جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

قصة دار عـمّــي مــوح

قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل اسبوع قصة ً جديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار امريكي..

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد اقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي إكسترا على العنوان التالي: bbcxtra@bbc.co.uk أو او لمجلة العربي. إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

القصة الفائزة هذا الأسبوع:

دار عـمّــي مــوح

العيد بالح-الجزائر

غَسـقٌ لا ككلّ الأغسـاق، لون سمائِهِ غريبة، ليس لـه مثيـل، لا يُشبه الأغسـاقَ التي عِشتًُها و ربّما عاشَتْني...ستّـة أيّـام تَمضِي، اليوم الـ27 ديسمبــر، منذُ أسبـوع أسقطَ الخريف ورقتَهُ بعد أن أسقـط ملايير أوراق الشجر، عمّـي مـوح سقطت ورقتُهُ أيضًا، ليتَها كانت صنوبريـة لا تسقُُـط إلاّ بعد أن تجفّ، أتصورّ أنّ الخريفَ يحمرُّ وجهُهُ خجلاً كلّمّا ذُكِرت ورقةُ الصنوبر أمامه، لكنّ ورقة عمّي مـوح كانت صفصافيّة تُغنّي مع أدنى هبّة ريـح، تُغنّي و هي آيِلةٌ للسقوط، بـلْ حتّى و هي تسقـط...كان غسقًا بطُعمِ الحلبةِ التي لطالما عشِقها عمّي موح.

لَـكَمْ ودِدْتُ لـو سمعـتُ منـهُ جوابًا تأجّل سؤالهُ في كلّ مرّة التقيتُه فيها، لسببٍ لستُ أدري ما هو، أعلمُ فقط أنّه شيطـانٌ أو شِبهُه، يضحكُ الآنَ و هو يتأمّلُ سحابة الحيرة على وجهي، "عْلاَهْ يَا عَمّي مـوح دَايْمًا تْقُولْ دَارْنَا و مَا تْقُولْشْ دَارِي كِيمَا لُخْرِينْ ؟..." (1) سؤالٌ أراه مُعلّقًا في السماء الثامنة كما عُلّقت ذات يوم تلك القصائد على أستار الكعبة، لم تُجِبني يا عمّي موح و أنتَ حيّ و كيف تستطيع فِعلَ ذلك وأنت تحت قناطير مقنطرة من الذهــ...عفـوًا مـن الأتربة الصفراء التي جاء دورُها لتعلوَ على السوداء...

كِدْتُ أضحك، بـل و أُقهقـه لـو لا ذلك الصوت الذي سمعتُه بداخلي "أَجُننت ؟...نحنُ في جنازة !!"، كِدتُ أفعلها و أنا أتذكّر ما قالهُ نورمان ميللر في إحدى الحوارات الصحفية، قيل لهُ كيفَ ترى نفسكَ في مرحلة ما بعد الموت ؟...أجاب بأنّهُ يرى روحَهُ و قد تقمّصت صرصورًا...غير أنّهم طمأنوني بأنّه سوف يكون أسرع صرصورٍ في البيت...لِما لم تقُل بيتُنا يا ميللر؟...هل أنت حيّادي أم أنّك تتحايد؟...كم أمقتُ الحياديين لأنّني أعتقدُهم جُبناء، نعم يا ميللر إفعل ما شئت، لو قلتَ عكس ما يقولُه عمّي موح لكان الأمرُ أهـون من أن تكون حيّاديّا، قُـلْ "بيتي" أو كما يقول الآخرون "داري"، الأهمّ عندي أن عمّي موح لم أسمع منه هذه الكلمة، لم يقل يومًا سوى "دارنــا"....إنتظـر من فضلك...لكن، لو اتّفق لي و أن صادفتُ عمّي موح صُرصورًا هل أجدُه على العهد بـاقٍ، فيرسُم لي بقرنيْه في الهواء كلمة "دارنــا"...شيء مقزّز هذا الذي أُفكّرُ فيه، عمّي موح صرصورًا؟...لا لا يُمكِنُ ذلك...و إن يكُن، فهـذا أفضل من أراه أبا جعران يكوّر الروث.

ــــــــــــــــــــــ

(1)- باللهجة الجزائرية، و معناها لماذا يا عمّي محمّد تسمّي الدار بضمير الجمع فتقول "دارنــا" و لا تسمّيها كما الآخرين "داري".

ها القهوة يا الشّيخ.

إلتفتُّ إلى مُحدّثي فإذا به الإبن البكر لعمّي موح يُقدّم لي فنجان القهوة، أردتُ أن أتأمّله قبل أن أمـدّ يـدي إلى الفنجـان، الـذي اكتشفتُ أنّ يدهُ مبتورة، كِـدتُ أنفجِـرُ في وجهه "عْلاَهْ كَانْ بَابَاكْ يْقُولْ دَارْنَا وْ مَا كَانْشْ يْقُولْ دَارِي كِيمَا لُخْرينْ؟..."، إبتسمَ في وجهي ببلاهة عندما لاحظَ أنّي أتأمّل وجهه مُتجاهلاً الفنجان الذي -لسخونته- راحَت يُمنـاه تُسلّمهُ ليُسراه و يُسراه ليُمناه في تنظيم كرونيكيّ...بــونٌ شاسعٌ بينك و بين عمّي موح يا عبد القادر، سمعتُهم يُنادونه هكذا، لستَ تُشبه الليث الذي كان يملأ لي الفنجان، يُمدّد الملعقة بجانِبِه، يرفع غطاء السكرية و هو يقول بنبرة أقرب إلى الصراخ منهُ إلى التحدّث "هَا هِي القَهْوَة، دِيرْ السُكُّرْ ارُّوحَكْ، اشْرُبْ و لاّ خلّيهَا فِي بْلاصتْهَا كايَنْ فِي دَارْنَا اللّي يشْرُبْهَا"(2)، كنتُ أشربها في كلّ مرّة، إلاّ انه لم ينس يوما أن يُسمِعني هذه اللازمة...

أجلسُ على كرسيّ ذي أربعة أطراف معدنية غرِقت في الصدأ إلى المنتصف، خوفًا من انكسارِها رُحتُ أُسنِدُ جسدي على رجليّ و على العصى التي كُنتُ أُمسِك، ورثتُها عن جدّتي التي لم تكن تمرّ فرصةٌ و إلاّ و قالت "...و لها مآربُ أخرى"، تقولُها بعربية فُصحى، لا تزيد و لا تُنقِص من هذه العبارة شيئًا...تُقابلني وجوه منتفخة أشبهُ بالبطون التي أسفلها، يجلسُ أصحابُها على كراسٍ خشبية، أرجُلها بسمك عنُقي، قلتُ في نفسي "لحسنِ الحظّ أن لا أحدًا منهم جلس على كرسييّ الذي لا أعتقد أنّه سوف يصمد أمام ذلك الكمّ من الشحم و اللحم و و و ما تحمله تلك البطون من خــ..." ... لم أعلم إلاّ بعد أيامٍ أنّهم كانوا أصدقاء عبد القادر إبن عمّي موح...لـو لا غبائي لكنتُ استنتجتُ أنّهم من صنفٍ واحد بنظرة واحدة إلى كروشِهم التي تلوّحُ بالتدفّـق في كلّ لحظة.

ــــــــــــــــــــــ

(2)- باللهجة الجزائرية، و معناها : ها هي ذي القهوة، ضع السكّر بنفسِك و اشربْ، أو أُترُكها -إن لم تشأ الشرب- في مكانِها، يوجَد في دارنا من يشربها .

مرّة أخرى وجدتُني أمام الضحِـك وجهًا لوجه، لقــد وقـف خلف المكان الذي كنتُ فيه عبد القـادر و راح يوشوشُ لأحد إخوته السبعـة، "الجْمَاعَة اللّي مْقَابْلِينَّا إدّيهُمْ يْبَاتُوا فِي دَارِي"(3)...أحسستُ في تلك اللحظة بعظمتك عمّي موح...تملّكتنِي أيضًا رغبةٌ في النهوض و ضرب هذا الـ عبد القادرعلى قفاه، و ما يمنَعُني من الوقوف، تأمّلتُه ثانية و الإبتسامة البلهاء لا زالت مرسومة على شفتيْه، صرختُ فيه هذه المرّة "عمّي موح كان يُتأتئ في كلامِه، الجميع يعلم ذلك، الجميع يعلم أنّ كلمةً وحيدة كان يقولها بطلاقةٍ، وحيدة لا شريك لها، كان يقول دارنا، أظنّك تعلم هذا، و أنت اليوم أراك تتبرّز من فمّك بـهذه الـ داري !! تفوه عليك !!!"، رفعتُ يدي لم يقُل و لم يفعل شيئًا، فقط ازدادت ابتسامته اتّساعًا، فجـأةً انطفـأت المصابيح الثلاثة التي كانت تُنيرُ المكان، تلاشَت الأصوات، لم أعُد أرى شيئًا و لا أسمعُ شيئًا، صمتٌ مُطبــق، انقطع حبلُ الصخب الذي كان ينبعث من داخل دار عمّي مــوح...صمتٌ يتبعهُ صمت،وظلامٌ يلاحق الظلام...لا شيء غير الصمت و الظلام، أصيخُ السمع، صوتٌ يصِلني من بعيد، بعيد البعيد، لكن من أين؟...من الغرب؟...لا، من الشرق؟...لا لا، من الجنوب؟...لا لا لا، إذن من الشمال؟...كلاّ كلاّ كلاّ...من أين إذن؟...قال لي احدهم و ربما كنتُ انا نفسي من قلتُ "من وجهة غير التي يعرفها العالم اليوم"، الصوتُ يقترب في هذه اللحظة، إنه بكاء رضيع "وغ...وغ...وغ...وغ !!"، يقترب و يقترب "وغ...وغ...آآآهنننننن، نا نا نا، آههههنا"، ماذا؟ إنهُ يريد قول كلمةٍ على وزن فُعالنا، لقد وجدتُها "دارنا" نعم "دارنا" ...، يا للبشرى، عمّي موح عائد ...، عمّي موح قادم ليُكملَ لي قصّة جدّه الذي كان ينتعل البومنتل(4) و يتحايل على البصلِ عند زرعِه، يقسـمُ الـواحـدةَ شطريْـن اثنيْـن، و إلاّ لما أعطت له كلّ واحدة أكثر من حبّة مثلِها، لقد قال لي هذا ما يُسميه جدّهُ بُخلُ البصل....أصحاب الكروش الذين كانوا يجلسون قُبالتي تفوح منهم رائحة البصل...لكن الرضيع قال دارنا، فليذهب العالم والبصل و دار عبد القادر إلى الجحيم ...

ــــــــــــــــــــــ

(3)- باللهجة الجزائرية و معناها : الجماعة الذين يجلسون قبالتنا، إصطحبهمْ للمبيت في داري.

(4)- حذاء يَدَويّ الصنع، كان يُصنع بأوراق الحلفاء ليقي الأرجلَ من برد الشتاء، انتعل الجزائريون هذا النوع من الأحذية أربعينيات و خمسينيات القرن الماضي، إبّان الإستعمار الفرنسيّ.

خطوتُ خطوات، لا زال الظــلام سيّدُ المكان، لا زال الصمتُ وليّ عهدِه، بلَغَني صوت، أشبه بالصوت الذي كانت أجسادُنا تُحدِثُه في أول ارتطامِها بصفحة البرك الطينية التي كنا نسبح فيها، سمعتُ عبد القادر و هو يئنّ من الألــم "أي أي أي ..."، إنقشع الظلام –كما حلّ- فجأةً و عاد مصباحان من الثلاثة إلى الإشتعال، إستدرتُ فـإذا بعبد القادر واقع و الدم ينزّ من قفـاه...جلس على الكرسيّ ذي الأرجل الصدئة فوقع به في غمرة الظلام.

العــيـــــــد بالـــــح

PAGE 2