جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

قصة: ثَلاثَتُهُمْ دَهَاقِنَةٌ حِرْبَاوَاتٌ لَدِنَةٌ خَضْرَاءُ بِرَائِحَةٍ تَعْبَق

قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل اسبوع قصة ً جديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار امريكي.

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد اقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي إكسترا على العنوان التالي: bbcxtra@bbc.co.uk

أو لمجلة العربي. إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

القصة الفائزة هذا الأسبوع: "ثلاثتهم دهاقنة حرباوات لدنة خضراء برائحة تعبق" بقلم: عثمان شِنقر.

التسجيل بصوت مصطفى كاظم.

نص القصة:

طيلةَ أسبوعٍ كامل، لم يكن هنالك ما يفعلونه، متَّكئين تحت أشجار النِّيم، سوى كَرْع كميّاتٍ كبيرة من المَرِيْسَة التي يبدو أن (بِتّ النُّور) لم تبذل أيَّ مجهود في أن تجعلها مُسْكِرَةً كما ينبغي. إضافةً إلى كونهم عاطلين عن العمل، كان هنالك وقتٌ مَهُول من الفراغ يقضونه في لعب السِّيجَة ومطاردة فَسَاتِين بنات معسكر النَّازحين العجفاوات، ذلك بالطبع قبل تَوَغُّلِهم الوئيد نحو المدينة التي اقتحموها فيما بعد مثل ثيران شَبِقَة.

(خلافاً لمشيئة السَّرْد؛ كان هنالك ما يفعلونه حقاً في تلك الجلسة التَّعسة، تحت رقراق الظلِّ جوار الغنم المتناوم، خصوصاً عند توسُّط الشمس السماء: الحديث المبعثر ـ كيفما اتَّفق ـ على طُرُقات الحَيّ. مُمَاحَكَة الوقت الرَّاكد في العَطَن بالمُخُاتَلة والتَّبْرِيرات الخرقاء لقدومهم الميمون، ذات صيف، من بلاد الرِّمال الشَّاسعة).

يقضون نهارَهم في بيت (بِتّ النُّور) جوارهم جَرَادِل الزِّنْك الممتلئة ذات الزَّبد، حيث كان عليهم، لوقت قليل، الاستيقاظ باكراً، ذلك قبل توثُّق معرفتهم بصاحبة البيت، التي تبيَّن لهم أنَّها من قرية تجاور قراهم؛ غارقة في الرَّمل حتى كِيعَانِها. كانوا يستقظون باكراً للّحاق بأول مَرِيسَة؛ قبل فَتْح زِير الفخَّار المغطَّى بجوَّال خيش رطب تنمو في حوافِّه أعشاب صغيرة، حيث رائحة الذُّرَة المتخمِّرة تعبق ملوِّنةً تلك الصَّباحات بفرحٍ أصيلٍ ورؤيةٍ مَغَبَّشَة تُحَوِّل البيوتَ الطينيَّةَ الواطئةَ في عَدَسَات عيونهم إلى هياكل معتمة.

يخرجون من ذلك البيت يتخبَّطون في خيوطٍ غير مرئيَّةٍ يَنْسِلُها كلامُهم الصباحيُّ المتعثِّرُ بحيث يرونها كلَّ يومٍ خارجين من فناء الدَّار. يُوَهِّطُون الكلمات فتقع الكلمةُ في موقعها تماماً؛ مثلَ شيء لاقَى مقاسَه. يدور الحوار بينهم متعثِّراً أوَّل الأمر لا يكاد يستند إلى شيء متماسك؛ ممَّا يجعله ينهار دفعةً واحدةً ويركد. على هذه الوتيرة يتعثَّر حديثهم زمناً طويلاً، حتى يهيِّء الله لأحدهم إخراج جملة ذات جَرْس ومعنى، فيتفجَّر الموقف، يتراكضون هنا وهناك، كُلٌّ يَقذِفُ بجُمْلَتِه في فَمِ الآخر مباشرةً، يُقْلِقُون تلك الصَّباحات الرَّخْوَة بحُمَّى الفوضى والتَّهريج.

(تخرُجُ الكلماتُ من أفواههم في شكل حِرْبَاوَاتٍ لَدِنَةٍ خَضْرَاء يُلْصِقُونها على الحائط حالما تخرج. بعضهم يُمْسِك بها داخل فَمِه لئلاّ تقفز، يلصقها جوارَ أُخْرَيَات. كلَّ يوم يرونها حِرْبَاوَاتٍ بالأشكال والألوان كافَّةً، ملتصقة بالحوائط، إلى جوارها يُلْصِقُون أخرى، بذات التَّهريج والعبث؛ كلمات جديدة، مُوَهَّطة في شكل حرباواتٍ بالألوان والأحجام كافَّةً، فيما تتلوَّى أُخْرَيَاتٌ، خارجاتٍ للتَّوِّ من أفواههم العبقة برائحة الذُّرَة المتخمِّرة، مُسْتَقِرَّاتٍ نهايةً على الحوائط الممتدَّة حتى آخر الأفق).

المساء يختلف قليلاً، مُضْفِيَاً عناصر ذات طابعٍ فلكلوريٍّ مطلوبٍ بشدَّة في الأدب الحديث؛ خصوصاً الرِّوائيّ.

إذَن، لم يكن لهم في المساء سوى المقاهي المضاءة بالرَّتَايِن، تُقَدِّم أنواعَ المكيِّفات والمشروبات كافَّةً من قهوة وشاي وحليب وحِلْبَة. المساء الذي يجعلهم يتوهَّجون بالحكايات الشَّائقة ذات النِّهايات السَّعيدة، يُؤَازِرُونَ بعضُهم بعضاً في السَّرْد وتذكُّر الوقائع القديمة؛ خصوصاً تلك المتعلِّقة بموسم الخريف والبهائم وشهور الدَّرَت.

جمعَتْهم، ذات ليلة ممطرة، طموحاتٌ وآمالٌ موؤودة. وقفوا في وجه الريح طويلاً، لكن الرِّمال الناعمة اشتدَّ لسعها الحارق على الوجوه والسِّيقان والأذْرُع. لم يقولوا كفى للجَّفاف الذي ضرب الأرض، وما فتروا من ملاحقة اللَّون الأخضر؛ يُدَرِّجُونَ نحوَهُ بهائمَهم الضَّامرة. على امتداد الرِّمال الشَّاسعة، وقفوا متأملين الآيات والعلامات تنشأ على ملامح الأرض منبهرين من مقدرة الجَّفاف على مَحْو الأخضر.

حاولوا فَهْم الحكمة من ذلك؛ كُلٌّ حسب خبرته وبصيرته في التأمُّل والقراءة المتأنِّية لأحوال الأرض. طويلاً وقفوا أمام الأرواح كافَّةً تَزْهَقُ وتصعد. الناس والبهائم والنَّبَات؛ كُلُّ شيء كان يموت. تنادوا، على أمل صنع شيء يوقف زحف الموت الشَّامل. أصابهم جنونٌ لحظيٌّ فرضخوا.

قَبْلَها، كانت حبَّات الحياة تتسرَّب من بين أصابعهم مثل شيء غامض، تتفلَّت في النِّهاية، مخلِّفةً قبضَ الرِّيح. وسَفَّايَة الرِّمال تَشْوِي الوجوه والسِّيقان والأذْرُع العارية. ما توانوا أبداً عن محاولة فهم ما يحدث، لكن كل شيء كان قد حدث فجأةً؛ من لا شيء. ودون ترتيبات مسبقة، تحوَّلوا إلى متفرِّجين يَعَايِنُون مؤامرات الرِّيح تُدَبَّر بِلَيْل. تَمَنّوا فعل شيء، لكن الأمر كما تبدَّى كان أكبر من طاقة ثلاثة رجال أصابتهم خِفَّة الجُّنون اللحظيّ؛ ذلك حين رأوا كل شيء يتسرَّب من خلال أصابعهم. كان أمراً كبيراً لدرجة مفزعة، حيث كُلُّ (شَيْءٍ) تحوَّل إلى (لاشَيْء)،؛ عَدَم، وقَبْض ريح.

بمزيدٍ من الخفَّةِ الجنونيَّة، تبادلوا أكواب الشَّاي السَّاخن على ضوء الرَّتِينَة، مقتعدين الأرض، جوارهم عصيهم وخُرَقُ أقمشةٍ تستقرُّ داخل مَخَالِي من الجِّلد، بينما راحت تتناسل بينهم أحاديث شتَّى تتعلَّق بالشُّؤون اليوميَّة الجديدة يناقشون ما يجري حولهم بلامبالاة وخفَّة مرتجلة، فيما رائحة دُعَاشٍ بعيدة أخذت تتسلَّل نحو صدورهم مزلزِلةً ما تبقَّى من تماسُك القلب. حَنَّ أحدُهم إلى أماكن رمليَّة مغسولة بماء المط،ر انفجَرَ بالغناء دفعةً واحدةً على أنغام موسيقى كونيَّةٍ مجهولةٍ المصدر.

تجوَّلوا بين بائعات الشَّاي إذ يئسوا من ملل الحديث المتواصل والتذكارات المؤلمة، مُتَفَادِينَ شِرَاكاً خفيَّة، تفاحشوا بقسوة مع البائعات اللاتي تضاحكن منهم ومن حلاوة حديثهم المكسور بلُكْنَةٍ ليِّنَة، نظرْنَ إليهم بإعجاب، تَمَنَّيْنَهم في سِرِّهنّ. يصنعون الصَّخب المرتجل بعيداً عن أضواء المدينة في هامش الدنيا؛ حيث كُلُّ شيء لا حقيقةَ له غير ظِلِّه.

العالم كان في رؤوسهم مليئاً بأشياء صاخبة؛ بايقاعات شتَّى مزدهرةٍ بالمطر والرَّعد ومواسم الدَّرَت، وأشياء أخرى؛ سِرَّيَّة، لا تُفْصِحُ عن حقيقتها لئلاَّ تزول قداستها. كَمْ غنَّينا ورقصْنَا وحَمْحَمْنَا على إيقاعات النُّقَّارة، بينما المطر ينْزِل على رؤوسنا خفيفاً، نقاومه؛ أمَلاً في شَبَّال الفتاة التي نُحِبُّ يسقط على رؤوسنا.

في حُمَّى الرَّقص والصخب، نخلط الغائب بالحاضر، ونُسْلِمُ قيادَنا إلى خيط السُّكْر الرفيع يقودنا إلى حيث شاءت مشيئته. هناك نرى أشياء عاديةً، وأخرى خارقة، نتذكَّرها بعد انحسار مُوَيْجَات السُّكْر والصَّخب الدَّاوي؛ (رؤوس الأبقار على أجسام الإبل. عيون حبيباتنا مُرَكَّبَةٌ مَحَلَّ خَطَرَات اللَّوَارِي، صاعدةً قِيزَان الرِّمال، تَغْمِز لنا بفجور واشتهاء. وقطعانٌ من الخِرَاف تُسَاقُ بعصا دون راعٍ، تنْزَع الصُّوفَ الذي سرعان ما يتحوَّل إلى قطن مندوف).

هيه، كنَّا نسكر، نرقص، ونحبّ. نفعل كل شيء يجدِّد دماءنا. بمشيئة الطبيعة يتمّ كل شيء في أوانه، إلى أن تبدل كل شيء؛ تبدَّلت المواسم، أصبحنا تحت رحمة مؤامرة تُحَاك بعيداً عن أعيننا. حَلَّ الصَّيْفُ مَحَلَّ الشتاء؛ والخريفُ مَحَلَّ الرَّبيع، وكُلُّ شيء حلَّ مَحَلَّ كلِّ شيء.

تضاءلت صورة العالم، حين أجبرت الصحراء ثلاثَتَهم على السَّير سبع ليالٍ على الأقدام إلى صورة باهتة لا طعم لها. يسيرون ليلاً مهتدين بالنُّجوم المراوِغة؛ ونهاراً ينامون تحت ظلِّ رقراق الأشجار الشَّحيح تتقدَّمهم بهائمهم الضَّامرة، التي، كل يوم تنقص واحدة أو اثنتين، يتركونها لمصيرها الصحراويّ، متفادين أماكن الرِّمال المتحرِّكة التي ابتلعت فيما مضى كثيراً من البهائم. حين شارفوا تخوم المدينة من الجهة الغربية أغْرَتْهُم الأضواء المتلألئة فظنّوها نهاية العناء والرَّهَق. فيما بعد تكشَّف لهم سحر أضواء النيون عن غُول يفترس كل شيء.

الصحراء أيضاً غُول يفترس، إلا أنه غول واضح، يكشِّر عن أنيابه، ولا يبتسم مثلما فعلَت معهم أضواء النيون وواجهات المحالّ الزجاجيَّة حين توغَّلوا نحو المدينة ذات صباح مشرق بألف شعاع وشعاع.

بذاكرة الثأر اقتحموا المدينة مثل ثيران شبقة. تحيَّروا في دخولها. المداخل كثيرة، كل مدخل يفضي إلى اتجاه. المطلوب في النهاية هو المدخل الصحيح. تجوَّلوا داخل المدينة بعيون شرهه تلتهم كل شيء.

التهموا في سِرِّهم الفَتَياتِ ذوات الفَسَاتِينِ القصيرة والجسد البَضّ، الدَّجاجَ المحمَّرَ في الشَّوَّايات، الملابسَ المستوردةَ داخل الفترينات، السياراتِ البيضاءَ والحمراءَ والكَبْدِيَّة، أكوامَ اللَّحم التي في زِنْك السوق، بائعاتِ التَّسَالي والفُول، عرباتِ التاكسي الصَّفراء، المكتباتِ والصُّحفَ اليومية، رجالَ البوليس والقضاء الشَّرعي، أروقةَ المحاكم والمطلَّقات، اللُّصوصَ ومُوْدِعي الأرصدة في البنوك، البهائمَ المعلوفةَ وأكوامَ البرسيم، الحَلَوِيَّاتِ وصَوَانِي البَاسْطَة والرَّغيفَ التُّوسْتَة والأفرانَ بعجينها المتخمِّر، أطفالَ الرَّوْضَة والمدارس وطلابَ الجامعات، المقاهي والحدائقَ المنشأة حديثاً على شارع النيل؛ كُلّ شَيْء. كُلّ شَيْء.

تَعِبُوا من الالتهام المتواصل. العين لا يملاها إلاَّ التُّرَاب؛ قالوا كثيراً. أصاب اللُّهاث صدورَهم، فأصبحوا يعالجون شُؤونهم بتَرَوٍّ وصبر. انحسَرَ مَدُّهم، فصاروا متهدِّلِي الكتوف. تقهقروا إلى طرف المدينة الغربيّ، وسط الأحياء العشوائيَّة، يَؤَاخُونَ في سِرِّهم بين طينها ورمالهم.

وسط النسوة البائعات، بَرَقَت الفكرةُ دفعةً واحدة. كانت لا تُقَاوَم. تجاذبوها مع النسوة اللائي تحفَّظْنَ قليلاً لكنها راقت لهنّ في السِّر، تضاحكنَ في خجل وسذاجة من حماقة ثلاثة رجال لا مستقبل لهم جلبوا من نهاية الحي نُقَّارَة وبرميلْ مليء بالماء. توسط ثلاثتهم الحلقة التي تكوَّنت تلقائياً من النساء والرجال، تطوَّع أحدهم فضرب على النُّقَّارة ضربات سريعة جعلت الدَّم ـ لثانيةٍ ـ يجري في الاتجاه المعاكس، ثم يأخذ دورته الطبيعية. إحدى النسوة أطلقت زغرودة متعثرة، قاومت خجلها قليلاً ثم انطلق صوتها مهولاً ثم أخذت ترشُّ ثلاثتهم بالماء... بالمطر.

انطلق الثلاثة في رقصة صاخبة على إيقاع النُّقَّارة وصِفِّيق المتطوِّعين الذي طوَّقوهم من كل اتجاه، بينما انطلق صوت يحمحم بالغناء.

كل شيء بدا متعثراً؛ نقرات النُّقَّارة، صوت الزغرودة، رقصة ثلاثتهم، صوت المغنِّي، إلا أن كل شيء سار في خطٍّ مرسوم منذ الأزل، تلاحقت الزَّغاريد متدافعةً من أفواه عدد من النساء والرجال، أعقبتها نقرات النقَّارة، فتلاشى الخوف من صوت المغني وانطلق عالياً بطبقات مترَعة بندى الأغنيات.

تتالت ضربات الأرجل على الأرض، وانسجمت مع الايقاع، فيما الأكف تغلي بالتصفيق الساخن، تعقبه أصوات دافئة تشيل الغناء وترجعه. تُوحِّد كل شيء في شيءٍ واحد: الفرح.

طالت الرقصة آماداً طويلة، ثلاثتهم كانوا يدفعون أجسادهم في أتونٍ يغلي بالفرح، وثمة رغبةٌ مبهمةٌ تتحرَّكُ في دواخلهم، تحفزهم على الثأر من كل لحظةٍ ضاعت، الثأر من أي شيء.

حاول بعض الذين يطوقون الحلقة الرقص؛ الوثوب نحو دائرةِ الفرح على الايقاعات المحمولة، لكن أنس الثلاثة منعهم، لم تكن رقصةٌ، كما كان يبدو لهم، رأوها تحولت إلى معايير عجزوا عن معرفتها وسبر كنهها، لكنهم أحسوا بها، ثلاثتهم صرعى، وحمى غريبة تَحوَّل فيها الجسد إلى كبريت مشتعل.

يوليو 1996م