جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

قصة لماذا لم انتحر.؟!

قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل اسبوع قصة ً جديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار امريكي..

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد اقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي إكسترا على العنوان التالي: bbcxtra@bbc.co.uk أو او لمجلة العربي. إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

........................................................................................

القصة الفائزة لهذا الأسبوع:

لماذا لم انتحر.؟!

أنا الآن في عالم الأموات.. لقد انتحرتُ منذ يومين، كان شعوراً غريباً، أجريتُ عملية حسابية بسيطة، كانت الكفة راجحة لسعيي الانتحاري. لم أهنأ يوماً بلحظة فرح أو ثناء أو حتى فشل وجيه مُسبِبٍ.

كنتُ من المتفوقين في جُلّ مراحلي الدراسية والعملية، حُرمتُ قسراً من بعثة دراسية إلى فرنسا، كنتُ كما كان يردد والدي ابناً مرضياً.. وزوجاً مثالياً كما كانت تردد زوجتي، التي خلعتني فيما بعد، وتزوجت مباشرة ابن مدير الدائرة التي أعمل فيها.!

صدر قرار تعسفي بنقلي من وظيفتي في المدينة إلى أحد الأرياف النائية، فقدمتُ استقالتي، ووافق المدير السبعيني عليها بسهولة فائقة دون أن يكلف نفسه عناء السؤال عن السبب الذي جعلني أتقدم إليه بطلب الاستقالة.؟!

أذكر أنني قلتُ له وهو يقبع على كرسيّه الوثير كعجل ضخم ببرود أعصاب، وكأنني أفرغتُ للتو في جوفي كوباً من شراب ليمون مثلج :

لو سارتْ الأمور بهذه السرعة في الدوائر الوظيفية، لكنّا بألف خير.؟!

ردّ عليّ بوجه متجهم وقرفٍ لم أتمكن من تفسيرهما:

هذا يعني أنكَ غير راض عن النظام الذي تسير بموجبه الدوائر..؟

- أنا ...!

- وبالتالي أنتَ غير راض عن القوانين التي تخدم البلد والمواطن.؟

- ..........!!!

وأردف بعصبية:

انصرف أيها المريض.. أنصحك بطبيب نفسي بعد خروجك من هنا مباشرة.!

سافرتُ إلى القرية حيث تقطن والدتي، التي أقسمتْ منذ زمن طويل أنها لن تترك القرية بعد وفاة والدي، الذي استشهد دفاعاً عن الوطن. ما زلتُ أذكر أننا خرجنا إلى الشوارع بعد أن غادر العدو أرض الوطن، مغتصباً لكرامتنا، نحتفل بنصر مؤزر، نزغرد وندبك وقد بُحت حناجرنا، ونحن نهتف بشعارات تندّد بالعدو وجرائمه.

قلتُ لها بينما كانت تتوضأ من ماء الحنفية:

ـ سأسافر بعيداً يا أمي.. هل ترغبين في شيء قبل أن أذهب .؟!

ـ وأين ستسافر.. إلى بلاد الكفار الذين سلبوا كلّ خيرات بلادنا..؟!

ـ كلا يا أمي، بل سأسافر إلى ....!

ـ لا تكفر يا ولد، كن عاقلاً.. سأغضب عليك حتى يوم القيامة إذا لم تكف عن هذا الهراء.

ألقيتُ نظرة أخيرة على الغرفة التي نشأتُفيها، كنتُ مأخوذاً بسحر القرآن في ذلك الزمن وهو يُتلى بصوت والدي الجهوري الجميل، أرغمني والدي في البداية على الاستماع إليه، ثمّ تحول الأمر بعد ذلك إلى طقس مقدس، كنتُ أتكوم على بعضي، أحبس أنفاسي منتشياً إلى أن ينهي القراءة. في الغرفة ذاتها أتقنتُ حِفظ الحروف وكتابتها، وفيها كنا ننام جميعاً، نغير ملابسنا، ونستحم في "طَشْتٍ" معدني أصبح نحاسياً بعد ذلك لكثرة الاستعمال.

انصرفتُ بعد أن قبّلتُ رأسها وراحة يدها وهي تردد على مسمعي:

ـ إياك أن تسافر إلى بلادهم.. سأغضب عليكَ يا ولد.!

عدتُ بعد ذلك وأنا أشعر بتعب يفتتُ ما تبقى من العزم في هذا الجسد الذي سيودع هذه الأرض بغزو طوابقها السفلية.

ولجتُ البيت.. أحكمتُ إقفالالأبواب والنوافذ والستائر.. أوقفتُ ساعة الحائط عن التكتكة.. ألقيتُ نظرة على السلك الموصول من مكبس الضوء والممدد بشكل مستقيم في منتصف الغرفة. الكرسي الحديدي الثقيل الذي اشتريته لهذه الغاية تحت السلك تماماً. الحبل الذي سأربط به رجلي بأرجل الكرسي ملقىً على الأرض بالقرب منه، أطفأتُ الإنارة، جلستُ على الكرسي، أحكمتُ رباط رجليّ، كممتُ فمي، زفرتُ زفرات قوية متتابعة فيما ذاكرتي تستحضر صوراً وأخيلة ومواقف تتعلق بشبابي المتحمس ورجولتي الخائبة، انهمرتِ الدموع من عينيّ وانهمر العرق بغزارة من جميع أنحاء جسدي.. طلبتُ المغفرة من الله بصوت واهن مبحوح، قرأتُ سورة الفاتحة وآيات من سورة " ياسين" على روحي، وصليتُ مصفداً بعد ذلك صلاتي الأخيرة.

مدّدتُ يديّ إلى السلك المعرّى، أطلقتُ صرخة مكلومة ذبيحة. ماتتْ صرخاتي التي قمتُ بكبتها في حلقي وأنا أنتفض.. أرتعش.. أغيب عن الوعي، انتزعَ السلكُ الجائعُ اللحمَ عن جسدي، بقيتْ عظامي، ثم تفحمتْ رويداً رويداً.

لملمتُ بعد ذلك ما تبقى من عظامي المبعثرة، ثمّ أرجعتُ كلاً منها إلى موضعه الأساسي، ونزلتُ إلى الشّارع. كانت الناس تنظر إليّ نظرة شزراء، صوبتُ عينيّ الجاحظتين المخيفتين إلى المحلات والباعة. في زاوية نائية متطرفة أبصرتُ قصاباً بديناً مربوعاً يقطّع لحم خروف معلقٍ بسلسلة.. دنوتُ منه.. ألقيتُ عليه السلام.. كان منهمكاً بعمله، وعندما نظر خلفه وأبصرني خاف وتعوذ بالله ثمّ فرّ هارباً لا يلوي على شيء، ألصقتُ لحم الخروف النيئ على عظامي.. ولجتُ المحل، مدّدتُ يديّ إلى درج الطاولة.. كان فارغاً.. حملتُ سكيناً وقصدت الشارع العام.. وجدتُ على ناصيته شاباً وسيماً يتأبط كتاباً ويستظل بجريدة يحملها بيده الأخرى.. كان ينتظر الحافلة لكي تقله ربَّما إلى عمله.. اقتربتُ منه من الخلف.. اسّتللتُ السكين.. وضعتهُ على رقبته.. قلتُ له: انزعْ ملابسك وإلا قطعت عنقك.. لم يحرك ساكناً.. نزع ملابسه على الفور وهو يكتم أنفاسه.. قمتُ بارتدائها.. ووليتُ هارباً.. طلبتُ من امرأة جميلة كانت تسير في الطريق بكل غنج ودلال: هل تقبلين أن تكوني أمي..؟!

سارعتْ إليّ وحضنتني، ثمّ قبلتني على خدي قبلةً طويلة تبخرتُ على أثرها.!

....................................

عمران عزالدين أحمد / سوريا