون؟ انفجار سيارة مفخّخة أخرى.

الحادث قريب من المكان الذي أقصده.. أسرعت الخطى للوصول بسرعة.. لم أعد أبصر الطريق بوضوح من غشاوة الدموع في عينيّ.. نعوش كثيرة تحملها السيارات واكتاف الرجال.. الناس تودع موتاها بمرارة وأسًى.. وانا ابحث عن ملامح ورود بين وجوه النساء المغرقة بالدموع.. الخائفة.. الفزعة.. الباحثة حولها عن سكينة واطمئنان.. وفجأة.. وإذا بصرخة تمزق مسامعي: قف.. من أنت..؟ وماذا تفعل هنا؟ ماذا تريد؟

فوهات بنادق مصوبة نحو رأسي وصدري.. أشخاص كبلوا يديّ، وآخرون يرفعون ملابسي ويفتشون كلّ جزء من جسدي.. ثم عادوا يستفسرون:

ـ من أنت..؟ ومن أين أتيت؟ وأين تسكن؟

أجبتهم والدهشة تملؤني:

ـ تسألون من أنا؟ اسألوا كهرمانة والجسر المعلّق وساحة الحرية.. اسألوا اسفلت الطريق وجدران البيوت.. اسألوا الاشجار ونهر دجلة وطيور النورس.

فجعلوا يوجهون الى جسدي اللكمات والطّعنات.. رموني داخل سيارة وبنادقهم موجهة نحو رأسي وصدري.. وسرعان ما ارتفع صفير السيارة وهي تنطلق مسرعة.. وصوت ورود ينساب الى مسامعي مختنقاً بعبرات البكاء:

ـ ينتظرك النهر.. وطائر النورس!